الجمعة، 7 نوفمبر 2025

عبد الاستقلال : حدث وطني مغربي لتحديد الذاكرة التاريخية وبناء الدولة المغربية الحديثة .

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي....!! مقدمة: يُعدّ عيد الاستقلال المغربي، الذي يُخلَّد في 18 نونبر من كل سنة، محطة تاريخية بارزة في مسار الأمة المغربية نحو الحرية والسيادة الوطنية. فهو لا يمثل فقط ذكرى انتهاء عهد الحماية الفرنسية والإسبانية سنة 1956، بل يجسد أيضًا لحظة وعي وطني جماعي تبلورت فيها إرادة الملك والشعب لبناء مغرب مستقل موحّد ومزدهر. وتكمن أهمية هذه المناسبة في كونها لا تقتصر على البعد الاحتفالي، بل تتجاوز ذلك لتغدو رمزًا للتماسك الوطني واستمرارية المشروع التاريخي المغربي. أولًا: السياق التاريخي للاستقلال المغربي . عرف المغرب منذ توقيع معاهدة الحماية سنة 1912 بداية مرحلة استعمارية قسمت ترابه بين النفوذ الفرنسي في الوسط والجنوب، والإسباني في الشمال والصحراء، إلى جانب منطقة دولية بطنجة. وقد شهدت العقود التالية حركات مقاومة مسلحة ومواقف سياسية وطنية، جسّدتها مقاومة الريف بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي، وثورة الجنوب، ثم حركة الكفاح السياسي التي قادتها النخب الوطنية في أربعينيات القرن العشرين. في هذا الإطار برز الملك محمد الخامس كرمز للوحدة الوطنية والمقاومة السياسية ضد الاستعمار، حيث دعم الأحزاب الوطنية ووحّد صفوف المقاومة. وقد أدى نفيه إلى مدغشقر سنة 1953 إلى اندلاع ثورة الملك والشعب، التي كانت الشرارة الحاسمة نحو التحرر. ثانيًا: إعلان الاستقلال ومسار بناء الدولة الوطنية في 18 نونبر 1955 عاد الملك محمد الخامس من المنفى، مُعلنًا بداية مرحلة جديدة عنوانها "نهاية عهد الوصاية وبزوغ فجر الحرية". وقد تلت ذلك مفاوضات مع سلطات الحماية أسفرت عن استرجاع الاستقلال سنة 1956. بعد الاستقلال، واجه المغرب تحديات بناء الدولة الحديثة، من وضع دستور وطني سنة 1962، إلى تأسيس المؤسسات السياسية والاقتصادية، وبناء جيش وطني موحد، واستكمال الوحدة الترابية بتحرير مدن الشمال (1956) وطرفاية (1958) وسيدي إفني (1969) والصحراء المغربية (1975) عبر المسيرة الخضراء ثالثًا: رمزية عيد الاستقلال في الوجدان الوطني يمثل عيد الاستقلال ذاكرة جماعية يستحضر من خلالها المغاربة قيم التضحية والوفاء، كما يُعد فرصة لتقييم ما تحقق من إنجازات في مختلف المجالات. فالاحتفال بهذه الذكرى هو في جوهره تجديد للعهد بين العرش والشعب، واستحضار للدروس التي قدمها الأجداد في سبيل صون الكرامة الوطنية. كما يشكل هذا العيد مناسبة لترسيخ الانتماء الوطني في نفوس الأجيال الصاعدة، ودعوة إلى مواصلة الكفاح من أجل التنمية، والعدالة الاجتماعية، والنهضة الاقتصادية، بما يواكب روح الاستقلال الحقيقي بمعناه الشامل. رابعًا: دلالات الاستقلال في الحاضر والمستقبل . في ظل التحولات الإقليمية والدولية الراهنة، يبرز الاستقلال المغربي كمرجع لمفهوم السيادة الوطنية، التي لم تعد تقتصر على التحرر السياسي فقط، بل تشمل أيضًا الاستقلال الاقتصادي والتكنولوجي والثقافي. واليوم، يواصل المغرب بقيادة الملك محمد السادس تثبيت هذا المعنى من خلال مشاريع تنموية كبرى في البنية التحتية، والطاقات المتجددة، والصناعة، مع تعزيز مكانة البلاد في محيطها الإفريقي والعربي والدولي. خاتمة: إن عيد الاستقلال المغربي ليس مجرد ذكرى تاريخية، بل هو مشروع وطني متجدد يربط الماضي بالحاضر والمستقبل. فهو يجسد إرادة المغاربة في الحفاظ على وحدتهم وهويتهم، وتأكيد قدرتهم على مواجهة التحديات بروح من الوطنية والمسؤولية. ويبقى تخليد هذه الذكرى دعوة دائمة إلى بناء مغرب الاستقلال الثاني: استقلال التنمية والعلم والعدالة والكرامة .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق