الثلاثاء، 18 نوفمبر 2025
علم الدلالة : المفهوم ؛ النشأة ؛ المجالات ؛المناهج
بقلم : خليفة مزضوضي باحث في علم الاجتماع والنفس منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات والاصلاح السلوكي.....!!!
علم الدلالة: المفهوم، النشأة، المجالات، والمناهج
مقدمة
يُعدّ علم الدلالة (Semantics) أحد أهم فروع اللسانيات الحديثة، إذ يختصّ بدراسة المعنى في اللغة، وكيف تُنتج الكلمات والتراكيب والجمل دلالاتها، وكيف يفهمها المتلقي في سياقات مختلفة. وقد أصبح هذا العلم محورياً في الدراسات اللغوية لما له من أثر مباشر في فهم الخطاب، وتحليل النصوص، وتقويم عمليات التواصل.
أولًا: مفهوم علم الدلالة
يعرّف علم الدلالة بأنه العلم الذي يدرس المعنى اللغوي دراسة منهجية، سواء تعلّق هذا المعنى بالكلمة المفردة، أو التركيب، أو السياق، أو العلامات اللغوية وغير اللغوية.
ويشمل هذا العلم دراسة العلاقات الدلالية بين الكلمات، وكيف يتغيّر المعنى بحسب المقام والنبرة والوضع الاجتماعي للمتكلم.
ثانيًا: نشأة علم الدلالة وتطوّره
رغم أن اهتمام العلماء بالمعنى قديم، منذ فلاسفة اليونان، ثم علماء العربية القدامى كالجاحظ، والفارابي، وابن جني، وابن فارس، فإنّ علم الدلالة بوصفه علماً مستقلاً لم يتبلور إلا مع أواخر القرن التاسع عشر، خاصة مع الباحث الفرنسي ميشيل بريال الذي ألّف كتابه الشهير “علم الدلالة” سنة 1897، ليُعلن بذلك تأسيس هذا الحقل العلمي.
وفي القرن العشرين، تطور علم الدلالة مع المدارس اللسانية الجديدة، خاصة المدرسة البنيوية ثم التوليدية والتحليلية والمنطقية، وصولًا إلى اللسانيات المعرفية المعاصرة.
ثالثًا: موضوعات علم الدلالة
يدرس علم الدلالة مجموعة واسعة من الظواهر المعنوية، أبرزها:
1. دلالة المفردات
الترادف
التضاد
الاشتراك اللفظي
الشمول والخصوص
التضمين المعجمي
2. دلالة التراكيب
يعنى هذا الجانب بكيفية تغيّر المعنى بتغيّر البنية التركيبية للجملة.
3. دلالة السياق
السياق هو مفتاح المعنى في كثير من الحالات، ويشمل:
السياق اللغوي
السياق الاجتماعي
السياق الثقافي
السياق المقامي
4. دلالة الاستعمال
وهي الدلالة التي يكتسبها اللفظ نتيجة العرف اللغوي أو التداول الاجتماعي.
5. المعنى الحرفي والمعنى المجازي
مثل الاستعارة، الكناية، المجاز المرسل، التوسع الدلالي…
6. التغير الدلالي
أي تطور المعاني عبر الزمن وفق عوامل اجتماعية وثقافية.
رابعًا: العلاقات الدلالية
تشمل العلاقة بين الكلمات والمعاني التي تربط بينها، ومن أهمها:
1. الترادف
مثل: السيف – الحسام.
الترادف التام نادر، والأغلب ترادف جزئي.
2. التضاد
مثل: ليل – نهار، خير – شر.
3. الاشتراك اللفظي
اللفظ الواحد يدل على معانٍ مختلفة، مثل العين.
4. التضمين
أن يتضمن معنى كلمة معنى كلمة أخرى، مثل: إنسان – رجل.
5. علاقة الجزء بالكل
مثل: سيارة – عجلة.
خامسًا: المدارس والمناهج الدلالية
1. المنهج البنيوي
يركز على البنية الداخلية للغة، ويدرس العلاقات بين الوحدات الدلالية داخل النظام اللغوي.
2. المنهج التوليدي
يربط بين المعنى والتركيب، ويعتبر المعنى ناتجًا عن البنية العميقة للجملة.
3. المنهج التداولي
يهتم بالمعنى في الاستعمال، وبالعلاقة بين المتكلم والسياق والمقاصد.
4. المنهج المعرفي
يرى المعنى جزءًا من التفكير البشري، ويهتم بالمجاز الذهني والخرائط المفهومية.
سادسًا: أهمية علم الدلالة
فهم النصوص الشرعية والأدبية والقانونية.
تسهيل الترجمة ومعالجة اللغات الطبيعية.
تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي اللغوية.
تحليل الخطاب السياسي والإعلامي.
تقويم المناهج التعليمية وتطويرها.
خاتمة :
يُعدّ علم الدلالة واحدًا من أهم الحقول اللسانية التي أسهمت في تجديد الدرس اللغوي، وإثراء بحث المعنى، وفهم طبيعة اللغة البشرية. ومع تطور العلوم العقلية والذكاء الاصطناعي، أصبح لعلم الدلالة دور محوري في معالجة اللغة وتفسيرها، مما يجعله علمًا متجددًا يستجيب لأسئلة العصر وتحدياته.
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق