الجمعة، 14 نوفمبر 2025

مقهى المصرف : فضاء من زمن مراكش الجميل

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي ....!!!!. مقهى المصرف — فضاء من زمنٍ مراكشي جميل مقهى المصرف ليس اسماً عادياً فقط، بل هو قطعة من ذاكرة المدينة الحمراء: مكان حمل طقوسًا يومية، أحاديثٍ شعرية، وأوقاتًا من السمر ارتبطت بانفعالات الناس وبنبعٍ مائي قريب أعطى المقهى اسمه. 1. الأصل والمكان والتسمية ذُكر أن «قهوة/مقهى المصرف» نشأت في أواخر أوائل القرن العشرين، وكانت تقع قرب محور سيدي ميمون وعلى مقربة من ضريح يوسف بن تاشفين، في المكان الذي كانت تمرّ فيه ساقية أو مصرف مائي صغير — ومن هنا أتت التسمية. هذا المصرف (قناة صغيرة أو ساقية) كان يمنح المكان نسمةً منعشة خصوصًا في أمسيات الصيف، فارتبط الاسم بالمكان والوظيفة المحلية. 2. زمن ذروة المقهى: من كانوا روّاده؟ في سنواته الذهبية، كان مقهى المصرف ملتقىً للحرفيين وأهل الحي: نجّارون، حدّادون، وبائعو السوق الذين يأتون بعد صلاة العصر ليفترشوا الحصير تحت سقف من القصب. كان المكان كذلك محطًّا للمغنين والزينات الشعبية؛ الموسيقى الحية والـ«كِيف» في تلك الحقبة لم تكن من المحظورات التي نعرفها اليوم، وكان الناس يتبادلون القصائد والأخبار. 3. طقوس وملمحـات (النكهة اليومية للمقهى) الزائر القديم للمقهى كان يلاحظ بعض الأشياء المتكررة: حصائر على الأرض، أباريق شاي تُطبخ على «البابور»، كأس الشاي مع النعناع المُعدّ في المغلّي، وأحيانًا آلة تسجيل صوت قديمة (فونو) أو بعض الآلات البسيطة للغناء. هذه التفاصيل الصغيرة كانت تصنع «حسّ المكان» وتحوّل المقهى إلى فضاء اجتماعي متكامل. 4. المقهى كمركز ثقافي غير رسمي لم يكن المصرف مجرد مكان للشرب والدردشة؛ بل كان منابر صغيرة للحكاية والغناء، ومَلتقى للشعراء والكتّاب المحليين. ذكرت مصادر أرشيفية أن بعض الشعراء أشاروا إلى المقهى في أمسياتهم وأنّه شكل حلقة ضمن ذاكرة مقاهي مراكش التقليدية التي لعبت دورًا ثقافيًا واجتماعيًا خلال القرن العشرين. 5. كيف تغيّر المشهد — التحوّل وأثر الحداثة مع تغير المدينة، اختفت الكثير من الملامح التقليدية لمقاهي مثل المصرف: تحول أسماء بعض الأماكن أو تغيّر نشاطها، واختفت بعض السواقي أو تم طمرها، وتبدّلت عادات المستهلكين (صعود المقاهي الحديثة، القهوة المختصة، السياحة). مصادر محلية تشير إلى أن أثر مقهى المصرف اليوم ضعيف على مستوى الوجود المادي — أي أن أثره الآن في الذاكرة أكثر منه في الخريطة الحيّة. 6. صور، تسجيلات ومواد أرشيفية توجد صور قديمة وتسجيلات قصيرة وبودكاستات ومحاولة توثيق لذكريات المقاهي (يوتيوب وبثّ محليّ) تبرز طابعًا صوتيًّا وبصريًّا للمكان وما حوله. هذه المواد مفيدة لأي باحث يرغب في إعادة بناء صورة دقيقة عن المقهى وجواره التاريخي. 7. لماذا يهمّنا مقهى المصرف اليوم؟ لأنّ المقاهي الشعبية كانت ولا زالت مرايا للمدن: تظهر عادات الناس، أنساق العلاقات الاجتماعية، وتوظيف الفراغ العام. مقهى المصرف يعلّمنا كيف كانت الحياة اليومية تتشكّل من تفاصيل بسيطة (حصير، كوب شاي، ساقية ماء) وكيف أن الذاكرة الجماعية قد تحفظ أماكن لم تعد موجودة مادّيًا. هذه القِصص مهمّة للمهتمّين بالتراث، الاجتماع الحضري، والدراسات الثقافية. خاتمة سريعة مقهى المصرف ساحَة صغيرة من ذاكرة مراكش؛ امتدادٌ لتقاليد اجتماعية وثقافية شكلت طقوسًا يومية لعدة أجيال. اليوم يبقى اسمه وحكاياته في مقالات ومقاطعٍ أرشيفية، ودعوة للباحثين والمهتمين لجمع الشهادات والصور قبل أن تتبدّد ذاكرة أماكن كهذه تمامًا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق