الجمعة، 7 نوفمبر 2025

اليتم الأبدي : حنين لا يشيخ

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي.....!!! مقدمة يُعدّ الشعور باليُتم من أعمق التجارب الإنسانية التي تمسّ وجدان الفرد وتشكّل بنيته النفسية والاجتماعية. غير أن اليُتم لا يرتبط دائمًا بمرحلة الطفولة فحسب، بل قد يتحوّل إلى حالة شعورية مستمرة ترافق الإنسان مدى حياته، خصوصًا حين يكون الفقد سابقًا للميلاد نفسه، كما في حالة رجلٍ بلغ الستين من عمره، وُلد بعد وفاة والده، فلم يعرف وجهه، ولم يسمع صوته، ولم يرَ له صورة، ورغم تقدّم عمره لا يزال يشعر بمرارة اليُتم وكأنها حدثت بالأمس. أولًا: اليُتم كحالة وجدانية لا زمنية اليُتم، في جوهره، ليس فقط فقدًا للوالد، بل هو فقد للأمان الأصلي الذي يستند إليه الإنسان في رحلته عبر الحياة. فالأب يشكّل في الوعي الجمعي المغربي والعربي رمزًا للحماية والقدوة والاستقرار. وعندما يُحرم الفرد من هذا الحضور منذ اللحظة الأولى، يبقى يعيش ما يُسمّى بـ الحرمان الرمزي، أي شعورًا دائمًا بعدم الاكتمال، حتى وإن عاش عمرًا طويلًا في النجاح أو المسؤولية. ثانيًا: الأثر النفسي والاجتماعي لليُتم المبكر من المنظور النفسي، يولّد غياب الأب المبكر حاجة متجددة إلى الاعتراف والانتماء، فالفرد يسعى طيلة حياته إلى ملء الفراغ الذي تركه الغائب، عبر الاجتهاد، أو البحث عن التقدير، أو التعلق برموز بديلة للأبوة. أما اجتماعيًا، فإن المجتمع الذي يمنح الأب دورًا محوريًا في تكوين الهوية العائلية يجعل اليتيم يشعر دائمًا بتميّز مؤلم، كأنه يعيش على هامش النموذج الأسري الكامل، مما يعمّق الإحساس الداخلي بالوحدة والاختلاف. ثالثًا: الحنين إلى الغائب المجهول يعيش اليتيم الذي لم يرَ أباه حالة نادرة من الحنين إلى المجهول؛ فهو يشتاق إلى شخص لم يعرفه، ويتوق إلى صورة لم يرها. لكن هذا الغياب paradoxalًا يتحوّل مع الزمن إلى حضور رمزي دائم، حيث يصبح الأب الغائب مثالًا مثاليًا في الذاكرة والخيال، يرافق الابن في صمته، ويدفعه نحو العطاء والبحث عن المعنى. إنه نوع من العلاقة الروحية التي لا يحدّها الموت، بل تتجدد في كل لحظة تأمل أو حنين. رابعًا: البعد الإنساني والروحي لليُتم الأبدي في العمق، يكشف "اليُتم الأبدي" عن حاجة الإنسان المستمرة إلى جذوره الأولى، وعن توقه الأزلي إلى من يمنحه الإحساس بالانتماء والدفء. ولذلك، فإن استمرار الإحساس باليُتم رغم تقدّم العمر ليس ضعفًا، بل دليل على عمق الإنسانية وصدق العاطفة. فالحنين هنا ليس إلى الأب كشخصٍ مادي، بل إلى المعنى الذي يمثله في الحياة: الأمان، الحضور، والهوية خاتمة إن الرجل الستيني الذي لم يرَ والده قط، لكنه ما زال يشعر بيُتمه، هو شاهد إنساني على أن الفقد الحقيقي لا يقاس بالزمن، بل بالفراغ الذي يتركه الغائب في القلب والذاكرة. فاليُتم في هذه الحالة ليس حدثًا عابرًا، بل رحلة دائمة نحو اكتمال لم يتحقق، وحنين لا يشيخ مهما مرّت السنوات.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق