السبت، 15 نوفمبر 2025

التنكيس في الصلاة : الضوابط الشرعية والحكم الفقهي

بقلم : خليفة مزضوضي باحث في علم الاجتماع والنفس : منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي ؛ مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات والاصلاح السلوكي.....!!! مقدمة يعدّ التنكيس في الصلاة من المسائل الفقهية التي تنازع فيها العلماء من حيث المفهوم والحكم والضوابط. ويقصد بالتنكيس: عكس الترتيب المأمور به شرعاً سواء في قراءة القرآن أو في أركان الصلاة. وهذه الدراسة تبين أنواع التنكيس وحكم كل نوع بالأدلة الشرعية ومناقشة المذاهب. أولاً: تعريف التنكيس لغةً واصطلاحاً 1. لغةً التنكيس من النَّكْس، وهو العكس والرجوع عن الترتيب، يقال: نكست الشيء إذا قلبت ترتيبه. 2. اصطلاحاً عند الفقهاء يأتي على ثلاثة أنواع: 1. تقديم سورة على سورة في القراءة داخل الصلاة. 2. عكس ترتيب الآيات داخل السورة الواحدة. 3. عكس ترتيب الأركان، كأن يقدم السجود على الركوع. ثانياً: تنكيس السور (تقديم سورة متأخرة على متقدمة) حكمه جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية والحنابلة): التنكيس في السور مكروه وليس بحرام. الحنفية: قالوا بجوازه من غير كراهة، لأن ترتيب السور اجتهادي من الصحابة وليس توقيفياً. الأدلة دليل الجواز وعدم الإبطال 1. حديث المسيء صلاته (البخاري ومسلم): علّمه النبي ﷺ الصلاة ولم يذكر ترتيباً للسور، بل أمره بقوله: «ثم اقرأ ما تيسّر معك من القرآن». وهذا يدل على التيسير وعدم إلزام ترتيب السور. 2. النبي ﷺ قرأ في بعض الصلوات سوراً مختلفة دون ترتيب المصحف، كقراءته في النافلة: النساء ثم المؤمنون (مع أن ترتيب المصحف مختلف) دليل الكراهة يرى المالكية والشافعية أن ترتيب المصحف له هيبة ومعنى، فمخالفته خلاف الأولى فقط، وليس حراماً. ثالثاً: تنكيس الآيات (قراءة آية بعد أخرى متأخرة ثم الرجوع) حكمه: اتفق الفقهاء على أن عكس ترتيب الآيات محرم لأن ترتيب الآيات توقيفي من عند الله تعالى. الأدلة : 1. قوله تعالى: > ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ (هود: 1) أي رتبت وأتقنت. 2. إجماع العلماء قال ابن العربي: ترتيب الآيات في السور واجب وحكمه حكم القرآن المتواتر. وقاله الزركشي والسيوطي. 3. المعنى الشرعي الرجوع إلى آية سابقة بعد لاحقة تغيير لكتاب الله، وقد يلبس على الناس ويخرّج النصوص عن مواضعها. أثره على الصلاة تعمده يبطل الصلاة عند الشافعية والحنابلة. النسيان: لا يبطل، لكن يجب الرجوع فوراً. رابعاً: تنكيس الأركان (عكس هيئة الصلاة) تعريفه تقديم ركن قبل ركن، مثل: السجود قبل الركوع الجلوس قبل القيام التشهد قبل السجود حكمه أجمع العلماء على أنه يبطل الصلاة لأنه: مخالفة صريحة لقول النبي ﷺ: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (البخاري). الأركان لها ترتيب واجب بالإجماع. الدليل الشرعي حديث أبي هريرة رضي الله عنه في البخاري ومسلم عندما علّمه النبي ﷺ الصلاة: > «ثم اركع… ثم اسجد… ثم افعل ذلك في صلاتك كلها» دلّ على أن الترتيب ركن لا يصح تركه. خامساً: التفصيل العلمي في حكم التنكيس 1. التنكيس الجائز تقديم سورة على سورة: جائز مع الكراهة عند الجمهور. 2. التنكيس المحرّم عكس ترتيب الآيات: حرام لأنه تغيير للقرآن. 3. التنكيس المبطل للصلاة عكس ترتيب الأركان: يبطل الصلاة بلا خلاف. سادساً: أقوال العلماء ابن تيمية > "تنكيس الآيات محرّم، وأما تنكيس السور فمكروه وليس بمحرم." الإمام النووي > "اتفق أهل العلم على أن ترتيب الآيات واجب، وأن تغييرها عمداً يفسد الصلاة." القرطبي > "ترتيب السور اجتهادي، أما الآيات فترتيبها توقيفي، فاختلالها لا يجوز." خاتمة: يبين البحث أن صلاة التنكيس ليست صلاة مستقلة، وإنما هي أحكام تتعلق بالترتيب داخل الصلاة، وتتدرج أحكامها بين الجواز والكراهة والتحريم والبطلان، وفق نوع التنكيس. والحكمة العامة: حفظ هيئة الصلاة وصيانة قرآنها وترتيبها كما جاء عن النبي ﷺ.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق