الأحد، 9 نوفمبر 2025

فضائل الاستغفار في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية

بقلم: خليفة مزضوضي رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفية بجهة مراكش آسفي يُعَدّ الاستغفار من أجلّ العبادات التي أمر الله بها عباده، لما فيه من تطهير للنفوس، وتهذيب للقلوب، وجلب للرحمات والبركات. فالاستغفار هو مفتاح الخير ومظهر من مظاهر الافتقار إلى الله تعالى، واعتراف العبد بعجزه وحاجته إلى عفو ربه ومغفرته. أولاً: معنى الاستغفار الاستغفار في اللغة مأخوذ من مادة “غفر”، أي الستر والتغطية، وشرعاً هو طلب المغفرة من الله تعالى بالعفو عن الذنوب وستر العيوب. وهو عبادة تجمع بين التوبة والرجاء، وتدل على حياة القلب ويقظته. ثانياً: الاستغفار في القرآن الكريم لقد ورد الاستغفار في آيات كثيرة من القرآن الكريم، دلالة على مكانته الرفيعة. قال الله تعالى: > ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 110]. وهذه الآية تؤكد أن باب المغفرة مفتوح لكل من أذنب، بشرط أن يعود إلى الله تائباً مستغفراً. كما قال تعالى في موضع آخر: > ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ۝ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا ۝ وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: 10-12]. فقد جعل الله الاستغفار سبباً في نزول المطر، وكثرة الرزق، والذرية الصالحة، والبركة في الحياة. ثالثاً: الاستغفار في السنة النبوية النبي ﷺ كان القدوة المثلى في الإكثار من الاستغفار، رغم أنه غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. يقول عليه الصلاة والسلام: > "والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة" (رواه البخاري). وفي حديث آخر قال ﷺ: > "من لزم الاستغفار جعل الله له من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيقٍ مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب" (رواه أبو داود). وهذه الأحاديث تبين أن الاستغفار ليس فقط للتائب من الذنوب، بل هو أيضاً طريق للفرج، وزوال الهم، وتيسير الأمور. رابعاً: البعد الصوفي في الاستغفار يرى أهل التصوف أن الاستغفار سلوك روحي قبل أن يكون لفظاً، فهو توبة مستمرة من الغفلة والبعد عن الله، حتى في حال الطاعة. يقول بعض العارفين: > “استغفار العوام من الذنوب، واستغفار الخواص من الغفلة، واستغفار خواص الخواص من رؤية أعمالهم.” فالمستغفر الحقيقي هو من يعيش في حضور دائم مع الله، يستشعر تقصيره مهما بلغ من الطاعة، ويرجو عفو ربه ورحمته في كل لحظة. خامساً: ثمار الاستغفار في حياة الفرد والمجتمع الاستغفار عبادة تعود بالخير على الفرد والمجتمع معاً. فعلى مستوى الفرد، يورث راحة القلب، وصفاء النفس، وسعة الرزق، وبركة العمر. أما على مستوى المجتمع، فهو سبب لرفع البلاء، ونزول الغيث، وانتشار الرحمة والأمان، لقوله تعالى: > ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: 33]. فالمجتمع الذي يكثر فيه الاستغفار مجتمع تحفه السكينة والرحمة ويباركه الله في رزقه وأمنه. خاتمة الاستغفار عبادة جامعة، تجمع بين التوبة والرجاء، والاعتراف بالذنب واليقين برحمة الله. وهو مفتاح لكل خير في الدنيا والآخرة. فليكن ديدن المؤمن دائمًا أن يستغفر ربه في السراء والضراء، اقتداءً بنبيه ﷺ، وطلبًا لمغفرةٍ وسعادةٍ لا تزول.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق