بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي.... !!!.
العنوان الذي طرحته أمام القارئ اليوم : “المبدأ الذاتي في نظرية ابن منظور بين الحداثة المعاصرة” يمكن أن يكون أساسًا لدراسة فكرية لغوية أو فلسفية تربط بين التراث اللغوي العربي ومفاهيم الذات والحداثة.
فيما يلي معالجة أكاديمية مقترحة لهذا الموضوع، مع توضيح المقصود بالمبدأ الذاتي وكيفية مقارنته بالفكر المعاصر:
المبدأ الذاتي في نظرية ابن منظور بين الحداثة المعاصرة
أولاً: مدخل عام
يُعدّ ابن منظور (630هـ – 711هـ)، صاحب لسان العرب، من أبرز علماء اللغة الذين أسّسوا لفكرٍ لغويّ يقوم على مركزية الإنسان في إنتاج المعنى.
فمعجمه الضخم لم يكن مجرد حصرٍ للألفاظ، بل مشروعًا لفهم الذات العربية من خلال لغتها، إذ يرى أن اللغة مرآة الفكر والوجدان والهوية.
ومن هنا، يمكن القول إن في فكر ابن منظور ملامح لما يمكن تسميته بـ “المبدأ الذاتي”، أي إدراك اللغة بوصفها نابعة من الإنسان ومعبّرة عن تجربته في العالم.
ثانياً: المبدأ الذاتي عند ابن منظور :
1. اللغة كأثر ذاتي للإنسان
ابن منظور ينطلق من أن اللغة ليست مجرّد رموزٍ اصطلاحية، بل هي نتاج التجربة الإنسانية.
فالإنسان – في تصوّره – يُسمي الأشياء بحسب إحساسه بها، فيربط الاسم بالفعل والصفة بالمعنى، مما يجعل المعجم في جوهره سجلاً للذات العربية عبر الزمن.
2. المعجم مرآة للوعي الجمعي
من خلال ترتيبه وتعريفاته، يظهر ابن منظور كمن يحاور الأمة عبر لغتها، فيحافظ على الذاكرة الجمعية ويمنحها تماسكاً ضد التغير.
هذا التوجّه يُبرز “الذات اللغوية” بوصفها أساس الهوية الثقافية.
3. المبدأ الذاتي والبعد الأخلاقي
في شرحه للألفاظ الأخلاقية والاجتماعية (مثل: العدل، الصدق، الشرف...)، لا يقدّم ابن منظور معنى جامداً، بل معنى مرتبطاً بالقيم والتجربة الإنسانية، مما يكشف عن فهم عميق للعلاقة بين الذات واللغة.
ثالثاً: المبدأ الذاتي في ضوء الحداثة المعاصرة
في الفكر المعاصر، خصوصاً مع الفلسفة الوجودية والبنيوية وما بعد البنيوية، برز مفهوم الذات بوصفها المنتج الأول للمعنى، وهو ما يُشبه إلى حد بعيد ما نلمحه في منهج ابن منظور.
عند ديكارت: الذات هي محور المعرفة ("أنا أفكر إذن أنا موجود").
عند هوسرل وهايدغر: الوعي بالذات شرط لكل تجربة معرفية.
في النقد اللغوي الحديث: اللغة ليست مجرد أداة بل كيان وجودي يصوغ الذات.
هنا يمكن القول إن ابن منظور – رغم كونه من القرن السابع الهجري – سبق حداثة اللغة في تركيزه على الذات المنتجة للمعنى، وإن بطريقة غير فلسفية صريحة.
رابعاً: المقارنة بين المنهجين
المحور ،: ابن منظور الفكر الحداثي المعاصر
منطلق المعنى : الذات الجمعية (الأمة، الوجدان العربي) الذات الفردية المفكرة
وظيفة اللغة : حفظ الهوية والمعرفة خلق المعنى وتفكيكه
رؤية الذات ذات مندمجة في الجماعة ذات مستقلة ناقدة
الغاية : صون اللغة وتفسيرها مساءلة اللغة وتفكيكه .
ورغم الاختلاف في الغاية، فإن المنطلق واحد: اللغة هي أداة الإنسان لفهم العالم، لا مجرد وعاء جامد.
خامساً: الخلاصة
يمكن النظر إلى “المبدأ الذاتي في نظرية ابن منظور” كجسرٍ بين التراث اللغوي العربي والفكر اللغوي الحديث.
فابن منظور، بوعيه اللغوي والإنساني، قدّم نموذجاً مبكراً لاعتبار اللغة كياناً حياً ينبع من الذات الإنسانية، وهو ما يجعل فكره منفتحاً على قراءة حداثية تربط الماضي بالحاضر.
خاتمة :
إن إعادة قراءة تراث ابن منظور في ضوء الفكر الحداثي ليست عودة إلى الماضي، بل هي محاولة لإحياء المبدأ الذاتي في ثقافتنا، وتأكيد أن اللغة العربية ليست مجرد تراث لغوي، بل مشروع وجودي إنساني يواكب الحداثة ويمنحها عمقاً روحياً ومعرفياً .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق