بقلم : خليفة مزضوضي باحث في علم الاجتماع والنفس منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي و مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات والاصلاح السلوكي .....!!!
المقدمة :
أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي فضاءً مركزياً في تشكيل الهوية والسلوك لدى فئات واسعة من الشباب في العالم العربي. ومع هذا التحول الرقمي المتسارع، برزت ظاهرة جديدة تعرف باسم حبّ الكلاوت، أي الرغبة المفرطة في الظهور، والحصول على الإعجابات، والمشاهدات، والاعتراف الرقمي. وهذه الظاهرة ليست مجرد سلوك إلكتروني عابر، بل هي مؤشر على تحولات عميقة في البنية النفسية والاجتماعية والثقافية للمجتمع المعاصر.
أولاً: تعريف ظاهرة حبّ الكلاوت
يشير مفهوم الكلاوت (Clout) إلى السعي لاكتساب النفوذ والشهرة عبر الفضاء الرقمي، اعتماداً على:
نشر المحتوى بصورة مستمرة،
الحصول على الإعجابات والتعليقات،
جذب أكبر عدد من المتابعين
خلق حضور رقمي يفوق الحضور الواقعي.
وتُعد هذه الظاهرة امتداداً لما يسميه علماء الاجتماع بـ"الهوية المؤدّاة" حيث يتحول الشخص إلى ممثل دائم أمام جمهور غير مرئي.
ثانياً: الجذور النفسية للظاهرة
1. الحاجة إلى الاعتراف
يرتبط حبّ الظهور مباشرة بالحاجة الإنسانية إلى التقدير والاعتراف، وهو ما توفره المنصات الرقمية بشكل سريع ولحظي.
2. النرجسية الرقمية
حيث يتم تضخيم صورة الذات من خلال الفلاتر، والزوايا المثالية، وصناعة صورة توهم بالكمال، مما يعزز الشعور الزائف بالأهمية.
3. الخوف من التلاشي (FOMO)
تخلق المنصات شعوراً بالخوف من فقدان الاهتمام أو عدم الظهور على الساحة، فيسعى الفرد إلى إنتاج محتوى مستمر حتى لو كان سطحياً.
ثالثاً: الدوافع الاجتماعية والثقافية
1. اقتصاد الانتباه
باتت الشهرة الرقمية رأسمالاً جديداً، له قيمة اقتصادية واجتماعية. وكلما كثر التفاعل، زادت قيمة الشخص داخل الفضاء الرقمي.
2. ثقافة الاستعراض
تحوّلت الحياة اليومية إلى عروض متواصلة: الملابس، السفر، العواطف، الطعام، العلاقات... كل شيء يصبح مادة للعرض.
3. اختفاء الحدود بين الخاص والعام
لم تعد الخصوصية قيمة مركزية، بل أصبحت جزءاً من المحتوى الذي يُباع للجمهور.
رابعاً: مظاهر حبّ الكلاوت
نشر محتوى استفزازي أو صادم بهدف رفع المشاهدات.
تقليد الترندات بشكل مفرط دون وعي أو معنى.
إظهار أجزاء خاصة من الحياة الأسرية.
السعي إلى الارتباط بشخصيات مشهورة لزيادة المتابعين.
الاعتماد على المظاهر: الملابس، السيارات، السفر… لإثبات المكانة.
خامساً: الآثار السلبية للظاهرة
1. على المستوى النفسي
انعدام الثقة بالنفس خارج المنصات.
الإدمان على التفاعل الرقمي.
القلق والاكتئاب في حال غياب الإعجابات.
2. على المستوى الاجتماعي
خلق معايير زائفة للنجاح والاعتراف.
تآكل العلاقات الاجتماعية الحقيقية.
انتشار التقليد الأعمى بين فئات الشباب.
3. على المستوى الثقافي
صعود المحتوى السطحي على حساب المعرفة.
تراجع سلطة المثقف والمربي لصالح “المؤثر اللحظي”.
إعادة تشكيل الوعي وفق منطق المنصات لا منطق القيم.
سادساً: تفسير الظاهرة في ضوء علم الاجتماع
يمكن تفسير الظاهرة عبر مجموعة من النظريات:
نظرية رأس المال الرمزي لبورديو: حيث تصبح الإعجابات رأس مال اجتماعي.
نظرية التفاعل الرمزي: حيث يبني الفرد هويته من خلال ردود فعل الجمهور.
نظرية المجتمع الاستهلاكي لبودريار: حيث تتحول الحياة إلى صور أكثر من كونها واقعاً.
سابعاً: نحو مقاربة علاجية وتربوية
1. تعزيز التربية الرقمية الواعية داخل الأسر والمدارس.
2. ترسيخ قيم الإنجاز الحقيقي بدل الإنجاز الوهمي الرقمي.
3. تشجيع المحتوى الهادف الذي يجمع بين الإبداع والمسؤولية.
4. بناء وعي نقدي لدى المستخدم حول آليات الخوارزميات وتأثيرها.
الخاتمة :
إن ظاهرة حبّ الكلاوت تكشف عن أزمة عميقة في مفهوم الذات والهوية والقيمة داخل المجتمع الرقمي. ورغم أن الظهور الرقمي قد يحمل جوانب إيجابية، إلا أن الإفراط في البحث عن الاعتراف الافتراضي قد يخلق جيلاً يعيش على الإعجابات ويتغذى على المشاهدات بدل الإنجاز الحقيقي. من هنا تأتي الحاجة إلى إعادة الاعتبار للقيم الأصيلة القائمة على العمل، والعلم، والإبداع، والمسؤولية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق