الأحد، 2 نوفمبر 2025

"صراع القلب والعقل: قراءة فلسفية ونفسية في جدلية العاطفة والعقلانية"

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي ......!!! مقدمة يُعدّ الصراع بين القلب والعقل من أقدم وأعمق الإشكالات التي رافقت الإنسان عبر العصور، إذ يمثل هذا الصراع جوهر التجربة الإنسانية في توازنها بين العاطفة والعقلانية. فالقلب يرمز إلى المشاعر والانفعالات والوجدان، بينما يجسد العقل قوة التفكير المنطقي والحكمة والتخطيط. ومن خلال هذا التوتر المستمر بين الاثنين، تتشكل قرارات الإنسان وسلوكاته، بل وحتى رؤيته للحياة. يتناول هذا الموضوع الصراع بين القلب والعقل من زاويتين أساسيتين: المنظور الفلسفي والمنظور النفسي، محاولًا الكشف عن ملامح التفاعل بين العاطفة والفكر في تشكيل السلوك الإنساني. --- أولًا: البعد الفلسفي للصراع بين القلب والعقل منذ بدايات الفكر الإنساني، شغل موضوع العلاقة بين العقل والعاطفة فلاسفة عظماء. فـأفلاطون رأى أن النفس تتكون من ثلاثة عناصر: العقل، والغضب، والشهوة، وأن السعادة تكمن في سيطرة العقل على النزعتين الأخريين. وبذلك يُعدّ العقل هو "السائق" الذي يقود العربة البشرية نحو الخير. أما أرسطو فقد حاول إيجاد توازن بين العقل والعاطفة، معتبرًا أن الفضيلة هي الاعتدال بين الإفراط والتفريط، فلا ينبغي للعقل أن يقمع المشاعر تمامًا، ولا للعاطفة أن تطغى على المنطق. وفي الفلسفة الحديثة، كان ديكارت من أبرز المدافعين عن أولوية العقل، حينما قال عبارته الشهيرة: "أنا أفكر إذن أنا موجود". لكن فلاسفة لاحقين مثل ديفيد هيوم وجان جاك روسو رأوا أن المشاعر هي التي تدفع الإنسان إلى الفعل، وأن العقل مجرد أداة لخدمة العواطف. يقول هيوم: "العقل عبد للعواطف، ولا ينبغي أن يكون سوى كذلك"، في تأكيد على أن الإرادة الإنسانية تتغذى من المشاعر أكثر من المنطق. أما في الفلسفة الوجودية، كما عند سارتر وكيركغارد، فقد صار الصراع بين القلب والعقل جزءًا من حرية الإنسان ومسؤوليته الوجودية؛ فاختيار الإنسان بين ما يمليه عليه القلب وما يفرضه عليه العقل هو ما يمنحه معنى الوجود ذاته. --- ثانيًا: البعد النفسي للصراع بين القلب والعقل من الناحية النفسية، يمثل هذا الصراع عملية معقدة بين الجهاز العاطفي (المرتبط باللوزة الدماغية) والجهاز المعرفي (المرتبط بالقشرة الجبهية). يرى سيغموند فرويد أن الإنسان يعيش توترًا دائمًا بين "الهو" (مصدر الرغبات والعواطف) و"الأنا الأعلى" (مركز القيم والضمير)، بينما يلعب "الأنا" دور الموازن بينهما. هذا التوتر هو الشكل النفسي العميق لصراع القلب والعقل. أما كارل يونغ فقد اعتبر أن التوازن بين هذين الجانبين ضروري لتحقيق “التفرد” أو اكتمال الشخصية. فالقلب والعقل ليسا خصمين، بل قوتان متكاملتان إذا ما وُجّهتا بانسجام. في علم النفس الحديث، يشير الباحث دانيال غولمان إلى أن الذكاء العاطفي — أي قدرة الإنسان على فهم مشاعره وتنظيمها — هو المفتاح الحقيقي لاتخاذ قرارات متوازنة تجمع بين العقل والعاطفة. ثالثًا: تجليات الصراع في الحياة اليومية في الواقع المعاش، يظهر صراع القلب والعقل في مواقف كثيرة: في الحب، في اختيار المهنة، في التعامل مع القيم الأخلاقية، وحتى في المواقف السياسية والاجتماعية. فقد يميل القلب إلى المغامرة بينما يحذّر العقل من العواقب، أو يدعو القلب إلى التسامح بينما يُذكّر العقل بالعدالة والكرامة. هذا الصراع لا يعني ضعف الإنسان، بل يعكس عمق إنسانيته؛ فلو غلب أحد الجانبين تمامًا لفقد الإنسان توازنه. فالعقل وحده قد يقود إلى البرود والجمود، بينما القلب وحده قد يؤدي إلى التهور والانفعال. رابعًا: نحو توازن إنساني إن الحل لا يكمن في قمع أحد الطرفين، بل في التكامل بينهما. فالعقل يرشد القلب، والقلب يضفي على العقل الدفء والإنسانية. يقول الفيلسوف المسلم الغزالي في إحياء علوم الدين: "العقل هو النور الذي يُستضاء به، والقلب هو المحل الذي يُشرق فيه النور". وهذا التصور الإسلامي يعكس رؤية وسطية ترى أن القلب والعقل طريقان متكاملان إلى معرفة الله والحياة الصالحة، لا متضادان. خاتمة يبقى صراع القلب والعقل سمة أبدية من سمات الكائن الإنساني، لا يمكن القضاء عليه بل يمكن فقط توجيهه نحو الانسجام. فبقدر ما يُصغي الإنسان إلى نداء القلب دون أن يغفل صوت العقل، يكون أكثر نضجًا واتزانًا. وهكذا، فإن هذا الصراع ليس ضعفًا بل هو علامة على عمق التجربة الإنسانية، ووقودٌ يدفعنا نحو التأمل والنمو والتوازن بين ما نشعر به وما نعرفه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق