الخميس، 30 أبريل 2026

كلمة بمناسبة فاتح ماي 2026 لكل العمال والعاملات

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

بمناسبة عيد العمال، نتوجه بأسمى عبارات التقدير والاحترام إلى كل العمال والعاملات، أولئك الذين ينسجون بجهودهم اليومية خيوط التنمية، ويصنعون بعرقهم ملامح الغد الأفضل.
تحية إجلال لكل يدٍ تبني، لكل عقلٍ يبدع، ولكل قلبٍ يخلص في أداء رسالته، سواء في المصانع، أو الحقول، أو الإدارات، أو ورشات العمل، أو داخل الفصول الدراسية. أنتم العمود الفقري لكل نهضة، وأنتم الأمل المتجدد الذي لا ينضب.
إن عيد الشغل ليس مجرد مناسبة عابرة، بل هو محطة للاعتراف بتضحياتكم، واستحضار دوركم الحيوي في تحقيق التقدم والعدالة الاجتماعية، كما هو دعوة متجددة لتعزيز كرامة العامل وضمان حقوقه وصون مكتسباته.
كل عام وأنتم عنوان العطاء، ورمز الصبر والإرادة.
كل عام وكل يدٍ تبني هذا الوطن بألف خير.
دمتم فخراً وعزاً، ودام عطاؤكم منارة تضيء دروب المستقبل.

آليات وطرائق رد الاعتبار للعمل السياسي بالمغرب، مع تحليل نظري واستناد إلى معطيات واقعية ودراسات (1)

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!:

يشهد العمل السياسي بالمغرب، كغيره من الأنظمة السياسية المعاصرة، تحديات عميقة مرتبطة بأزمة الثقة بين المواطن والمؤسسات. وتتجلى هذه الأزمة أساسًا في ضعف المشاركة السياسية، خصوصًا في الانتخابات، وتنامي العزوف لدى الشباب، وارتفاع منسوب النقد الشعبي للأحزاب والنخب. وتشير تقارير وطنية إلى أن هذه الأزمة ليست ظرفية بل بنيوية، مرتبطة بعوامل تاريخية ومؤسساتية وثقافية. 

من هنا، يطرح سؤال جوهري: كيف يمكن رد الاعتبار للعمل السياسي بالمغرب؟ وما هي الآليات الكفيلة بإعادة الثقة في الفعل السياسي؟

أولا: تشخيص أزمة العمل السياسي بالمغرب

1. أزمة الثقة والمؤسسات

تُظهر الدراسات أن الثقة في الأحزاب والمؤسسات السياسية تعرف تراجعًا ملحوظًا، حيث ترتبط هذه الأزمة بضعف تمثيلية النخب وغياب المصداقية. 

كما أن نسب المشاركة الانتخابية المتدنية (مثل 37% سنة 2007) تعكس فتور العلاقة بين المواطن والسياسة. 

2. اختلالات الحقل الحزبي

يعاني المشهد الحزبي من:

التشتت و"البلقنة"

ضعف التأطير السياسي

غياب الديمقراطية الداخلية

مما يضعف قدرته على تأطير المجتمع وتمثيله بشكل فعّال.

3. إشكالية الحكامة والفساد

تظل مظاهر الفساد واقتصاد الريع من أبرز العوامل التي تقوض الثقة، وهو ما يستدعي ربط المسؤولية بالمحاسبة وتعزيز الشفافية. 

4. ضعف الوساطة السياسية

تشير بعض الدراسات إلى أن القرار السياسي لا يُنتج دائمًا داخل الأحزاب، مما يحدّ من فعاليتها كوسيط بين الدولة والمجتمع. 

ثانيا: الأسس النظرية لرد الاعتبار للعمل السياسي

يمكن تأطير عملية الإصلاح ضمن ثلاث مقاربات:

1. المقاربة المؤسسية

ترتكز على تقوية المؤسسات الديمقراطية وضمان استقلاليتها وفعاليتها.

2. المقاربة السوسيولوجية

تركز على إعادة بناء الثقة الاجتماعية ورأس المال الاجتماعي، باعتباره أساسًا لمحاربة الفساد وتعزيز المشاركة.

3. المقاربة القيمية

تروم إعادة الاعتبار للأخلاق السياسية (النزاهة، المسؤولية، الصدق)، باعتبارها جوهر العمل السياسي.

ثالثا: آليات رد الاعتبار للعمل السياسي بالمغرب

1. إصلاح المنظومة الحزبية

تجديد النخب وفتح المجال أمام الشباب

تعزيز الديمقراطية الداخلية

تطوير البرامج السياسية لتكون واقعية وقابلة للتنفيذ

وقد أكدت عدة مداخلات سياسية أن تجديد القيادات والانفتاح على المجتمع شرط أساسي لاستعادة الثقة. 

2. تعزيز النزاهة ومحاربة الفساد

تفعيل دور الهيئات الرقابية مثل الهيئة الوطنية للنزاهة

ربط المسؤولية بالمحاسبة

تعزيز الشفافية في الصفقات العمومية

وتضطلع الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها بدور مركزي في تخليق الحياة العامة وترسيخ الحكامة الجيدة. 

3. تقوية الآلية الديمقراطية

ضمان انتخابات نزيهة وشفافة

تحسين القوانين الانتخابية

تعزيز دور المؤسسات المنتخبة

حيث إن تقوية الآلية الديمقراطية تعد شرطًا أساسيًا لاستعادة ثقة المواطنين. 

4. إدماج الشباب والمجتمع المدني

دعم المشاركة السياسية للشباب

تشجيع الديمقراطية التشاركية

تمكين المجتمع المدني من التأثير في السياسات العمومية

خاصة وأن الاحتجاجات الحديثة أظهرت فجوة بين الشباب والسياسة التقليدية.

5. تحديث العمل السياسي عبر الرقمنة

اعتماد الديمقراطية الرقمية

تطوير منصات المشاركة الإلكترونية

تعزيز الشفافية عبر التكنولوجيا

وتبرز مبادرات الابتكار الرقمي في المغرب كآلية واعدة لتجديد العلاقة بين المواطن والسياسة.

6. إصلاح الخطاب السياسي

الانتقال من الخطاب الشعبوي إلى الخطاب البرنامجي

توحيد القول والفعل (المصداقية)

تبسيط الخطاب وتقريبه من المواطن

حيث تعتبر ازدواجية الخطاب من أسباب فقدان الثقة. 

7. تحسين السياسات العمومية

ربط السياسة بتحسين حياة المواطنين

تقليص الفوارق الاجتماعية

تعزيز العدالة المجالية

لأن فشل السياسات الاجتماعية يؤدي إلى الاحتجاج وفقدان الثقة السياسية. 

رابعا: رهانات وتحديات الإصلاح

رغم وضوح الآليات، فإن تنزيلها يواجه عدة تحديات:

مقاومة التغيير داخل النخب السياسية

ضعف الثقافة السياسية لدى بعض الفئات

استمرار الفوارق الاجتماعية

تأثير العوامل غير الرسمية في القرار السياسي

خامسا: آفاق مستقبلية

يمكن القول إن مستقبل العمل السياسي بالمغرب رهين بـ:

الانتقال من "السياسة الشكلية" إلى "السياسة الفعلية"

بناء تعاقد جديد بين الدولة والمجتمع

تعزيز الثقة عبر الإنجاز لا الخطاب

إن رد الاعتبار للعمل السياسي بالمغرب ليس مسألة تقنية فقط، بل هو مشروع مجتمعي شامل يقتضي تضافر الجهود بين الدولة والأحزاب والمجتمع المدني. فالثقة لا تُفرض، بل تُبنى عبر الممارسة الديمقراطية الفعلية، والشفافية، والنجاعة في تدبير الشأن العام.

وبالتالي، فإن أي إصلاح حقيقي يجب أن ينطلق من قاعدة أساسية:

"لا سياسة بدون ثقة، ولا ثقة بدون مصداقية ومحاسبة."

الأربعاء، 29 أبريل 2026

تسوية شاملة للسكن العسكري عبر التراب الوطني… إجراءات جديدة لفائدة المتقاعدين والأرامل

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

في خطوة تحمل أبعاداً اجتماعية وإنسانية مهمة، أعلنت القوات المسلحة الملكية، بتنسيق مع إدارة الدفاع الوطني، عن إطلاق إجراءات عملية لتسوية الوضعية المالية والقانونية للسكن العسكري لفائدة العسكريين المتقاعدين وأراملهم، وذلك على الصعيد الوطني.

ويأتي هذا القرار في سياق العناية المتواصلة التي توليها المؤسسات العسكرية لهذه الفئة، التي ساهمت لسنوات في خدمة الوطن، حيث تم تفعيل آليات جديدة تهدف إلى تبسيط المساطر الإدارية وتمكين المستفيدين من حقوقهم في ظروف ميسّرة.

وبحسب المعطيات المتوفرة، فقد تقرر الشروع في التسليم الفوري لشواهد الإبراء (Quitus) من طرف قادة الحاميات العسكرية لفائدة الأشخاص الذين استوفوا الشروط القانونية المعمول بها، في خطوة من شأنها وضع حد لعدد من الإشكالات الإدارية التي طال أمدها.

وفي السياق ذاته، ستتولى وكالة المساكن والتجهيزات العسكرية (ALEM)، بتنسيق مع مختلف المتدخلين، عملية مواكبة المستفيدين وتسهيل إجراءات اقتناء المساكن المعنية، وذلك بعد استكمال عمليات التسوية القانونية والإدارية، بما يضمن انتقال الملكية في إطار قانوني واضح ومستقر.

كما يشمل هذا الورش الوطني استئناف صرف المعاشات لفائدة الفئة المعنية، في خطوة تعزز الاستقرار الاجتماعي وتضمن استمرارية الحقوق المالية، خاصة بالنسبة للأرامل اللواتي يواجهن في كثير من الأحيان ظروفاً معيشية صعبة.

ودعت الجهات المعنية كافة العسكريين المتقاعدين والأرامل المستفيدين إلى التوجه نحو مصالح وكالة المساكن والتجهيزات العسكرية في مختلف مناطق المملكة، من أجل تسوية وضعياتهم في أقرب الآجال، والاستفادة من هذه التدابير الجديدة.

ويرى متتبعون أن هذه المبادرة تمثل تحولاً نوعياً في تدبير ملف السكن العسكري، من خلال اعتماد مقاربة شمولية تأخذ بعين الاعتبار البعد الاجتماعي والإنساني، وتؤسس لمرحلة جديدة قوامها الإنصاف الإداري وتحسين جودة عيش فئة قدمت الكثير في سبيل الوطن.

من “الترند” إلى المحكمة: قصة “مول الحوت” وحدود حرية التعبير في المغرب( عبد الاله مول الحوت نمودجا)

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!
القرار الصادر عن المحكمة الابتدائية بمراكش في حق عبد الإله الملقب بـ”مول الحوت“ يثير عدة زوايا قانونية مهمة، خاصة في تقاطع حرية التعبير مع حماية الحياة الخاصة والسمعة، إضافة إلى حدود العقوبات التكميلية في الفضاء الرقمي.
أولاً: التكييف القانوني للوقائع
يبدو من منطوق الحكم أن الأفعال المنسوبة للمعني بالأمر تدخل ضمن جرائم القذف أو التشهير أو المس بالحياة الخاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهي أفعال مؤطرة في القانون المغربي سواء في:
القانون الجنائي (الفصول المتعلقة بالقذف والسب).
أو قانون الصحافة والنشر المغربي، الذي ينظم جرائم النشر الإلكتروني.
تقديم شكاية من طرف الدركي المتقاعد الطاهر سعدون يرجح أن المحتوى المنشور تضمن ادعاءات أو معطيات اعتُبرت ماسّة بالشرف أو غير مثبتة قانوناً.
ثانياً: طبيعة العقوبة الحبسية (موقوفة التنفيذ)
الحكم بـ5 أشهر حبسا موقوف التنفيذ يحمل دلالة واضحة:
المحكمة أقرت بثبوت الجرم، لكنها لم ترَ ضرورة لسلب الحرية فعلياً.
هذا النوع من العقوبات يُستعمل غالباً عندما لا يكون المتهم ذا سوابق خطيرة، أو عندما ترى المحكمة إمكانية الردع دون زجّه في السجن.
بمعنى آخر، هو إنذار قضائي أكثر منه عقوبة سالبة للحرية.
ثالثاً: الغرامة المالية والتعويض المدني
الغرامة (30 ألف درهم) تدخل في إطار العقوبة الزجرية.
التعويض (40 ألف درهم) لفائدة عبد الكريم زهرات يعكس الشق المدني، أي جبر الضرر الناتج عن الفعل.
هذا الجمع بين العقوبتين يعكس فلسفة القضاء المغربي في قضايا التشهير:
الردع + جبر الضرر.
رابعاً: المنع من النشر لمدة خمس سنوات (إشكال قانوني مهم)
هذه النقطة هي الأكثر إثارة للنقاش:
المنع من استعمال وسائل التواصل الاجتماعي لمدة 5 سنوات يُعتبر عقوبة تكميلية.
يطرح تساؤلاً حول مدى انسجامه مع حرية التعبير المكفولة دستورياً.
لكن في المقابل، يمكن تبريره قانونياً بكونه:
إجراءً وقائياً لمنع تكرار نفس الفعل.
خاصة إذا اعتبرت المحكمة أن المتهم استعمل المنصات بشكل مسيء ومتكرر.
مع ذلك، يبقى هذا النوع من العقوبات محل جدل فقهي، لأنه قد يُعتبر:
تقييداً واسعاً لحق أساسي.
أو عقوبة غير متناسبة إذا لم تكن محددة بدقة (هل تشمل كل المنصات؟ هل هي مراقبة فعلياً؟).
خامساً: الأمر بحذف الفيديوهات والغرامة التهديدية
الحكم بحذف المحتوى يدخل ضمن إزالة الضرر المستمر.
فرض 200 درهم عن كل يوم تأخير هو ما يسمى قانوناً بـ”الغرامة التهديدية“ (astreinte)، وهي وسيلة لإجبار المحكوم عليه على التنفيذ.
هذا الإجراء يعكس تحول القضاء نحو التعامل الجدي مع المحتوى الرقمي، باعتباره:
ضرراً مستمراً طالما بقي منشوراً.
سادساً: دلالات الحكم في السياق العام
هذا القرار يحمل عدة رسائل:
أن الفضاء الرقمي ليس خارج القانون.
أن حرية التعبير تقف عند حدود عدم المساس بالغير.
أن القضاء بدأ يميل إلى تشديد الرقابة على “المحتوى الشخصي” عندما يتحول إلى أداة للتشهير أو الابتزاز المعنوي.
خلاصة تحليلية
الحكم يجمع بين الطابع الردعي والوقائي، ويعكس توجهاً قضائياً واضحاً نحو ضبط الفضاء الرقمي، لكنه في نفس الوقت يفتح نقاشاً مشروعاً حول:
مدى تناسب العقوبات التكميلية،
وحدود تقييد حرية التعبير في العصر الرقمي.

صفاء النية واتزان النفس: وهم الخطاب الوعظي أم حقيقة علمية متعددة الأبعاد ؟؟

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!

هذه قراءة تحليلية في تقاطع علم النفس والاجتماع والتوجيه الديني

في زمن تتسارع فيه التحولات الاجتماعية، وتتصاعد فيه الضغوط النفسية بوتيرة غير مسبوقة، عاد إلى الواجهة خطاب قديم في صيغة جديدة، يربط بين “صفاء النية” و“راحة النفس” ربطاً يكاد يكون حتمياً. غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم:

هل يكفي أن تكون النية صافية ليكون الإنسان متزناً نفسياً؟ أم أن الأمر أكثر تعقيداً مما يروّج له الخطاب الوعظي السائد؟

الحقيقة التي تكشفها الأبحاث الحديثة، أن هذا الطرح، رغم وجاهته الأخلاقية، يحتاج إلى إعادة تركيب علمي يخرجه من التبسيط إلى الفهم المركب.

أولاً: علم النفس يفكك الأسطورة – النية وحدها لا تكفي

تشير دراسات علم النفس الإيجابي، الذي ارتبط بأعمال مارتن سليغمان، إلى أن الشعور بالرضا والاتزان لا ينبع فقط من “نقاء النوايا”، بل من طريقة معالجة الإنسان لأفكاره وتمثلاته.

فالعقل البشري لا يتفاعل مع الواقع كما هو، بل كما يفسره. وهنا تظهر أهمية ما يسمى بـ:

إعادة البناء المعرفي: أي القدرة على إعادة تفسير الأحداث بشكل متوازن.

المرونة النفسية: القدرة على امتصاص الصدمات دون الانهيار.

كما أن نظرية التنافر المعرفي التي صاغها ليون فستنغر، تؤكد أن التوتر الداخلي لا ينشأ فقط من سوء النية، بل من التناقض بين القيم والسلوك.

بمعنى آخر: قد يكون الإنسان “حسن النية”، لكنه يعيش قلقاً مزمناً لأنه عاجز عن تحقيق انسجام داخلي.

ثانياً: المجتمع ليس بريئاً – الاتزان ظاهرة اجتماعية بامتياز

من منظور علم الاجتماع، لا يمكن اختزال التوازن النفسي في بعد فردي صرف. فقد أبرز إميل دوركهايم أن التفكك الاجتماعي وغياب المعايير (الأنومي) يولدان القلق والاضطراب حتى لدى الأفراد الأسوياء.

في هذا السياق:

النية الصافية لا تحمي بالضرورة من ضغط البطالة أو الهشاشة الاجتماعية.

التفكير الإيجابي لا يلغي واقع التفاوت الطبقي.

الصفاء الداخلي قد يتصدع أمام بيئة مشحونة بالتوتر والصراع.

وعليه، فإن الاتزان ليس فقط مسألة “ضمير”، بل أيضاً مسألة “بنية اجتماعية”.

ثالثاً: الدين يعيد ترتيب المعادلة – النية شرط لا نتيجة

في التصور الإسلامي، لا تُفهم النية باعتبارها بديلاً عن العمل، بل باعتبارها أساسه الموجّه.

فالحديث النبوي: "إنما الأعمال بالنيات" (رواه محمد بن إسماعيل البخاري) لا يعني أن النية تكفي، بل أنها تحدد قيمة الفعل.

ويؤكد القرآن الكريم أن الطمأنينة ليست حالة نفسية سطحية، بل ثمرة مسار روحي عميق:

"ألا بذكر الله تطمئن القلوب"

هنا تتقاطع الرؤية الدينية مع علم النفس في نقطة دقيقة:

السكينة ليست إنكاراً للواقع، بل إعادة تنظيم داخلي يسمح بالتعامل معه دون انهيار.

رابعاً: بين الوهم والحقيقة – أين يكمن الاتزان؟

الإشكال الحقيقي في الخطاب المعاصر أنه يختزل المعادلة في بعد واحد:

“كن إيجابياً… تكن سعيداً”.

لكن الواقع العلمي والإنساني يقول غير ذلك:

هناك اضطرابات نفسية ذات أساس بيولوجي لا تُحل بالنيات فقط.

هناك سياقات اجتماعية قاهرة تُربك أكثر النفوس صفاءً.

وهناك فجوة بين ما نؤمن به وما نستطيع تحقيقه فعلياً.

الاتزان، إذن، ليس شعاراً، بل عملية مركبة تقوم على:

وعي نفسي: فهم الذات وإدارة الأفكار

اندماج اجتماعي: بناء علاقات داعمة

توازن روحي: صفاء النية وربطها بالفعل

خاتمة: نحو خطاب أكثر صدقاً وعمقاً

إن الدعوة إلى صفاء النية تظل قيمة إنسانية نبيلة، لكنها تتحول إلى وهم خطير حين تُقدَّم كحل شامل لكل معاناة.

فالإنسان ليس كائناً ذهنياً فقط، ولا روحياً فقط، بل هو كيان مركب يعيش داخل واقع معقد.

لذلك، فإن بناء الاتزان النفسي لا يمر عبر “تجميل الأفكار” فقط، بل عبر مصالحة شاملة بين الفكر والواقع، بين الفرد والمجتمع، وبين الروح والسلوك.

وحينها فقط، يمكن أن تتحول النية الصافية من مجرد فكرة أخلاقية إلى قوة حقيقية تصنع الاستقرار الداخلي.

الثلاثاء، 28 أبريل 2026

15 عاماً على فاجعة أركانة: الذاكرة الحية في وجه النسيان + صور

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

تحلّ اليوم الذكرى الخامسة عشرة لواحدة من أشدّ اللحظات ألماً في تاريخ مدينة مراكش، ذكرى تفجير مقهى أركانة الذي هزّ ضمير المغاربة والعالم يوم 28 أبريل 2011. لم يكن ذلك الحدث مجرد اعتداء عابر، بل كان جرحاً عميقاً في قلب مدينة عُرفت عبر التاريخ بالتسامح والانفتاح والتعايش بين الثقافات.



في ذلك اليوم الحزين، امتدت يد الغدر لتستهدف أرواحاً بريئة من جنسيات مختلفة، كانت مجتمعة في فضاء إنساني بسيط، يجمع الناس على المحبة والحياة. سقط ضحايا أبرياء، وذرفت الدموع في مراكش وخارجها، لكن في المقابل، تجلّت أسمى معاني التضامن الإنساني، حيث توحّدت القلوب رفضاً للإرهاب وتمسّكاً بقيم السلام.

خمسة عشر عاماً مرّت، ولا تزال الذاكرة حيّة. ليس من أجل استحضار الألم فقط، بل من أجل التأكيد على أن الإرهاب لا دين له ولا وطن، وأنه لن ينال من قوة المجتمع المغربي وتماسكه. لقد أثبتت مراكش، ومعها كل المغرب، أن الرد الحقيقي على مثل هذه الجرائم هو المزيد من التمسك بالحياة، وبقيم التسامح، والانفتاح، والعيش المشترك.



إن هذه الذكرى تدعونا جميعاً إلى الوقوف لحظة تأمل، نستحضر فيها أرواح الضحايا بالدعاء والترحم، ونجدد العهد على محاربة كل أشكال التطرف والكراهية، سواء بالفعل أو بالفكر أو بالكلمة. كما تذكّرنا بأهمية التربية على القيم الإنسانية، وتعزيز ثقافة الحوار، ونبذ خطاب العنف والإقصاء.

رحم الله ضحايا هذا الاعتداء الأليم، وأسكنهم فسيح جناته، وألهم ذويهم الصبر والسلوان. وستظل مراكش، رغم الجراح، مدينة للحياة، للفرح، وللتعايش، أقوى من كل محاولات الظلام.

سلامٌ على الأرواح التي رحلت، وسلامٌ على مدينة لا تنكسر.

الاثنين، 27 أبريل 2026

مراكش على صفيح ساخن: تريث نزار بركة يشعل سباق التزكيات في مواجهة فاطمة الزهراء المنصوري

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

تعيش الساحة السياسية بمدينة مراكش على وقع ترقب غير مسبوق، في ظل استمرار الغموض الذي يلف قرار نزار بركة بشأن تزكية البرلماني والجامعي عبد الرحيم بوعيدة لخوض الانتخابات التشريعية المقبلة بدائرة المدينة – سيدي يوسف بن علي، المقررة في 23 شتنبر.

وبحسب مصادر متطابقة، فإن بوعيدة، الذي أثار الجدل في أكثر من محطة سياسية، يسعى هذه المرة إلى خوض معركة انتخابية قوية في واحدة من أكثر الدوائر حساسية، في مواجهة اسم وازن في المشهد السياسي المحلي، يتعلق الأمر بـ فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة.

غير أن هذا الطموح يصطدم، إلى حدود الساعة، بتريث قيادة حزب الاستقلال في منح التزكية، وهو ما فتح الباب أمام تأويلات متعددة داخل الأوساط السياسية والحزبية. فهل يتعلق الأمر بحسابات تنظيمية داخلية مرتبطة بتوازنات الحزب؟ أم أن الأمر يتجاوز ذلك ليعكس رهانات سياسية أكبر مرتبطة بطبيعة المنافسة في مراكش؟

مصادر مطلعة تشير إلى أن قرار التريث لا يمكن فصله عن حساسية الدائرة الانتخابية، التي تشهد تقاطعا بين النفوذ السياسي المحلي والتوازنات الوطنية، خاصة في ظل الحضور القوي للمنصوري، التي تمكنت من ترسيخ موقعها كأحد أبرز الوجوه السياسية في المدينة.

وفي المقابل، يراهن بوعيدة على نقل ثقله السياسي من كلميم، حيث سبق أن ظفر بمقعد برلماني، إلى مراكش، في خطوة يراها متابعون مغامرة سياسية محفوفة بالمخاطر، خصوصا في ظل ما يوصف بعلاقته المتوترة مع سلطات جهة كلميم واد نون، ما قد يكون أحد دوافع تغيير وجهته الانتخابية.

هذا التردد في الحسم يطرح أكثر من سؤال حول مستقبل التنافس الانتخابي في مراكش: هل يتجه حزب الاستقلال إلى الدفع بمرشح قوي لمواجهة المنصوري، أم أن الحسابات السياسية ستفضي إلى إعادة ترتيب الأوراق بشكل غير مباشر؟

في انتظار القرار النهائي، تبقى مراكش مرشحة لتكون إحدى أبرز ساحات الصراع الانتخابي في الاستحقاقات المقبلة، حيث تتقاطع الطموحات الشخصية مع رهانات الأحزاب، في مشهد يعكس تعقيد الخريطة السياسية المغربية قبيل موعد الحسم.

الأحد، 26 أبريل 2026

من السياسة إلى البندقية: سقوط القناع عن البوليساريو في ساحلٍ مشتعل

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام  للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

لم يعد ما يجري في عمق منطقة الساحل مجرد تطورات معزولة أو صراعات محلية محدودة، بل أصبح جزءاً من مشهد جيوسياسي معقد يعيد رسم موازين القوة والتحالفات في شمال وغرب إفريقيا. بين ليلة وضحاها، سقط القناع عن ما كان يُقدم لسنوات طويلة كـ"عمل سياسي"، ليظهر وجه عسكري صريح، عنوانه العنف والانخراط المباشر في بؤر التوتر.

الأرقام الأخيرة الصادمة، التي تتحدث عن سقوط أكثر من 700 قتيل في صفوف عناصر مرتبطة بجبهة البوليساريو خلال مواجهات دامية شمال مالي، لا يمكن التعامل معها كمعطى عابر. نحن أمام مؤشر خطير يكشف حجم التورط في نزاعات مسلحة خارج الإطار الذي طالما ادّعت الجبهة التموقع داخله. هذا التحول النوعي يطرح أسئلة جوهرية: هل فقدت الجبهة بوصلتها السياسية؟ وهل تحولت فعلاً إلى فاعل عسكري في صراعات إقليمية معقدة؟

لماذا الآن؟ ولماذا مالي؟

التحولات الأخيرة في موقف باماكو تبدو مفتاحاً لفهم هذا التصعيد. فاختيار مالي التعبير بشكل واضح عن دعمها للوحدة الترابية للمغرب لم يمر دون ردود فعل. الرد، كما يبدو من المعطيات الميدانية، لم يكن سياسياً أو دبلوماسياً، بل جاء عبر تصعيد عسكري غير مباشر في مناطق التماس الهشة شمال البلاد.

المثير في هذا السياق هو ما يتم تداوله حول تداخل الأدوار بين مقاتلين ينتمون إلى حركات محلية مثل "جبهة تحرير أزواد"، وعناصر يُشتبه في قدومها من مخيمات تندوف. هذا التداخل يعزز المخاوف التي لطالما عبّرت عنها تقارير دولية بشأن إمكانية تحول هذه المخيمات إلى بيئة خصبة لتغذية النزاعات المسلحة، سواء عبر التجنيد أو الدعم اللوجستي.



من ورقة سياسية إلى "بندقية للإيجار"؟

إذا صحت هذه المؤشرات، فإننا أمام تحول استراتيجي خطير في طبيعة الجبهة، من فاعل سياسي يسعى – نظرياً – إلى تسوية نزاع إقليمي، إلى كيان عسكري منخرط في صراعات متعددة الأبعاد. هذا التحول لا يهدد فقط استقرار المنطقة، بل يقوض أيضاً ما تبقى من شرعية خطابها السياسي على الساحة الدولية.

في المقابل، يبرز خيار آخر في المنطقة، تقوده المملكة المغربية، قائم على مقاربة تنموية وشراكات استراتيجية، من خلال مبادرات مثل الانفتاح الأطلسي على دول الساحل، التي تسعى إلى فك العزلة الجغرافية وتعزيز الاندماج الاقتصادي. هذا التباين بين منطق البناء ومنطق الهدم يضع الفاعلين الإقليميين والدوليين أمام مسؤوليات واضحة.

الساحل بين مفترق طرق

اليوم، لم يعد الاستقرار في منطقة الساحل خياراً مؤجلاً أو ترفاً سياسياً، بل أصبح ضرورة ملحة تفرضها التحديات الأمنية والاقتصادية المتداخلة. المنطقة تقف عند مفترق طرق: إما الانخراط في مسارات التنمية والتكامل، أو الانزلاق أكثر نحو دوامة العنف والتفكك.

في هذا السياق، يبدو أن مقترح الحكم الذاتي الذي يطرحه المغرب يواصل تعزيز موقعه كخيار واقعي يحظى بدعم متزايد، في مقابل تراجع أطروحات أخرى باتت مرتبطة، في نظر العديد من المتابعين، بعدم الاستقرار والتصعيد.

خلاصة القول : ما يحدث اليوم في شمال مالي ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل رسالة سياسية بامتياز: زمن الغموض قد انتهى، والتحولات الميدانية تفرض إعادة قراءة عميقة لطبيعة الفاعلين في المنطقة. وبين من يراهن على التنمية ومن يستثمر في الفوضى، ستتحدد ملامح المرحلة المقبلة في الساحل والصحراء.

بين الواقعة والتأويل: قراءة متبصّرة في حادثة باب دكالة بمراكش

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

ما وقع بالقرب من سور باب دكالة بمراكش، والمتعلق بأداء بعض اليهود لشعيرة دينية في فضاء مفتوح، يستدعي بالفعل قراءة هادئة ومتزنة، تُغلّب منطق العقل على ردود الفعل المتسرعة، وتفصل بين الحدث في حد ذاته وبين التأويلات التي أُحيط بها.
أول ما ينبغي التأكيد عليه هو أن المغرب، عبر تاريخه الممتد، لم يكن يوماً فضاءً منغلقاً أو أحادي الهوية، بل شكّل نموذجاً فريداً في التعايش الديني، حيث عاشت الطائفة اليهودية إلى جانب المسلمين في إطار من الاحترام المتبادل، وكانت جزءاً أصيلاً من النسيج الاجتماعي والثقافي. ومراكش، كحاضرة تاريخية، تختزن هذا الإرث في ذاكرتها العمرانية والإنسانية.
غير أن هذا المعطى التاريخي لا يلغي مشروعية التساؤل حول كيفية استعمال الفضاءات العامة، خاصة تلك التي تكتسي طابعاً تاريخياً أو رمزياً مثل سور باب دكالة. فالنقاش حول احترام حرمة هذه الأماكن وصيانتها هو نقاش مشروع، بل ضروري، لكنه ينبغي أن يظل في إطاره الطبيعي، أي إطار تدبير الشأن العام وفق القانون، لا أن ينزلق إلى تأويلات متسرعة تُحمّل الواقعة أكثر مما تحتمل.
إن القفز مباشرة إلى توصيفات من قبيل “الاستيطان” أو “الاستعمار” يفتقر إلى سند واقعي في هذا السياق، ويُسهم في خلق توتر غير مبرر. فالدولة المغربية تتوفر على مؤسسات قائمة تضبط استعمال الملك العمومي، وتراقب الأنشطة التي تُمارس في الفضاءات المفتوحة، وأي تجاوز – إن ثبت – يظل خاضعاً للمساطر القانونية، وليس لردود الفعل العاطفية أو حملات التأجيج.
وإذا كان الحدث في حد ذاته محدوداً، فإن ما فاقم من وقعه هو طريقة تداوله، حيث لعبت بعض المنصات الرقمية دوراً في تضخيمه، وربطه بسياقات سياسية أو دينية خارجية، بل واستثماره من طرف جهات تسعى إلى خلق حالة من الاحتقان أو تصفية حسابات رمزية. وهنا تتجلى خطورة الفضاء الرقمي حين يتحول من وسيلة للإخبار إلى أداة لإنتاج التوتر.
إن المقاربة الحكيمة تقتضي اليوم التمييز بين مستويين: مستوى قانوني تدبيري، تتكفل به الجهات المختصة لتقييم ما إذا كان هناك خرق في استعمال الفضاء، ومستوى مجتمعي قيمي، يفرض علينا جميعاً رفض الانزلاق نحو خطاب الكراهية أو الصراع الديني، لأن ذلك يمس جوهر الاستقرار والتعايش الذي راكمه المغرب عبر قرون.
وعليه، فإن ما جرى يبدو أقرب إلى واقعة معزولة أو ربما سوء تقدير في اختيار الفضاء، لا إلى مؤشر على تحول استراتيجي أو تهديد بنيوي. وتضخيمها بهذا الشكل لا يخدم سوى خطابات التشكيك والفرقة، بينما يظل الرهان الحقيقي هو الحفاظ على توازن دقيق بين احترام القانون وصون التعدد، وبين حماية الفضاء العام وترسيخ ثقافة العيش المشترك.
إن الحكمة اليوم ليست في رفع منسوب التخويف، بل في ترسيخ الوعي، والاحتكام إلى المؤسسات، وتحصين المجتمع من الانجرار وراء قراءات متشنجة، لأن قوة المغرب كانت دائماً في اعتداله، وفي قدرته على استيعاب الاختلاف دون أن يفقد تماسكه.

الجمعة، 24 أبريل 2026

العدالة الجنائية في العصر الرقمي: بين حماية الحياة الخاصة وتجريم الاستدراج الإلكتروني في القانون المغربي

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!


مع الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت الهواتف الذكية ومنصات الدردشة أدوات يومية للتواصل، لكنها في المقابل تحولت إلى فضاءات محتملة لانتهاك الخصوصية واستدراج الأفراد في مواقف قانونية خطيرة. وقد تدخل المشرّع عبر القانون الجنائي المغربي لتقنين هذه الأفعال وتجريمها، خاصة من خلال الفصول المرتبطة بحماية الحياة الخاصة ومكافحة الجرائم الإلكترونية.

أولاً: الإطار القانوني لحماية الحياة الخاصة

أقرّ القانون الجنائي المغربي حماية صارمة للحياة الخاصة، خاصة بعد التعديلات التي أدخلت بموجب القانون رقم 103.13.

🔹 تنص الفصول 447-1 و447-2 و447-3 على تجريم:

تسجيل أو بث أو توزيع أقوال أو معلومات صادرة بشكل خاص دون موافقة صاحبها

التقاط أو نشر صور شخص في مكان خاص دون إذنه

 العقوبات:

الحبس من 6 أشهر إلى 3 سنوات

غرامة من 2000 إلى 20000 درهم

 ويشمل ذلك كل الوسائط الإلكترونية، مثل تطبيقات التراسل الفوري ومنصات التواصل الاجتماعي.

ثانياً: جريمة الاستدراج الإلكتروني (Luring)

لا ينص القانون المغربي على مصطلح “الاستدراج” بشكل صريح، لكنه يُجرّم الأفعال المرتبطة به بحسب النية والنتائج.

1. الاستدراج بغرض الابتزاز

حين يتم استدراج الضحية إلى محادثة أو وضع معين بهدف:

الحصول على صور أو تسجيلات خاصة

ثم تهديده بنشرها

 يُكيف الفعل كـ:

جريمة ابتزاز

 العقوبة:

الحبس من سنة إلى 5 سنوات

وغرامة مالية، وقد تتضاعف حسب خطورة الفعل

2. الاستدراج بغرض التشهير

إذا تم نشر محتوى خاص أو محادثات بهدف الإساءة للضحية:

 يُكيف كـ:

قذف أو تشهير

أو نشر معطيات شخصية دون موافقة

 العقوبات:

تختلف حسب الحالة، وقد تصل إلى الحبس والغرامة

3. الاستدراج عبر انتحال صفة

إذا استعمل الجاني هوية مزيفة أو حساباً وهمياً للإيقاع بالضحية:

 يُكيف كـ:

نصب إلكتروني أو انتحال صفة

 العقوبة:

قد تصل إلى 5 سنوات حبسا حسب الفصول المتعلقة بالنصب

ثالثاً: خطورة نشر التسجيلات والصور

حتى في الحالات التي يتم فيها الحصول على التسجيل أو الصورة، فإن:

نشرها دون موافقة صاحبها يُعد جريمة مستقلة

 بمعنى:

يمكن أن يُدان الشخص مرتين:

على التسجيل غير المشروع

وعلى النشر أو التوزيع

رابعاً: الاستثناءات القانونية

يسمح القانون ببعض أشكال التسجيل أو المراقبة في حالات محددة:

 إذا تم ذلك:

بإذن من النيابة العامة

وفي إطار تحقيق قضائي

 مثل عمليات التتبع أو التلبس التي تقوم بها الضابطة القضائية.

خامساً: بين الحرية الرقمية والمسؤولية الجنائية

رغم أن وسائل التواصل الاجتماعي تُعد مجالاً للتعبير الحر، فإن هذا الحق ليس مطلقاً. فالقانون يوازن بين:

حرية التعبير

وحق الأفراد في الخصوصية والكرامة

 وبالتالي:

لا يمكن تبرير تصوير أو تسجيل شخص دون علمه

ولا نشر محتوى خاص تحت ذريعة “فضح” أو “كشف الحقيقة”

أصبح الفضاء الرقمي امتداداً للحياة الواقعية، مما استدعى تحديث الترسانة القانونية لحماية الأفراد من الانتهاكات الجديدة. ويُظهر القانون الجنائي المغربي حِرصاً واضحاً على تجريم التسجيل غير المشروع والاستدراج الإلكتروني، مع فرض عقوبات رادعة.

غير أن التحدي الأكبر يظل في نشر الوعي القانوني لدى المستخدمين، لأن ضغطة زر واحدة قد تتحول من فعل عادي إلى جريمة يعاقب عليها القانون.

الخميس، 23 أبريل 2026

الدلاقشية: حين تُباع الديمقراطية في سوق النخاسة الانتخابية

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

في كل موسم انتخابي، ومع اقتراب الاستحقاقات التشريعية والجماعية، يطفو على سطح المشهد السياسي المغربي كائن انتخابي غريب، لا هو فاعل سياسي حقيقي ولا هو مواطن واعٍ بحقوقه وواجباته، بل هو كائن موسمي يُستدعى عند الحاجة ويُختفى به بعد أداء المهمة. إنهم “الدلاقشية” — التسمية الشعبية التي تختزل ظاهرة خطيرة تنخر جسد العملية الديمقراطية من الداخل.
الدلاقشية ليسوا مجرد أفراد عابرين، بل هم تجلٍ لثقافة سياسية مأزومة، حيث تتحول المواطنة إلى سلعة، والصوت الانتخابي إلى ورقة نقدية، والكرامة إلى رقم في معادلة الفساد. إنهم أولئك الذين يملؤون الفضاءات صراخًا وبكاءً على أوضاعهم الاجتماعية طوال سنوات، لكنهم، وبمجرد أن تلوح في الأفق أموال الحملات الانتخابية، يتحولون إلى أدوات طيّعة في يد سماسرة السياسة.
من الاحتجاج إلى الارتزاق السياسي
كيف يمكن لمواطن قضى سنوات يشتكي من غلاء المعيشة، من ارتفاع أسعار الوقود، من التهاب أثمان المواد الغذائية، ومن تآكل قدرته الشرائية، أن يبيع صوته مقابل 100 أو 200 درهم؟
أليست هذه مفارقة صادمة تكشف عن عمق الأزمة القيمية قبل أن تكون أزمة اقتصادية؟
الدلاقشي، في جوهره، ليس فقط ضحية الفقر، بل أحيانًا شريك في تكريس الرداءة. فهو حين يبيع صوته، لا يبيع ورقة انتخابية فحسب، بل يوقع على عقد إذعان لخمس سنوات من التهميش، ويمنح الشرعية لمن قد يواصل نهب المال العام أو تعميق الفوارق الاجتماعية.
الدلاقشية الرقمية: الدباب الإلكتروني في خدمة الزيف
لم تعد الظاهرة محصورة في الأحياء الشعبية أو القرى المهمشة، بل امتدت إلى العالم الافتراضي، حيث ظهر جيل جديد من “الدلاقشية الرقميين”. هؤلاء لا يتقاضون دائمًا المال المباشر، لكنهم يمارسون دورًا أخطر: تزييف الوعي.
يقومون بتلميع صور مرشحين، وتبرير إخفاقاتهم، والهجوم على خصومهم، ونشر الأخبار المضللة. فيجعلون من الفاسد مصلحًا، ومن الانتهازي رجل دولة، ومن الكفاءة تهمة. إنها حرب ناعمة، لكنها مدمرة، لأنها تستهدف عقول الناخبين قبل صناديق الاقتراع.
سماسرة الانتخابات: المهندسون الخفيون للفساد
وراء كل دلاقشي، يوجد سمسار انتخابات، ووراء كل سمسار، شبكة مصالح معقدة تستفيد من استمرار هذا الوضع. هؤلاء لا يبحثون عن برامج أو رؤى، بل عن “كتلة تصويتية قابلة للشراء”.
إنهم يحولون الانتخابات من آلية ديمقراطية إلى مزاد علني، حيث يفوز من يدفع أكثر، لا من يقنع أكثر.
هل الدلاقشية ظاهرة أم عرض لمرض أعمق؟
من السهل إدانة “الدلاقشية”، لكن من الضروري أيضًا طرح السؤال الأعمق: هل هم السبب أم النتيجة؟
الحقيقة أن هذه الظاهرة هي عرض لمرض مركب:
هشاشة اجتماعية واقتصادية
ضعف التربية على المواطنة
تراجع الثقة في العمل السياسي
غياب المحاسبة الصارمة للمفسدين
حين يشعر المواطن أن صوته لا يغير شيئًا، يصبح مستعدًا لبيعه. وحين تغيب العدالة، تُستباح القيم.
بين المسؤولية الفردية والإصلاح البنيوي
لا يمكن تبرير بيع الضمير، مهما كانت الظروف. فالمواطنة مسؤولية قبل أن تكون حقًا. لكن، في المقابل، لا يمكن مواجهة الظاهرة فقط بالخطاب الأخلاقي، بل يتطلب الأمر إصلاحًا عميقًا:
تجريم صارم وفعلي لشراء الأصوات
تعزيز الشفافية في تمويل الحملات
تربية سياسية تبدأ من المدرسة
تمكين اقتصادي يقلص هشاشة الفئات الهشة
إعلام مسؤول يفضح ولا يلمّع
خاتمة: حين يصمت الضمير… تتكلم الدراهم
الدلاقشية ليسوا مجرد ظاهرة موسمية، بل مرآة تعكس اختلالًا عميقًا في العلاقة بين المواطن والسياسة.
وحين يصبح الصوت الانتخابي سلعة، تتحول الديمقراطية إلى واجهة شكلية، وتُفرغ المؤسسات من معناها.
إن المعركة الحقيقية ليست فقط ضد “الدلاقشية”، بل ضد كل منظومة تُنتجهم وتستفيد منهم.
فإما أن نعيد الاعتبار لقيمة الصوت، أو نقبل بأن تُدار أوطاننا بمنطق “من يدفع أكثر… يحكم أكثر”.

التوفيق بين المرسة النحوية الكوفية والبصرية والحد بين الخلافات بينهما.

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

التوفيق بين المدرستين النحوية البصرية والنحوية الكوفية كان من أبرز مظاهر تطور علم النحو العربي، وقد تم عبر مسار طويل من الحوار العلمي والتقعيد، وليس بقرار مفاجئ. ويمكن توضيح ذلك من خلال عدة آليات أساسية:

1. طبيعة الخلاف بين المدرستين

المدرسة البصرية: تميل إلى القياس والصرامة المنهجية، وتُعلي من القواعد العامة (مثل اعتماد السماع الصحيح والقياس المنضبط).

المدرسة الكوفية: أكثر مرونة، وتعتمد على التوسع في السماع، حتى من لهجات أقل شيوعًا، وتقبل الشواذ أحيانًا.

 لذلك كان الخلاف في:

مصادر الاستشهاد (القرآن، الشعر، كلام العرب)

القياس مقابل السماع

تفسير الظواهر النحوية

2. وسائل التوفيق بين المدرستين

أ. ظهور مدرسة وسطية (المدرسة البغدادية)

في بغداد، مركز العلم في العصر العباسي، ظهرت نزعة توفيقية.

علماء هذه المدرسة لم يتعصبوا للبصرة ولا للكوفة، بل:

أخذوا بالأقوى دليلًا

رجحوا بين الآراء

 من أبرز ممثلي هذا الاتجاه:

أبو علي الفارسي

ابن جني

ب. اعتماد مبدأ الترجيح بالدليل

لم يعد الانتماء المدرسي هو الأساس، بل:

قوة الشاهد (قرآن، حديث، شعر)

سلامة القياس

أدى ذلك إلى تقليل التعصب العلمي.

ج. جمع الآراء ومناقشتها في المؤلفات

ظهرت كتب تجمع الخلاف وتناقشه بهدوء، مثل:

الإنصاف في مسائل الخلاف

هذه الكتب:

تعرض رأي البصريين

ثم رأي الكوفيين

ثم ترجّح أو توفق بينهما

د. نضج علم أصول النحو

وُضعت قواعد تضبط الاستدلال، مثل:

متى يُقبل القياس

متى يُقدَّم السماع

هذا ساعد على تقليص الخلافات العشوائية.

هـ. الابتعاد عن التعصب

مع مرور الزمن، أصبح الهدف:

خدمة اللغة العربية

وليس الانتصار لمدرسة معينة

3. نتائج التوفيق

نشوء نحو عربي أكثر توازنًا ومرونة

تقليل الخلافات الحادة

بناء قواعد أكثر دقة وشمولًا

استمرار الاستفادة من المدرستين معًا

التوفيق بين المدرستين لم يكن بإلغاء إحداهما، بل عبر الانتقاء العلمي والترجيح بالدليل وظهور اتجاه وسطي جمع بين صرامة البصريين ومرونة الكوفيين، مما أدى إلى نضج علم النحو العربي.

الثلاثاء، 21 أبريل 2026

تفكيك إنسانية الإنسان في زمن الانهيار القيمي


 بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

المداد يتقاطر من الفرشاة ليخطط كلمات مستعصية ....سواء يخيم في العالم الداخلي و الخارجي ؛ كل شيء مظلم حتى نظرات الإنسان ؛ عيوني تشع بريقا يتلاشى في الظلام ......

وتنهمر الدمعة  تلو الأخرى .....

أحلامي ..... أحلامي تحطمت على صخور هذا الزمان الأجحف ؛ الضياع الضياع الضياع ؛ اسبح في بحر الضياع ؛ أبحث عن مركب يحملني الى شاطئ الهناء فلامركب ولا ماء ؛ إنه بحر الضياع .

سنوات مضت كتبت خلالها مئات المواضيع كلها ألم وأمل ؛ ومازال الأمل يحرق كياني ؛ كتبت مواضيع بدمي فوق جدران صخرية مقرورة داخل زنزانتي الحزينة ؛ زنزانة بدون حارس ولا جلاد ؛ نقشتها باظافري في جلد جسمي ؛ بحثت عن شيء اسمه الحياة في كل ازقة الفقراء ؛ بحثت عن شيء إسمه الإنسان في سراديب الشوارع المنسية ؛ بحثت و بحثت لم اجد الا أحياء موتى ؛ بحثت عن  نفسي ؛ عن وجودي ولم اجد الا جسدا يعدب وفكرا يقتل ثانية بعد ثانية ؛ الا ايها الإنسان انهض ؛ لقد مضت سنوات وشهور وانت مكتوف الأيدي ؛ مقيدا معصوم العينين ؛ سنوات و شهور وأنت بين الموت والحياة ؛ سنوات وشهور وأنت بين الموت والخيال .

سنوات و شهور وأنت تنظر الى جثتك في المرآة....تنتظر ان ياتيها الفرج ؛ تبحث عن حل ....كم عانيت ياإنساني ؛ واليوم تأتي لتزوج معاناة ؛ امسك بمآسي يومك لتلد مولودا قديما جديدا كل يوم إسمه غلاء البنزين والاسعار ويمكننا ان نسميه الضياع .

قتلت وانت صغير ؛ نكون من الموت وبدأت تكبر وتكبر معك الامل ؛ قتلت وانت كبير ؛ ودفنوك في مقبرة من المقابر الحقيرة لا لشيء فقط لأنك فقير ؛ قبرك بدون إسم ؛ في احدى المدن العتيقة ؛ عندها قضيت حياتك / مماتك في مشاهد الفقر والجوع والألم ؛ مشاهد في مقبرتك العزيزة / الدنيئة/ الدميمة/ " الإنسان" يعذب ويقطع قلبه وفكره إربا لتنهشه كلاب المقبرة ؛ شاهدت في قبري اطفالا و شبابا وظائف جماجمهم بالسوط واقدام عملاقة منتصبة في إتجاه الاإنساني لا نهائي في السماء ؛ ليتها كانت أقدام إنسان إنسانية ؛ لكنها أقدام كلاب المقبرة الذين يبيعون اصواتهم وإن صح التعبير نباحهم ب 200 درهم في موسم أسبوعي يقام كل خمس سنوات وكذالك تظهر الحشرات الصيفية الموسمية تنخر عظام الجثث الفقيرة الحية الميتة وشاهدت الكثير والكثير الفضيع ....

وعندما هربت من ذالك العالم الخرافي / الواقعي بحثا عن عالم اخر ؛ اكتشفت ان كل مكان مقبرة أينما اتجهت وحللت وارتحلت ؛ فقط تغيير رموز المقابر و الشعارات الرنانة ؛ أينما اتجهت تجد مقابرا و اناس احياء مقتولين مثلك ؛ مثلك يعانون من مصاصي الدماء ...

ومع ذالك ظللت  تبحث و تبحث وتبحث ايها الإنسان......تبحث عن الأمل ؛ عن الأمل المفقود!!

عليك ان تنهض أيها الإنسان وتحارب الألم الذي عشته سنوات وشهور ....اجعل ضميرك يستيقظ واختار من يزرع لك الأمل لندفن الألم

الاثنين، 20 أبريل 2026

قراءة في رسائل المجلس الوزاري وحدود الفعل الحزبي في تدبير الورش الترابي

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

لم يكن المجلس الوزاري الأخير حدثًا عادياً في السياق السياسي المغربي، بل بدا أقرب إلى لحظة مفصلية تعكس تحولات عميقة في علاقة الدولة بالفعل الحزبي، وفي طريقة تدبير الأوراش الاستراتيجية الكبرى. فخلف اللغة الهادئة التي طبعت البلاغ الرسمي، برزت إشارات قوية تُفهم في سياقها العام كنوع من إعادة ترتيب الأولويات، وربما أيضًا إعادة توزيع الأدوار بين الفاعلين المؤسساتيين.
في الظاهر، حملت تدخلات الملك محمد السادس طابعًا توجيهيًا مطمئنًا، يركز على الاستمرارية وضمان تنفيذ البرامج التنموية، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالموسم الفلاحي وتداعياته على الاقتصاد الوطني. غير أن القراءة المتأنية لما دار داخل المجلس تكشف عن مضمون أعمق، يتجاوز حدود التدبير الظرفي إلى مساءلة ضمنية لنجاعة الأداء الحكومي والحزبي.
أحد أبرز معالم هذا التحول تجسد في العرض الذي قدمه وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، والذي لم يكن مجرد تقرير تقني حول برامج التنمية الترابية، بل حمل في طياته مؤشرات قوية على عودة مركزية القرار الترابي إلى مؤسسة الداخلية، باعتبارها الفاعل الأكثر قدرة على التنزيل الميداني وضمان الالتقائية بين مختلف المتدخلين.
إعلان تعبئة مالية ضخمة تناهز 210 ملايير درهم، موزعة على مدى ثماني سنوات، يطرح أكثر من علامة استفهام. فهذه المدة الزمنية تتجاوز الولاية الحكومية الواحدة، ما يعني أن المشروع يُؤسس لرؤية ممتدة تتخطى الحسابات السياسية الظرفية، وتُعيد التأكيد على دور الدولة كفاعل استراتيجي طويل النفس، في مقابل محدودية الزمن السياسي للأحزاب.
اللافت أيضًا أن هذا “الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية” قُدِّم باعتباره مستندًا إلى حاجيات المواطنين المعبر عنها محليًا، وهو ما يمنح المشروع مشروعية ديمقراطية من حيث المبدأ. غير أن الإشكال الحقيقي يظل في آليات الترجمة الفعلية لهذه الحاجيات، ومدى قدرة المنتخبين المحليين والأحزاب على لعب دور الوسيط الحقيقي بين الدولة والمجتمع.
في هذا السياق، تبدو الرسالة واضحة: هناك نوع من عدم الرضا عن أداء الوساطة الحزبية، سواء على مستوى التأطير أو الترافع أو حتى تنزيل السياسات العمومية. وهو ما يفسر عودة الرهان على الإدارة الترابية كقناة أكثر نجاعة، ولو على حساب منطق التمثيلية السياسية.
هذا التحول يطرح سؤالًا جوهريًا حول مستقبل الفعل السياسي في المغرب: هل نحن أمام مرحلة إعادة تقوية الدولة المركزية في تدبير الشأن الترابي؟ أم أن الأمر يتعلق فقط بتصحيح اختلالات ظرفية في أداء الفاعلين السياسيين؟
الأكيد أن المرحلة المقبلة، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، ستشهد احتدامًا في النقاش حول جدوى النموذج الحزبي الحالي، وحول قدرته على مواكبة التحولات التنموية التي تقودها الدولة. كما أن الرهان سيكون كبيرًا على إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة، وهي الثقة التي يبدو أنها تعرضت لتآكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة.
في المحصلة، لا يمكن قراءة ما جرى في المجلس الوزاري بمعزل عن سياق أوسع يتسم بتسارع التحديات الاقتصادية والاجتماعية، وبتنامي الحاجة إلى نجاعة أكبر في تنفيذ السياسات العمومية. وبين الدولة والأحزاب، يظل المواطن هو الرهان الحقيقي، وهو الحكم النهائي على نجاح أو فشل أي نموذج تنموي.
فهل نحن أمام بداية مرحلة جديدة تعيد رسم حدود الفعل السياسي في المغرب؟ أم مجرد محطة عابرة في مسار إصلاح لم يكتمل بعد؟

الأحد، 19 أبريل 2026

مراكش بين الانتظار والتأويل: هل يعكس تغيير وجهة محمد السادس غضبة ملكية أم إعادة ترتيب للأولويات؟


 بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!

في الآونة الأخيرة، عاد الجدل ليتصاعد في الأوساط المحلية بمدينة مراكش، بعد تداول أخبار غير مؤكدة عن زيارة ملكية مرتقبة، قبل أن تتجه الأنظار نحو مدينة تطوان التي يُرجح أن تحتضن الاحتفالات الدينية المقبلة. هذا التحول في الوجهة أعاد إلى الواجهة سؤالاً قديماً متجدداً: هل نحن أمام “غضبة ملكية” على مراكش، أم أن الأمر يتعلق فقط بمنطق تدبير الأجندة الملكية؟

بين منطق الدولة وتأويلات الشارع

غالباً ما ترتبط الزيارات الملكية في المغرب باعتبارات دقيقة، تتجاوز البعد الرمزي إلى رهانات تنموية واستراتيجية. فالملك لا يحل بمدينة ما إلا في سياق واضح: تدشين مشاريع كبرى، إعطاء انطلاقة أوراش مهيكلة، أو الوقوف على برامج ذات أثر اجتماعي مباشر.

من هذا المنطلق، فإن غياب زيارة فورية لمراكش لا يمكن قراءته بالضرورة كإشارة سلبية، بقدر ما قد يعكس تأخر بعض المشاريع في بلوغ الجاهزية المطلوبة، أو إعادة ترتيب الأولويات وفق إكراهات الزمن السياسي والتنموي.

مراكش: مدينة تحت المجهر

لا خلاف أن مراكش، باعتبارها واجهة سياحية عالمية، تعيش منذ سنوات على وقع تحديات مركبة:

ضغط عمراني متسارع

اختلالات في البنيات التحتية

تفاوتات اجتماعية داخل المجال الحضري

وفي مثل هذا السياق، تتحول المدينة إلى فضاء للمساءلة غير المعلنة، حيث يُنتظر من الفاعلين المحليين الرفع من وتيرة الإنجاز وتحقيق الالتقائية بين المشاريع.

تطوان والشمال: عودة التوازن المجالي

في المقابل، يلاحظ تتبع الأنشطة الملكية خلال السنوات الأخيرة توجهاً لافتاً نحو مدن الشمال، ومنها تطوان. هذا التوجه يندرج ضمن سياسة أوسع لإعادة التوازن المجالي، عبر تثمين مؤهلات مناطق ظلت لعقود خارج دائرة الضوء مقارنة بمحاور تقليدية مثل مراكش والدار البيضاء.

كما أن اختيار مدن الشمال لاحتضان مناسبات دينية أو رسمية يحمل دلالات رمزية قوية، تتعلق بقرب المؤسسة الملكية من مختلف جهات المملكة.

“الغضبة الملكية”: بين الواقع والتمثلات

يبقى مفهوم “الغضبة الملكية” حاضراً بقوة في المخيال السياسي المغربي، وغالباً ما يُستدعى لتفسير كل تغيير مفاجئ في البرمجة أو التوجه. غير أن هذا المفهوم، في كثير من الأحيان، يُستعمل بشكل فضفاض دون سند رسمي، ويعكس أكثر مزاج الرأي العام منه حقيقة القرار السياسي.

إن قراءة تغيير وجهة محمد السادس من مراكش إلى تطوان تظل مفتوحة على عدة احتمالات، لكن الأرجح أنها تندرج ضمن منطق تدبير الأجندة الملكية وإعادة ترتيب الأولويات، لا ضمن منطق العقاب أو “الغضبة”.

وبين الانتظار والتأويل، تظل مراكش مطالبة، أكثر من أي وقت مضى، بتحويل هذا الجدل إلى فرصة لمراجعة الذات وتسريع وتيرة الإصلاح، حتى تظل في مستوى المكانة التي تحتلها وطنياً ودولياً.

السبت، 18 أبريل 2026

قراءة تحليلية في مقتضيات مشروع القانون 59.21 المنظمة للتعليم الخصوصي بالمغرب

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

يشكّل التعليم الخصوصي في المغرب مكوّناً أساسياً داخل المنظومة التربوية الوطنية، حيث أصبح يستقطب نسبة متزايدة من التلاميذ نتيجة اختلالات التعليم العمومي وتنامي الطلب الاجتماعي على الجودة. وفي هذا السياق، جاء مشروع القانون 59.21 كآلية تشريعية لإعادة تأطير هذا القطاع وضبط توازناته، عبر الانتقال من منطق السوق إلى منطق المرفق التربوي ذي البعد الحقوقي.

أولاً: إلزامية المشروع التربوي المندمج (الدعم النفسي والتربوي والنظام الداخلي)

ينص القانون على ضرورة توفر كل مؤسسة تعليمية خصوصية على مشروع تربوي مندمج يتضمن:

وحدات للدعم النفسي

وحدات للدعم التربوي

نظام داخلي واضح

إحداث جمعية آباء وأولياء التلاميذ

تحليل:

هذا التوجه يعكس انتقالاً نوعياً من مدرسة تقليدية تركز على التحصيل المعرفي فقط، إلى مدرسة دامجة تراعي الجوانب النفسية والاجتماعية للتلميذ. وهو ما يتقاطع مع:

المقاربة الحقوقية (الحق في تعليم جيد ومنصف)

المقاربة السوسيولوجية (المدرسة كفضاء لإعادة إنتاج القيم الاجتماعية)

كما أن إدماج الدعم النفسي يستجيب لواقع تفشي اضطرابات التعلم والضغط المدرسي، خاصة في المؤسسات التي تعتمد المنافسة الشديدة.

ثانياً: البنية التحتية الرياضية كشرط للجودة

ألزم القانون المؤسسات بـ:

توفير ملاعب رياضية

تجهيز مرافق لتغيير الملابس

العناية بالأنشطة البدنية

تحليل:

هذا المقتضى يعكس وعياً متزايداً بوظيفة المدرسة في بناء شخصية متوازنة، وليس فقط عقل معرفي. فالرياضة:

تعزز الصحة النفسية والجسدية

تنمي روح الفريق والانضباط

تقلل من السلوكيات المنحرفة

غير أن الإشكال المطروح يتمثل في قدرة المؤسسات الصغيرة، خصوصاً في المدن المكتظة، على توفير هذه البنيات، مما قد يخلق تفاوتاً طبقياً بين المؤسسات.

ثالثاً: إلزامية المنح الدراسية (البعد الاجتماعي للتعليم الخصوصي)

يفرض القانون تخصيص:

تلميذين إلى ثلاثة بكل قسم

من أبناء الأسر المعوزة

مع توفير التعليم والأدوات مجاناً

تحليل:

هذا الإجراء يحمل بعداً تضامنياً واضحاً، ويهدف إلى:

تقليص الفوارق الاجتماعية

تعزيز مبدأ تكافؤ الفرص

إدماج الفئات الهشة داخل التعليم الخصوصي

غير أن تطبيقه يطرح تحديات:

كيفية تحديد الأسر المستفيدة (معايير الاستحقاق)

مخاطر التحايل أو الزبونية

محدودية الأثر إذا لم يتم توسيع النسبة

رابعاً: تقنين المقررات الدراسية واحترام الثوابت الوطنية

ألزم القانون المؤسسات بـ:

مراعاة القدرة الشرائية للأسر

توحيد المراجع وجعلها متوفرة

احترام الثوابت الوطنية:

الدستور المغربي

النظام الملكي

الوحدة الترابية

الهوية الثقافية والدينية

تحليل:

هذا البند يندرج ضمن:

حماية السيادة الثقافية

مواجهة تغوّل بعض المناهج الأجنبية

الحد من “تسليع” المقررات الدراسية

كما يعكس محاولة لتحقيق التوازن بين:

الانفتاح على اللغات والمناهج الدولية

الحفاظ على الهوية الوطنية

خامساً: نظام العقوبات والغرامات

حدد القانون غرامات تتراوح بين:

10.000 و50.000 درهم في المخالفة الأولى

20.000 إلى 100.000 درهم عند التكرار

5.000 إلى 20.000 درهم في حالة تشغيل أطر غير مؤهلة

تحليل:

هذا التدرج في العقوبات يعكس:

إرادة الدولة في ضبط القطاع

الانتقال من “الفوضى التنظيمية” إلى “الحكامة التربوية”

غير أن فعالية هذه العقوبات رهينة بـ:

صرامة المراقبة

استقلالية لجان التفتيش

الشفافية في تطبيق القانون

سادساً: دور واختصاصات جمعية آباء وأولياء التلاميذ

تُعتبر جمعية الآباء فاعلاً أساسياً داخل المؤسسة، وتتمثل مهامها في:

1. أدوار تمثيلية:

تمثيل أولياء الأمور أمام الإدارة

نقل انشغالات الأسر

2. أدوار تربوية:

المساهمة في تحسين جودة التعليم

دعم الأنشطة الثقافية والتربوية

خلف أنشطة تربوية وثقافية ومسابقات وفضاءات فنية وثقافية داخل المؤسسة

3. أدوار رقابية:

تتبع احترام المؤسسة لالتزاماتها

مراقبة بعض الجوانب المرتبطة بالخدمات

4. أدوار اجتماعية:

دعم التلاميذ المعوزين

تعزيز التضامن داخل المؤسسة

تحليل:

يعكس إشراك الجمعية توجهاً نحو:

الحكامة التشاركية

ديمقراطية المدرسة

تقوية العلاقة بين الأسرة والمؤسسة

غير أن فعاليتها تبقى مشروطة بـ:

استقلاليتها عن إدارة المؤسسة

وعي الآباء بأدوارهم

عدم تحولها إلى هيئة شكلية

ختاما : يمكن القول إن مشروع القانون 59.21 يمثل محاولة جدية لإعادة هيكلة التعليم الخصوصي بالمغرب وفق رؤية تقوم على:

الجودة التربوية (الدعم النفسي والتربوي)

العدالة الاجتماعية (المنح الدراسية)

الحكامة (العقوبات والمراقبة)

الهوية الوطنية (تقنين المقررات)

غير أن نجاح هذا الإصلاح يظل رهيناً بمدى تنزيله الفعلي على أرض الواقع، وتوفر إرادة سياسية قوية، وآليات مراقبة فعالة، إضافة إلى انخراط جميع الفاعلين: الدولة، المؤسسات، الأسر، والمجتمع المدني.

الجمعة، 17 أبريل 2026

إشكالية مدرسة التعليم الخصوصي بالمغرب بين التبعية والتجارة ومخططات الإصلاح: مقاربة حقوقية وفلسفية-سوسيولوجية الجزء 1

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

يشكل التعليم الخصوصي في المغرب أحد أبرز تجليات التحول الذي عرفته المنظومة التعليمية خلال العقود الأخيرة، حيث انتقل من دور تكميلي محدود إلى فاعل أساسي يزاحم التعليم العمومي، بل ويعيد تشكيل علاقة الدولة بالمجتمع في مجال التربية. غير أن هذا التحول يطرح إشكالية عميقة تتجاذبها ثلاث زوايا رئيسية: التبعية، منطق السوق والتجارة، ومشاريع الإصلاح. وفي قلب هذه الإشكالية يبرز سؤال جوهري: هل يضمن التعليم الخصوصي حقًا تعليمًا جيدًا ومنصفًا، أم أنه يعمق الفوارق الاجتماعية ويعيد إنتاجها؟

أولًا: التعليم الخصوصي بين التبعية والاختيار الحر

من منظور حقوقي، يفترض أن يكون اللجوء إلى التعليم الخصوصي اختيارًا حرًا يعكس رغبة الأسر في تنويع العرض التربوي. غير أن الواقع المغربي يكشف أن هذا “الاختيار” غالبًا ما يكون مشروطًا بضعف المدرسة العمومية، ما يجعل الأسر، خصوصًا من الطبقة الوسطى، في وضعية تبعية اضطرارية. هنا تتحول المدرسة الخصوصية من بديل إلى “ملاذ إجباري”، وهو ما يطرح إشكالًا حقوقيًا يتعلق بمبدأ تكافؤ الفرص.

فبدل أن تضمن الدولة حق الجميع في تعليم عمومي جيد، يصبح هذا الحق عمليًا رهين القدرة الشرائية، مما يخلق نوعًا من “التمييز غير المباشر”. بهذا المعنى، فإن التبعية ليست فقط اقتصادية، بل هي أيضًا بنيوية، ناتجة عن اختلال التوازن بين القطاعين العام والخاص.

ثانيًا: منطق التجارة وتسليع التعليم

عرف قطاع التعليم الخصوصي توسعًا كبيرًا، لكنه لم يكن دائمًا مصحوبًا بتأطير صارم يضمن الجودة. هنا يبرز البعد التجاري، حيث تتحول المدرسة إلى مقاولة تسعى إلى الربح، أحيانًا على حساب الجودة التربوية.

من منظور فلسفي، يطرح هذا التحول إشكالية “تسليع المعرفة”، أي تحويلها إلى سلعة قابلة للبيع والشراء. في هذا السياق، يفقد التعليم وظيفته الإنسانية كوسيلة لبناء الذات وتحرير العقل، ليصبح خدمة تخضع لقوانين العرض والطلب. ويؤدي هذا إلى اختزال العلاقة التربوية في علاقة تعاقدية محضة بين “مزود خدمة” و”زبون”.

أما سوسيولوجيًا، فإن هذا المنطق يساهم في إعادة إنتاج التفاوتات الاجتماعية، حيث تستفيد الفئات الميسورة من تعليم ذي جودة أفضل، بينما تظل الفئات الهشة محصورة في تعليم أقل جودة. وهنا يظهر التعليم الخصوصي كآلية للتمييز الاجتماعي بدل أن يكون أداة للترقي.

ثالثًا: مخططات الإصلاح بين الطموح وحدود التنزيل

شهد المغرب عدة إصلاحات تربوية، من أبرزها الميثاق الوطني للتربية والتكوين والرؤية الاستراتيجية 2015-2030، التي أكدت على دور التعليم الخصوصي كشريك في المنظومة. غير أن الإشكال يكمن في ضعف آليات الحكامة والتتبع.

فرغم وجود نصوص قانونية تؤطر القطاع، فإن الممارسة تكشف عن تفاوت كبير في الجودة، وغياب مراقبة فعالة في بعض الأحيان، إضافة إلى إشكالات تتعلق بعقود العمل مع الأطر التربوية، والشفافية في الرسوم، واحترام البرامج.

من زاوية حقوقية، فإن الإصلاح الحقيقي يجب أن ينطلق من مبدأ أن التعليم حق وليس امتيازًا. وهذا يقتضي:

تقوية المدرسة العمومية لضمان حد أدنى من الجودة للجميع

إخضاع التعليم الخصوصي لمراقبة صارمة تضمن احترام المعايير

حماية حقوق التلاميذ والأسر من أي استغلال تجاري

ضمان كرامة المدرسين داخل القطاع الخصوصي

رابعًا: المدرسة بين الوظيفة الاجتماعية والرهان القيمي

فلسفيًا، لا يمكن اختزال المدرسة في فضاء لنقل المعارف فقط، بل هي مؤسسة لإنتاج القيم وبناء المواطن. وإذا انحرفت نحو منطق السوق، فإنها تفقد دورها كفاعل في تحقيق العدالة الاجتماعية.

سوسيولوجيًا، تمثل المدرسة فضاء لإعادة إنتاج المجتمع، لكنها أيضًا يمكن أن تكون أداة لتغييره. وهنا يطرح التحدي: هل يساهم التعليم الخصوصي في بناء مجتمع أكثر عدلًا، أم يعمق الفوارق الطبقية؟

إن إشكالية التعليم الخصوصي بالمغرب ليست مجرد قضية قطاعية، بل هي مرآة لاختلالات أعمق في السياسات العمومية. وبين التبعية والتجارة، يظل الرهان الحقيقي هو بناء منظومة تعليمية عادلة تضمن الجودة والإنصاف للجميع.

فالتعليم، في جوهره، ليس سلعة ولا امتيازًا، بل حق أساسي ورافعة مركزية للتنمية والكرامة الإنسانية. وأي إصلاح لا ينطلق من هذا المبدأ، يظل قاصرًا عن تحقيق التحول المنشود.

الهبة الملكية للشرفاء الإسماعيليين بضريح مولاي إسماعيل… بين النبل في المقصد وإشكالات التنزيل

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

تُعدّ الهبة الملكية التي تُمنح لفائدة الشرفاء الإسماعيليين، خاصة في محيط ضريح ضريح مولاي إسماعيل، من المبادرات ذات البعد الرمزي والاجتماعي العميق، إذ تعكس تقاليد التضامن والرعاية التي تميز المؤسسة الملكية في المغرب. غير أن هذه المبادرة، رغم نبل مقاصدها، أصبحت تثير في السنوات الأخيرة تساؤلات متزايدة داخل أوساط الشرفاء أنفسهم حول طرق تدبيرها وآليات توزيعها.

ففي الوقت الذي يُفترض أن تستهدف هذه الهبات الفئات الأكثر احتياجاً من الشرفاء، خصوصاً أولئك الذين يعيشون في ظروف اجتماعية صعبة، يُطرح سؤال جوهري: من هم المستفيدون الحقيقيون من هذه المساعدات؟ وهل تصل فعلاً إلى مستحقيها؟

عدد من الشرفاء الذين حضروا مراسيم توزيع هذه الهبات يؤكدون وجود نوع من الغموض يلفّ عملية التوزيع، سواء من حيث تحديد اللوائح أو اختيار المستفيدين. ويشير هؤلاء إلى غياب معايير واضحة وشفافة، مقابل اعتماد كبير على وسطاء محليين، قد لا يعكسون بالضرورة التمثيلية الحقيقية لهذه الفئة.

كما يبرز ضمن الانتقادات المتداولة احتمال وجود اختلالات، من قبيل تكرار أسماء مستفيدة، أو إدراج أشخاص لا ينتمون فعلياً إلى الفئة المستهدفة، وهو ما يعمّق الإحساس بالإقصاء لدى شريحة واسعة من الشرفاء الذين يفضلون العيش بكرامة في صمت، بعيداً عن أي مطالب أو احتجاجات.

ورغم ذلك، يحرص المتحدثون على التأكيد أن الإشكال لا يرتبط بالمبادرة في حد ذاتها، بل بكيفية تنزيلها ميدانياً، معتبرين أن النية الملكية تظل قائمة على أسس التضامن والإنصاف، وهو ما يستدعي إعادة النظر في آليات التفعيل لضمان تحقيق الأهداف المرجوة.

وفي هذا السياق، يقترح مهتمون بالشأن المحلي جملة من الإجراءات العملية، من بينها إعداد لوائح دقيقة ومحينة للمستفيدين، وتعزيز الشفافية في عملية التوزيع، إضافة إلى إشراك ممثلين حقيقيين عن الشرفاء الإسماعيليين في مختلف مراحل التدبير، بما يضمن عدالة أكبر في الاستفادة.

كما تبقى مسألة التواصل عنصراً أساسياً، حيث يُطالب بفتح قنوات مباشرة مع المعنيين، قصد الاستماع لانشغالاتهم وتوضيح المعايير المعتمدة، بما يعزز الثقة ويحدّ من الإشاعات التي قد تسيء إلى هذه المبادرة.

إن الهبة الملكية، بما تحمله من دلالات إنسانية ورمزية، تظل ركيزة من ركائز التضامن الاجتماعي في المغرب، غير أن الحفاظ على مصداقيتها يمرّ حتماً عبر ترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين.

الخميس، 16 أبريل 2026

العلامة المحدث الرحالي الفاروق السرغيني ودوره في استمرارية السند الحديثي بالمغرب المعاصر

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

ملخص

تتناول هذه الدراسة شخصية العلامة المحدث الرحالي الفاروق السرغيني باعتباره نموذجاً متميزاً للعالم المغربي في القرن العشرين، حيث جمَع بين الرواية والدراية، وامتاز بعلوّ سنده في رواية صحيح البخاري. وتهدف الدراسة إلى تحليل مساره العلمي، وإبراز مكانته ضمن المدرسة الحديثية المغربية، مع الوقوف عند خصائص سنده، وأدواره التربوية والوطنية. وتعتمد الدراسة المنهج التاريخي التحليلي، مستندة إلى كتب التراجم وعلوم الحديث.

مقدمة

احتل علم الحديث مكانة مركزية في البناء المعرفي الإسلامي، حيث ارتبطت مصداقيته بنظام الإسناد الذي يُعد من أبرز خصائص الحضارة الإسلامية. وقد حافظ المغرب، عبر مؤسساته العلمية وعلى رأسها جامعة القرويين، على تقاليد راسخة في نقل الحديث الشريف بسند متصل.

ضمن هذا السياق، يبرز العلامة الرحالي الفاروق السرغيني باعتباره امتداداً لهذه المدرسة، مما يطرح الإشكالية التالية:

إشكالية الدراسة

إلى أي حد يمكن اعتبار الرحالي الفاروق السرغيني نموذجاً لاستمرارية السند الحديثي بالمغرب في العصر الحديث؟ وما خصوصيات مساره العلمي والإسنادي؟

فرضيات البحث

يمثل الشيخ الرحالي حلقة وصل بين المدرسة الحديثية التقليدية والواقع المعاصر.

يعكس علوّ سنده استمرار الصلة العلمية بين المغرب والمشرق.

لعب دوراً مركزياً في نقل المعرفة عبر التعليم أكثر من التأليف.

منهج الدراسة

تعتمد الدراسة:

المنهج التاريخي (لتتبع سيرته)

المنهج التحليلي (لدراسة سنده ومكانته)

المنهج الوصفي (لعرض خصائصه العلمية)

أولاً: السياق العلمي للمدرسة الحديثية المغربية

تميّزت المدرسة المغربية بعنايتها بالسند، حيث أكد عبد الله كنون أن المغاربة “حافظوا على تقاليد الرواية مع الجمع بين الفقه والحديث”.

كما أشار محمد المنوني إلى أن نظام الإجازة الحديثية في المغرب يقوم على الضبط والتلقي المباشر، وهو ما يعزز موثوقية السند.

ثانياً: نسبه ونشأته العلمية

ينتمي الرحالي الفاروق إلى أسرة علمية بمنطقة السراغنة، وقد حفظ القرآن الكريم برواية ورش، وأتقن القراءات، مما أهّله للانخراط المبكر في علوم الحديث.

ويؤكد ابن الجزري أن إتقان القراءات يعد أساساً لضبط النصوص الشرعية، وهو ما انعكس في تكوين الشيخ.

ثالثاً: شيوخه وتكوينه العلمي

تتلمذ على عدد من كبار العلماء، أبرزهم:

أبو شعيب الدكالي

علماء القرويين

وقد لعبت جامعة القرويين دوراً محورياً في تكوينه، حيث اعتمدت نظام الحلقات العلمية المبني على التلقي والإسناد.

رابعاً: علوّ السند في صحيح البخاري (مقاربة تحليلية)

يُعد سنده في صحيح البخاري من أبرز ملامح تميّزه العلمي، حيث يتصل بالإمام محمد بن إسماعيل البخاري عبر سلسلة من كبار العلماء.

خصائص السند

الاتصال: خلوّه من الانقطاع

العلوّ: قلة عدد الوسائط

الامتداد الجغرافي: ربط المغرب بالمشرق

وقد عرّف ابن الصلاح السند العالي بأنه “ما قلّ عدد رجاله”، وهو ما ينطبق على سند الشيخ.

كما يؤكد السخاوي أن الأسانيد تمثل شبكة علمية عابرة للأقطار، وهو ما يظهر بوضوح في هذا السند.

خامساً: مكانته العلمية

تميّز الشيخ الرحالي بـ:

قوة الحفظ (حتى نُسب إليه حفظ الصحيحين)

التمكن في الفقه واللغة

القدرة على التحليل والاستنباط

ويُقارب هذا المستوى ما ذكره الذهبي حول كبار الحفاظ، حيث اعتبر الحفظ معياراً أساسياً للتفوق العلمي.

سادساً: أدواره التربوية

تقلّد عدة مناصب، منها:

إدارة ثانوية ابن يوسف

عمادة كلية اللغة العربية بمراكش

رئيسا للمجلس العلمي الأعلى بمراكش

وقد ساهم في تكوين أجيال من الطلبة، مما يجعله ضمن “العلماء المؤطرين” الذين يجمعون بين المعرفة والتربية.

سابعاً: مواقفه الوطنية

عرف الشيخ بمواقفه الوطنية، خاصة خلال فترة نفوذ التهامي الكلاوي، حيث تعرّض لمضايقات بسبب مواقفه.

ويؤكد علال الفاسي أن العلماء في المغرب كانوا جزءاً من الحركة الوطنية، وهو ما ينطبق على الشيخ الرحالي.

ثامناً: إشكالية قلة التأليف

رغم سعة علمه، لم يخلّف إنتاجاً مكتوباً كبيراً، وهو ما يفسره محمد حجي بطبيعة الثقافة العلمية المغربية التي تعتمد على التلقي الشفهي.

تاسعاً: وفاته وأثره

توفي بمراكش، ودُفن بمقبرة باب غمات، وشهدت جنازته حضوراً كبيراً، كما تعطلت الدراسة يوم وفاته، وهو ما يعكس مكانته العلمية والاجتماعية.

خلصت الدراسة إلى أن العلامة الرحالي الفاروق السرغيني يمثل نموذجاً فريداً لاستمرارية السند الحديثي بالمغرب، حيث:

حافظ على تقاليد الرواية والإسناد

جمع بين الحفظ والفهم

أسهم في تكوين أجيال من العلماء

وعليه، توصي الدراسة بـ:

جمع دروسه وتحقيقها

دراسة أسانيده بشكل موسع

إدماج تراثه ضمن الدراسات الجامعية..

لائحة المراجع : 

علوم الحديث لابن الصلاح

فتح المغيث للسخاوي

سير أعلام النبلاء – الذهبي

النبوغ المغربي – عبد الله كنون

أعمال محمد المنوني

أعمال محمد حجي

الكلمات المفتاحية:# السند،#، الحديث#، علماء المغرب#، الرحالي الفاروق#، القرويين، الرواية.#


الأربعاء، 15 أبريل 2026

الشيخ العلامة اليزيد الراضي: مسار علمي رصين وتتويج بالتعيين أمينًا عامًا للمجلس العلمي

 


بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام  للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

ولد الشيخ اليزيد الراضي في سنة 1950 بدوار إداوزكري.دائرة إغرم إقليم تارودانت. حفظ القرآن الكريم على يد والده وعلى يد شيخه المرحوم سيدي الحاج محمد بن أحمد بن الحسين .ودرس المتون العلمية. في النحو و الفقه مثل الأجرومية واللامية و الجمل و الألفية و الزواوي والرسالة وغيرها...ثم إلتحق بالتعليم الأصيل وأتم دراسته النظامية. حصل على شهادة البكالوريا في التعليم الأصيل سنة 1970 ثم الإجازة في الحقوق (علوم قانونية} سنة 1973.والإجازة في الدراسات العربية في نفس السنة.ثم عين أستاذا بثانوية المختار السوسي بمدينة طاطا.{موسم 73/74 )ثم إنتقل إلى ثانوية محمد الخامس للتعليم الأصيل بتارودانت من 1974 إلى 1985.ثم عين أستاذا بكلية الأدب بأكادير سنة 1986.ثم حصل على شهادة الماجستير في الأدب العربي سنة 1990.ثم شهادة الدكتوراه في الأدب العربي سنة 2002.وعين أيضا رئيسا للمجلس العلمي المحلي لترودانت سنة 2004 و بعدها رئيسا للمجلس العلمي الجهوي سوس ماسة، ولديه العديد من المؤلفات.منها زكاة رواتب الموظفين وأصحاب المهن الحرة (مطبوع) وبناء القصر في أحكام القصر (مخطوط)..

عينه صاحب الجلالة الملك محمد السادس امينا عاما المجلس العلمي الأعلى بالمملكة المغربية 

الثلاثاء، 14 أبريل 2026

الانتخابات التشريعية 2026 بالمغرب: بين رهانات النزاهة وتجديد النخب السياسية الجزء 4

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

تشكل الانتخابات التشريعية محطة أساسية في ترسيخ البناء الديمقراطي، حيث تمثل آلية دستورية لتجديد النخب السياسية وتكريس مبدأ التداول على السلطة. ومع اقتراب انتخابات 2026 بالمملكة المغربية، يتجدد النقاش حول شروط نزاهة العملية الانتخابية، وأهمية القطع مع الممارسات السلبية التي أضعفت الثقة في المؤسسات التمثيلية، مقابل ضرورة تعزيز المشاركة السياسية الواعية والمسؤولة.

أولاً: الحياد الإيجابي للمواطن ودوره في تعزيز الديمقراطية

إن اتخاذ موقف الحياد الإيجابي، القائم على مسافة واحدة من جميع المرشحين، يعكس وعياً سياسياً متقدماً، حيث يتيح للمواطن تقييم البرامج الانتخابية بناءً على الكفاءة والمصداقية بدل الانتماءات الضيقة.

ويرتبط هذا التوجه بمفهوم المواطنة الفاعلة التي تقوم على:

الاختيار الحر المبني على البرامج لا الأشخاص

رفض التبعية والزبونية السياسية

مراقبة الأداء بعد الانتخابات

وقد أكد دستور المملكة المغربية لسنة 2011 على مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، باعتباره أساساً للحكامة الجيدة.

ثانياً: التنافس الشريف كمدخل لنزاهة العملية الانتخابية

يُعد التنافس النزيه شرطاً جوهرياً لضمان مصداقية الانتخابات. غير أن بعض الممارسات، مثل شراء الأصوات واستعمال المال الانتخابي، تظل من أبرز التحديات التي تواجه الديمقراطية التمثيلية.

دلائل واقعية:

تقارير مؤسسات الحكامة بالمغرب، وعلى رأسها المجلس الأعلى للحسابات، تشير إلى اختلالات في تدبير الحملات الانتخابية وتمويلها.

تسجيل حالات متابعة قضائية في جرائم انتخابية مرتبطة بالفساد واستعمال المال.

النتائج السلبية لهذه الظواهر:

إضعاف ثقة المواطن في المؤسسات

إفراز نخب غير كفؤة

تعطيل مسار التنمية

ثالثاً: تجديد النخب السياسية وإدماج الكفاءات الشابة

من أبرز التحديات المطروحة اليوم ضرورة تجديد النخب السياسية عبر تمكين الشباب والكفاءات من ولوج المؤسسات التمثيلية.

أهمية ذلك:

ضخ دماء جديدة في العمل السياسي

مواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية

تعزيز الابتكار في السياسات العمومية

وقد أظهرت تجارب دولية أن إشراك الشباب يساهم في:

رفع نسب المشاركة السياسية

تعزيز الثقة في المؤسسات

تحسين جودة التشريع والرقابة

إشكالية الوجوه التقليدية:

استمرار نفس النخب لسنوات طويلة يؤدي إلى:

جمود في الأداء السياسي

انتشار ظواهر الريع السياسي

فقدان الأمل لدى المواطنين، خاصة الشباب

رابعاً: محاربة الفساد كمدخل للتنمية

لا يمكن الحديث عن انتخابات ذات مصداقية دون ربطها بمحاربة الفساد، الذي يشكل عائقاً أساسياً أمام التنمية.

مؤشرات ودلائل:

تقارير منظمة الشفافية الدولية تبرز استمرار تحديات الفساد في العديد من الدول، بما فيها الدول النامية.

الربط بين الفساد وضعف الخدمات العمومية (تعليم، صحة، تشغيل).

انعكاسات الفساد:

تبديد المال العام

اتساع الفوارق الاجتماعية

تراجع جاذبية الاستثمار

خامساً: الانتخابات في سياق التحديات الوطنية والوحدة الترابية

تأتي الانتخابات في سياق إقليمي ودولي يتسم بتحديات متعددة، خاصة ما يتعلق بالدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة.

أهمية الوعي السياسي:

تعزيز الجبهة الداخلية

توحيد الصف الوطني

دعم مسار التنمية الشاملة

فالرهان اليوم ليس فقط انتخاب ممثلين، بل اختيار كفاءات قادرة على:

الدفاع عن المصالح العليا للوطن

مواصلة الأوراش التنموية الكبرى

تعزيز مكانة المغرب دولياً

سادساً: نحو تعاقد سياسي جديد

تفرض المرحلة الراهنة إعادة بناء العلاقة بين المواطن والفاعل السياسي على أساس تعاقد جديد يقوم على:

النزاهة والشفافية

الكفاءة والاستحقاق

المسؤولية والمحاسبة

إن الانتخابات التشريعية لسنة 2026 تمثل فرصة حقيقية لإعادة الثقة في العمل السياسي بالمغرب، شريطة القطع مع الممارسات السلبية، وتشجيع التنافس الشريف، وتمكين الكفاءات الشابة، ومحاربة الفساد.

ويبقى الرهان الأكبر هو وعي المواطن، باعتباره الفاعل الأساسي في إنجاح هذا الاستحقاق، من خلال اختيار من يستحق تمثيله بعيداً عن كل أشكال التأثير غير المشروع، بما يخدم مستقبل المملكة المغربية ويعزز مسارها الديمقراطي والتنموي.

الأحد، 12 أبريل 2026

الشباب المغربي و انتخابات 2026 : من صوت انتخابي الى قوة تغيير خقيقية الجزء 3

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

يشهد المغرب مع اقتراب انتخابات البرلمان لسنة 2026 محطة سياسية مفصلية، تتجاوز مجرد اختيار ممثلين داخل قبة المؤسسة التشريعية، لتطرح سؤالاً أعمق: ما هو دور المواطن، وخاصة الشباب، في صناعة القرار ورسم ملامح المستقبل؟ إن التصويت لم يعد مجرد إجراء شكلي أو واجب موسمي، بل أصبح تعبيراً عن وعي جماعي ومسؤولية وطنية.
لقد أثبتت التجارب السابقة أن العزوف عن المشاركة السياسية لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج نفس الوجوه ونفس الخطابات، بينما تشكل المشاركة الواعية فرصة حقيقية لإحداث التغيير المنشود. فالشباب المغربي اليوم لم يعد ذلك المتلقي السلبي، بل أضحى فاعلاً قادراً على التقييم والمحاسبة، وعلى التمييز بين البرامج الجادة والشعارات الفارغة.
إن انتخابات 2026 تمثل لحظة حاسمة، لأن الرهانات كبيرة: إصلاح منظومة التعليم، تعزيز العدالة الاجتماعية، خلق فرص الشغل، وتحقيق تنمية شاملة ومستدامة. وكل هذه القضايا لا يمكن أن تتحقق دون برلمان قوي، نابع من إرادة شعبية حقيقية، يعكس تطلعات المواطنين وينقل صوتهم بصدق ومسؤولية.
ومن هنا، فإن المشاركة في التصويت ليست خياراً ثانوياً، بل هي موقف واضح بين أن تكون جزءاً من الحل أو جزءاً من المشكلة. فإما أن يساهم المواطن في بناء مستقبل أفضل عبر اختيار ممثلين أكفاء ونزهاء، أو يترك المجال مفتوحاً لمن لا يمثلون تطلعاته.
إن الوعي السياسي لا يتجلى فقط في الإدلاء بالصوت، بل في حسن الاختيار، وفي متابعة أداء المنتخبين، ومساءلتهم بعد الانتخابات. فالديمقراطية ليست لحظة عابرة، بل مسار مستمر من المشاركة والمراقبة والمحاسبة.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية تعبئة الشباب المغربي، باعتباره القوة الحيوية داخل المجتمع، للمشاركة بكثافة في هذه الاستحقاقات. فصوت الشاب ليس مجرد ورقة توضع في الصندوق، بل هو رسالة قوية مفادها أن التغيير ممكن، وأن المستقبل يُصنع بالإرادة الجماعية.
ختاماً، تبقى انتخابات 2026 فرصة حقيقية لإعادة الثقة في العمل السياسي، وتجديد النخب، وترسيخ مبادئ الديمقراطية. فالمغرب الذي نطمح إليه لن يتحقق إلا بمشاركة الجميع، وبإيمان راسخ بأن كل صوت له قيمة، وكل موقف يصنع الفرق.
فلنشارك، لنصوّت، ولنُحسن الاختيار… لأن مستقبل الوطن مسؤوليتنا جميعاً.

السبت، 11 أبريل 2026

المغرب يوجه رسالة حازمة من طرابلس: السيادة الوطنية خط أحمر


بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

شهد أحد اجتماعات “تجمع الساحل والصحراء” في العاصمة الليبية طرابلس تطوراً لافتاً بعد تسجيل تحفظ رسمي من قبل المغرب على مضامين وثائق معروضة، تضمنت خريطة لا تحترم الوحدة الترابية للمملكة. وهو ما دفع الرباط إلى اتخاذ قرار سيادي بالانسحاب الفوري من أشغال الاجتماع.

هذا القرار، الذي جاء حاسماً وواضحاً، لم يكن مجرد رد فعل دبلوماسي عابر، بل يعكس ثبات الموقف المغربي تجاه قضية الصحراء المغربية، باعتبارها من القضايا الجوهرية التي لا تقبل أي شكل من أشكال التأويل أو التجاوز. وأكدت هذه الخطوة أن احترام السيادة الوطنية يشكل شرطاً أساسياً لأي انخراط في المبادرات الإقليمية.

مصادر دبلوماسية اعتبرت أن انسحاب المغرب ألقى بظلاله على مخرجات الاجتماع، حيث فقد جزءاً من زخمه السياسي، في ظل غياب فاعل إقليمي يُنظر إليه كعنصر توازن واستقرار في منطقة الساحل والصحراء. فالمملكة، بحكم موقعها الجيو-استراتيجي وأدوارها المتعددة، تظل شريكاً محورياً في مختلف المبادرات المرتبطة بالأمن والتنمية في المنطقة.

ويُقرأ هذا الموقف أيضاً في سياق التحولات التي تعرفها الدبلوماسية المغربية خلال السنوات الأخيرة، والتي باتت أكثر وضوحاً وحزماً في الدفاع عن الثوابت الوطنية، وعلى رأسها الوحدة الترابية. فلم تعد الرباط، كما يرى متتبعون، مستعدة للقبول بأي “أخطاء بروتوكولية” تمس بجوهر السيادة، حتى وإن كانت في إطار لقاءات متعددة الأطراف.

في المحصلة، يبعث هذا التطور برسالة سياسية قوية مفادها أن الانخراط المغربي في أي إطار إقليمي يظل مشروطاً بالاحترام الكامل لوحدته الترابية. وبينما اختارت الرباط التعبير عن موقفها بهدوء عبر الانسحاب، فإن صدى هذه الخطوة يعكس تحولاً نوعياً في طريقة تدبيرها لملفاتها السيادية، عنوانه الوضوح والحزم دون الحاجة إلى تصعيد الخطاب.


تحولات "سياحة الليل" في مراكش بين الجاذبية الاقتصادية والانزلاقات الاجتماعية: قراءة سوسيولوجية وقانونية

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

تشهد مدينة مراكش في الآونة الأخيرة تصاعداً لافتاً لعدد من الظواهر المرتبطة بالملاهي الليلية، بما في ذلك الاتجار بالبشر، واستغلال القاصرات، وترويج المخدرات الصلبة. وقد أعاد هذا الوضع إلى واجهة النقاش العمومي إشكالية "سياحة الليل" وحدودها القانونية والأخلاقية، خاصة في ظل التوازن الدقيق بين متطلبات التنمية السياحية والحفاظ على النظام العام والقيم المجتمعية.

أولاً: سياحة الليل كرافعة اقتصادية

تُعد السياحة أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد المحلي، حيث تستقطب مراكش سنوياً أعداداً مهمة من السياح الباحثين عن الترفيه والتجارب الثقافية المتنوعة. وتندرج الملاهي الليلية ضمن هذه المنظومة، باعتبارها فضاءات تساهم في تنشيط الدورة الاقتصادية، وتوفير فرص الشغل، وتعزيز جاذبية المدينة على المستوى الدولي.

غير أن هذا البعد الاقتصادي، رغم أهميته، لا يمكن فصله عن التحديات الاجتماعية والأمنية التي قد تفرزها بعض الممارسات غير القانونية المرتبطة بهذه الفضاءات.

ثانياً: التحولات الاجتماعية ومظاهر الانحراف

أفرزت التحولات التي تعرفها "سياحة الليل" مجموعة من الظواهر المقلقة، أبرزها:

الاستغلال الجنسي للقاصرات: حيث تشير بعض التقارير إلى تورط شبكات منظمة في استدراج فتيات قاصرات نحو أنشطة غير قانونية.

الاتجار بالبشر: وهي جريمة عابرة للحدود، تتخذ أشكالاً متعددة، من بينها الاستغلال الجنسي والعمل القسري.

ترويج المخدرات الصلبة: مثل الكوكايين، خصوصاً في الأوساط المرتبطة بالسهرات الليلية، مما يشكل تهديداً للصحة العامة والأمن المجتمعي.

وتتفاقم هذه الظواهر في بعض المناطق الهشة، حيث تتقاطع عوامل الفقر والهشاشة الاجتماعية مع ضعف الوعي القانوني، ما يجعل بعض الفئات عرضة للاستغلال.

ثالثاً: الإطار القانوني والمؤسساتي

يتوفر المغرب على ترسانة قانونية مهمة لمكافحة هذه الجرائم، من أبرزها القانون المتعلق بمحاربة الاتجار بالبشر، وكذا مقتضيات القانون الجنائي التي تجرّم الدعارة واستغلال القاصرين وترويج المخدرات.

كما تضطلع الأجهزة الأمنية والسلطات المحلية بدور محوري في مراقبة هذه الفضاءات، من خلال:

حملات تفتيش دورية

إغلاق المحلات المخالفة

تفكيك الشبكات الإجرامية

غير أن فعالية هذه التدخلات تظل رهينة بتعزيز آليات التنسيق، وتكثيف المراقبة، وتحديث وسائل الرصد والتتبع.

رابعاً: بين الحرية الفردية والنظام العام

يطرح انتشار هذه الظواهر إشكالية فلسفية وقانونية تتعلق بحدود الحرية الفردية في الفضاءات الترفيهية. فبينما يُفترض أن تظل الملاهي الليلية فضاءات للترفيه المشروع، فإن تحولها إلى بؤر لممارسات غير قانونية يفرض تدخل الدولة لحماية النظام العام وصون كرامة الأفراد، خاصة الفئات الهشة.

وفي هذا السياق، يبرز دور المجتمع المدني ووسائل الإعلام في التوعية، وكشف الاختلالات، والدفع نحو نقاش عمومي مسؤول ومتوازن.

خامساً: نحو مقاربة شمولية للإصلاح

لمعالجة هذه الإشكاليات، تبرز الحاجة إلى اعتماد مقاربة متعددة الأبعاد تقوم على:

تعزيز الرقابة القانونية على الملاهي الليلية، مع تطبيق صارم للقوانين.

إطلاق برامج اجتماعية تستهدف الفئات الهشة، خاصة الشباب والفتيات المعرضات للاستغلال.

تطوير الوعي المجتمعي بخطورة هذه الظواهر عبر حملات تحسيسية.

تنظيم قطاع الترفيه الليلي وفق معايير واضحة تضمن التوازن بين الجاذبية السياحية واحترام القانون.

إن التحدي الذي تواجهه مراكش اليوم لا يكمن في وجود "سياحة ليلية" في حد ذاتها، بل في كيفية تأطيرها وضبطها بما يضمن استدامتها واحترامها للقانون والقيم المجتمعية. فبين جاذبية الاستثمار السياحي ومتطلبات الأمن الاجتماعي، تظل الحاجة ملحة إلى سياسات عمومية متكاملة تعيد التوازن لهذا القطاع الحيوي، وتحافظ في الآن ذاته على صورة المدينة كوجهة سياحية آمنة ومحترمة.

الخميس، 9 أبريل 2026

عندما يضل العقل في غياب نور المعرفة : مقاربة فلسفية وتربوية

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

يُعدّ العقل من أعظم ما وُهب للإنسان، إذ به يميّز ويفكّر ويحلّل. غير أنّ هذا العقل، رغم أهميته، قد يتحوّل إلى أداة للضلال والانحراف إذا لم يستند إلى المعرفة الصحيحة. فالعقل ليس كيانًا مستقلًا بذاته، بل هو في حاجة دائمة إلى نور يرشده، وهذا النور يتمثّل في المعرفة بمختلف أشكالها. من هنا تبرز الإشكالية: هل يمكن للعقل أن يهتدي بذاته دون سند معرفي؟ أم أنّ المعرفة شرط أساسي لسلامة التفكير؟
أولًا: مفهوم العقل والمعرفة في الفكر الإنساني
لقد تناول الفلاسفة مفهوم العقل بوصفه أداة للفهم والإدراك. فقد اعتبر أرسطو أن العقل هو جوهر الإنسان ومصدر تميّزه، بينما رأى رينيه ديكارت أن العقل هو أساس اليقين من خلال مقولته الشهيرة: "أنا أفكر إذن أنا موجود".
أما المعرفة، فهي مجموع الخبرات والمعلومات التي يكتسبها الإنسان عبر التعلم والتجربة. وقد ميّز جون لوك بين المعرفة الفطرية والمكتسبة، مؤكدًا أن العقل يولد صفحة بيضاء (Tabula Rasa)، وأن المعرفة تُبنى بالتجربة.
يتضح من هذا أن العلاقة بين العقل والمعرفة علاقة تكامل، حيث لا يمكن لأحدهما أن يعمل بكفاءة دون الآخر.
ثانيًا: غياب المعرفة وأثره في ضلال العقل
عندما يغيب نور المعرفة، يصبح العقل عرضة لعدة اختلالات، من أبرزها:
1. سيطرة الجهل والأوهام
في غياب المعرفة، يميل الإنسان إلى تفسير الظواهر تفسيرًا خرافيًا أو غير علمي. وقد أشار ابن خلدون في مقدمته إلى أن الجهل يؤدي إلى انتشار الأوهام والخرافات داخل المجتمعات.
2. الانحيازات المعرفية
العقل غير المؤطر بالمعرفة يقع فريسة للأحكام المسبقة والانحيازات، مما يؤدي إلى قرارات خاطئة. وهذا ما تؤكده دراسات علم النفس المعرفي الحديثة.
3. التطرف الفكري
غياب المعرفة النقدية يفتح الباب أمام الفكر المتطرف، حيث يتم تبني أفكار دون تمحيص أو تحليل، وهو ما يشكّل خطرًا على استقرار المجتمعات.
ثالثًا: المعرفة كشرط أساسي لهداية العقل
تشكل المعرفة النور الذي يوجّه العقل نحو الصواب، ويتجلّى ذلك في:
1. تنمية التفكير النقدي
المعرفة تتيح للإنسان تحليل المعلومات وتقييمها، بدل قبولها بشكل أعمى.
2. تحقيق الوعي الفردي والجماعي
المجتمعات التي تستثمر في التعليم والمعرفة تكون أكثر استقرارًا وتقدمًا.
3. تحرير الإنسان من الجهل
يرى باولو فريري أن التعليم هو وسيلة لتحرير الإنسان من القهر والجهل، وبناء وعي نقدي قادر على التغيير.
رابعًا: تكامل العقل والمعرفة في بناء الحضارة
لا يمكن لأي حضارة أن تقوم دون توازن بين العقل والمعرفة. فالتقدم العلمي والتكنولوجي الذي يشهده العالم اليوم هو نتيجة لهذا التكامل. وقد شهد التاريخ الإسلامي، على سبيل المثال، ازدهارًا علميًا كبيرًا عندما تم الجمع بين العقل (الاجتهاد) والمعرفة (العلم).
كما يؤكد إيمانويل كانط أن "التنوير هو خروج الإنسان من حالة القصور التي وضع نفسه فيها"، وهذا لا يتحقق إلا باستخدام العقل في إطار المعرفة.
خامسًا: دور التربية والتعليم في إنارة العقل
تلعب المؤسسات التعليمية دورًا محوريًا في تزويد الأفراد بالمعرفة الضرورية، وذلك عبر:
تطوير المناهج التعليمية
تعزيز ثقافة القراءة والبحث
تشجيع التفكير الحر والنقدي
كما أن الأسرة والمجتمع يسهمان في تشكيل الوعي المعرفي للأفراد.
يتبيّن أن العقل، رغم أهميته، لا يمكنه أن يهتدي بمفرده، بل يحتاج إلى نور المعرفة ليقوم بوظيفته على أكمل وجه. فغياب المعرفة يؤدي إلى ضلال الفكر وانتشار الجهل، بينما يشكّل حضورها أساسًا للوعي والتقدم. ومن هنا، فإن الاستثمار في المعرفة ليس خيارًا، بل ضرورة حتمية لبناء إنسان واعٍ ومجتمع متماسك.
خلاصة مركزة
"العقل أداة، والمعرفة نور؛ وإذا اجتمعا وُلد الوعي، وإذا افترقا ساد الضلال."

تمويل الحملات الانتخابية بين التعددية وترشيد المشهد الحزبي: دراسة مقارنة بين المغرب وفرنسا وألمانيا الجزء 2

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!
قبل مقالي هذا لا بأس أن نلقي نظرة عامة على المشهد الحزبي في الدول الثلاث بناءً على البيانات القانونية والسياسية المتاحة لعام 2026:

1. المملكة المغربية
يتميز المغرب بتعددية حزبية واسعة ينظمها القانون التنظيمي للأحزاب السياسية.
العدد الإجمالي: يوجد في المغرب حوالي 34 حزباً سياسياً معتمداً قانونياً.
الأحزاب الممثلة في البرلمان: بناءً على نتائج انتخابات 2021 والتحضيرات لانتخابات 2026، هناك حوالي 12 حزباً تتمتع بتمثيل برلماني، أبرزها:
حزب التجمع الوطني للأحرار (RNI).
حزب الأصالة والمعاصرة (PAM).
حزب الاستقلال (PI).
حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (USFP).
حزب العدالة والتنمية (PJD).
2. فرنسا
النظام الفرنسي معقد بسبب كثرة الأحزاب الصغيرة والتحالفات الانتخابية المتغيرة.
العدد الإجمالي: يوجد مئات الأحزاب والتشكيلات السياسية المسجلة، لكن النشط منها فعلياً على الساحة الوطنية يبلغ حوالي 30 إلى 40 حزباً.
التكتلات الكبرى: يتركز المشهد السياسي الفرنسي حالياً حول 3 تكتلات رئيسية تضم عشرات الأحزاب:
تكتل الوسط (معاً): يضم حزب "النهضة" وحلفاءه.
تحالف اليسار (الجبهة الشعبية الجديدة): يضم "فرنسا الأبية"، "الحزب الاشتراكي"، "الخضر"، و"الحزب الشيوعي".
اليمين واليمين المتطرف: يتقدمه حزب "التجمع الوطني" وحزب "الجمهوريون".
3. ألمانيا
تعتمد ألمانيا نظاماً ديمقراطياً برلمانياً يسمح بوجود عدد كبير من الأحزاب، لكن "عتبة الـ 5%" تمنع الكثير منها من دخول البرلمان الاتحادي (البوندستاغ).
العدد الإجمالي: هناك أكثر من 40 حزباً مسجلاً لدى اللجنة الانتخابية الاتحادية.
الأحزاب الرئيسية: يتنافس بشكل دوري حوالي 7 إلى 10 أحزاب كبرى على المستوى الوطني، وهي:
الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU) وشقيقه البافاري (CSU).
الحزب الديمقراطي الاجتماعي (SPD).
حزب الخضر (Bündnis 90/Die Grünen).
الحزب الديمقراطي الحر (FDP).
حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD).
حزب "اليسار" (Die Linke).
تحالف سارة واجنكنخت (BSW).
ملاحظة: الأرقام الدقيقة قد تتغير بشكل طفيف نتيجة الاندماجات أو ظهور أحزاب جديدة (مثل حزب "فولت" في أوروبا)، ولكن هذه هي الهياكل الأساسية المعتمدة في عام 2026.
يشكل تمويل الحملات الانتخابية آلية محورية في بناء الأنظمة الديمقراطية، حيث يهدف إلى تحقيق تكافؤ الفرص وضمان شفافية التنافس السياسي. غير أن هذا التمويل، خاصة عندما يكون عمومياً، يثير إشكالات تتعلق بمدى مساهمته في تعزيز التعددية أو تكريسه لهشاشة المشهد الحزبي. وفي المغرب، أعاد اعتماد مراسيم جديدة لتمويل الحملات الانتخابية النقاش حول جدوى استمرار الأحزاب الصغيرة، وهو نقاش يجد صداه أيضاً في تجارب ديمقراطية عريقة مثل فرنسا وألمانيا.
وعليه، تسعى هذه الدراسة إلى تحليل النموذج المغربي في ضوء التجربتين الفرنسية والألمانية، واستجلاء حدود التوازن بين التعددية والفعالية السياسية.
أولاً: الإطار النظري لتمويل الحياة السياسية
يقوم التمويل العمومي للأحزاب على ثلاث وظائف أساسية:
تحقيق المساواة في التنافس الانتخابي.
تقليص الفساد السياسي الناتج عن التمويل غير المشروع.
دعم التعددية السياسية.
لكن في المقابل، قد يؤدي إلى:
خلق أحزاب “ريعية” تعتمد على الدعم بدل القاعدة الشعبية.
إضعاف الدينامية السياسية عبر تشجيع التشتت الحزبي.
ثانياً: النموذج المغربي – بين دعم التعددية وإشكالية النجاعة
يعتمد المغرب نظاماً مختلطاً لتمويل الأحزاب يجمع بين:
الدعم العمومي (للحملات والأنشطة).
التمويل الذاتي.
أبرز خصائصه:
ربط جزء من التمويل بنتائج الانتخابات.
إخضاع النفقات لمراقبة المجلس الأعلى للحسابات.
دعم جميع الأحزاب المشاركة، بغض النظر عن حجمها النسبي.
الإشكالات المطروحة:
استمرار عدد كبير من الأحزاب ذات الحضور المحدود.
ضعف التأطير السياسي خارج الفترات الانتخابية.
تحول بعض الأحزاب إلى فاعل موسمي.
ثالثاً: النموذج الفرنسي – تقنين صارم وتمويل مشروط
في فرنسا، يتميز تمويل الأحزاب بصرامة قانونية عالية، ويخضع لمراقبة اللجنة الوطنية لحسابات الحملات وتمويل الحياة السياسية.
أهم ملامحه:
التمويل العمومي يعتمد على معيارين:
عدد الأصوات المحصل عليها.
عدد النواب المنتخبين.
فرض سقف صارم لنفقات الحملات الانتخابية.
منع التمويل من الشركات الخاصة.
آليات ترشيد المشهد الحزبي:
ضرورة الحصول على نسبة دنيا من الأصوات للاستفادة من الدعم.
تشجيع التحالفات الانتخابية.
النتيجة:
تقليص عدد الأحزاب المؤثرة فعلياً.
الحفاظ على تعددية “مؤطرة” وليست مفتوحة بشكل مفرط.
رابعاً: النموذج الألماني – التوازن بين التعددية والاستقرار
تُعد ألمانيا نموذجاً متقدماً في تدبير التمويل الحزبي، حيث يجمع بين:
الدعم العمومي.
التمويل الخاص المنظم.
خصائص النظام الألماني:
ربط التمويل بعدد الأصوات والمساهمات الذاتية.
اشتراط حد أدنى (حوالي 0.5% من الأصوات) للاستفادة من الدعم.
مراقبة صارمة من طرف المحكمة الدستورية الاتحادية الألمانية.
آليات الحد من التشتت:
اعتماد عتبة انتخابية (5%) لدخول البرلمان.
تحفيز الأحزاب على بناء قواعد اجتماعية حقيقية.
النتيجة:
مشهد حزبي مستقر نسبياً.
عدد محدود من الأحزاب الكبرى مع حضور محسوب لأحزاب صغيرة ذات تأثير.
خامساً: الاستنتاج المقارن:
المغرب يميل إلى تغليب التعددية على حساب النجاعة.
فرنسا تعتمد تقنيناً صارماً يحد من التشتت.
ألمانيا تحقق توازناً دقيقاً بين الاستقرار والتعددية.
سادساً: آفاق الإصلاح في الحالة المغربية
استلهاماً من التجارب المقارنة، يمكن اقتراح:
إعادة هيكلة الدعم العمومي
ربطه بالأداء الفعلي والتمثيلية.
إقرار عتبة انتخابية فعالة
للحد من التشرذم دون إقصاء مفرط.
تشجيع الاندماج الحزبي
عبر تحفيزات مالية وتنظيمية.
تعزيز الرقابة والشفافية
توسيع صلاحيات المجلس الأعلى للحسابات.
إن إشكالية تمويل الحملات الانتخابية في المغرب لا تنفصل عن سؤال أعمق يتعلق بطبيعة النموذج الديمقراطي المنشود. فبين الحفاظ على التعددية وضمان فعالية المؤسسات، تبرز الحاجة إلى إصلاح متدرج يستفيد من التجارب المقارنة، خاصة نموذجي فرنسا وألمانيا، دون إغفال الخصوصية الوطنية.
ويبقى الرهان الأساسي هو الانتقال من تعددية عددية إلى تعددية نوعية قائمة على الفعالية والتمثيلية الحقيقية.