الثلاثاء، 4 نوفمبر 2025
من قتل المثقف العربي ؟؟؟
بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .....!!!
قراءة تحليلية سوسيولوجية وفكرية
1. مقدمة
يشكل المثقف العربي أحد أهم أعمدة التنوير وبناء الوعي الجمعي في المجتمعات العربية، غير أنّ واقعه اليوم يكشف عن تراجع حاد في حضوره، وانكفاء دوره التوجيهي والتنويري. والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: من قتل المثقف العربي؟
الجواب ليس واحدًا، لأن عملية “القتل” هنا رمزية، تمت على مستويات سياسية، اجتماعية، اقتصادية، وثقافية.
2. القتل الرمزي والسياسي
أولى عمليات اغتيال المثقف العربي تمت سياسيًا، حين جرى تحويله من ضمير للأمة إلى تابع للسلطة أو صامت أمامها.
الأنظمة السلطوية، منذ منتصف القرن العشرين، احتكرت الحقيقة والمعرفة، فحوّلت المثقف إلى موظف إداري أو مروّج لأيديولوجيا النظام.
بهذا المعنى، فإن القتل تم عبر:
تقييد حرية التعبير والنقد.
إقصاء الفكر المستقل من مؤسسات التعليم والإعلام.
فرض الرقابة والوصاية على الإنتاج الثقافي.
> فالاستبداد السياسي هو أول قاتل للمثقف العربي لأنه يخاف من السؤال، والمثقف هو كائن السؤال بامتياز.
3. القتل الاجتماعي والثقافي
من جهة ثانية، أسهم المجتمع نفسه في قتل مثقفه حين غلبت ثقافة الاستهلاك على ثقافة التفكير.
في ظل التحولات الاقتصادية والعولمة الرقمية، أصبح المثقف يُنظر إليه كـ"كائن هامشي"، لا يمتلك سلطة مادية أو رمزية.
وتراجعت قيمة الكتاب والبحث والجامعة لصالح الترفيه والتواصل السطحي.
النتيجة: انحسار دور المثقف كمرجع، وظهور “المؤثر” كبديل زائف.
4. القتل الاقتصادي والإعلامي
كما أن الاقتصاد النيوليبرالي الجديد جعل الثقافة سلعةً تخضع لمنطق السوق، فصار المثقف الذي لا يواكب "الطلب الإعلامي" أو لا يثير الجدل مهمّشًا.
وهكذا قُتل المثقف عبر التهميش الاقتصادي، وضعف التمويل البحثي، وضياع القيمة الاعتبارية للعلم والمعرفة.
5. القتل الذاتي للمثقف
لكن لا يمكن إعفاء المثقف نفسه من المسؤولية؛
فالكثير من المثقفين انسحبوا إلى أبراجهم العاجية، أو باعوا مواقفهم في سوق السياسة والإعلام، أو استسلموا لليأس.
بهذا المعنى، شارك المثقف في اغتيال ذاته حين فقد صلته بالناس وبالواقع المعيشي .
6. نحو إحياء دور المثقف
بعيدًا عن خطاب الرثاء، يمكن إحياء المثقف العربي من خلال:
تحرير الجامعة والإعلام من الوصاية السياسية.
ربط المعرفة بالفعل الاجتماعي لا بالنخبوية المعزولة.
إعادة الاعتبار للقيم النقدية والتفكير الحر.
بناء فضاءات رقمية وثقافية بديلة تعيد للمثقف صوته.
🧩 خاتمة
لم يقتله شخص واحد، بل تضافرت قوى عديدة لاغتياله:
السلطة حين كبّلته،
المجتمع حين تجاهله،
السوق حين سلّع فكره،
وهو نفسه حين استسلم للصمت.
إن إنقاذ المثقف العربي يبدأ من استعادة دوره كصوتٍ للضمير، لا كصدى للسلطة أو الجمهور.
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق