الاثنين، 3 نوفمبر 2025

العنف في الممارسة الجنسية: قراءة نفسية واجتماعية

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي ....!!! مقدمة يُعدّ العنف في الممارسة الجنسية ظاهرة مركّبة تتداخل فيها الأبعاد النفسية والاجتماعية والثقافية، وتشير إلى سلوكٍ يتجاوز حدود الرغبة الطبيعية والحميمية بين الشريكين ليصبح فعلًا عدوانيًا يسعى إلى السيطرة والإيذاء أكثر من التعبير عن المودة. ورغم أن السلوك الجنسي في ذاته من أعمق أشكال التواصل الإنساني، فإن دخوله في دائرة العنف يكشف عن اختلال في البنية النفسية والاجتماعية للفرد والمجتمع على حدّ سواء. أولًا: المفهوم وأشكال العنف الجنسي العنف في الممارسة الجنسية هو كل سلوك يقوم فيه أحد الطرفين بفرض فعلٍ جنسي أو شكلٍ من أشكاله دون رضا الطرف الآخر، أو بممارسة القوة الجسدية أو التهديد أو الإكراه النفسي لتحقيق المتعة الذاتية. وتتخذ هذه الظاهرة صورًا متعددة، منها: الإكراه الجنسي داخل أو خارج الزواج، حيث يُجبر أحد الشريكين على الممارسة دون رغبة. الإذلال الجنسي عبر كلمات أو ممارسات تُهين الطرف الآخر. استخدام العنف الجسدي كوسيلة للهيمنة أثناء العلاقة. الاعتداء اللفظي أو العاطفي الذي يترك آثارًا نفسية طويلة المدى. هذه الأشكال جميعها تنبع من خلل في فهم العلاقة الزوجية بوصفها شراكة إنسانية متبادلة، وليست مجالًا للسيطرة أو الاستحواذ. ثانيًا: القراءة النفسية للظاهرة من منظور علم النفس، يرتبط العنف في العلاقة الجنسية بعدة اضطرابات أو صدمات سابقة. فالرجل الذي يجد متعة في إيلام شريكته أو إذلالها قد يعاني من ميول سادية، حيث تتحول المتعة إلى فعل تسلّطي، يستمد منها شعورًا بالقدرة والسيطرة. وفي حالات أخرى، قد يكون العنف ردّ فعل على حرمان عاطفي أو تجربة طفولة قاسية، إذ يسعى الفرد إلى تعويض نقصه العاطفي من خلال فرض السيطرة الجسدية. كما تشير دراسات علم النفس الإكلينيكي إلى أن بعض الأفراد يخلطون بين القوة الذكورية والعنف، فيربطون الفحولة بالهيمنة، وهو تصور مشوّه ومتوارث ثقافيًا، يحتاج إلى تصحيح تربوي ونفسي عميق. إلى جانب ذلك، فإن النساء المعنَّفات جنسيًا يعانين من اضطرابات نفسية خطيرة مثل الاكتئاب، واضطراب ما بعد الصدمة، وفقدان الثقة بالذات، وتراجع الرغبة في العلاقة الزوجية، مما يجعل العنف الجنسي سببًا مباشرًا في تفكك الأسرة وغياب الاستقرار النفسي للطرفين. ثالثًا: القراءة الاجتماعية والثقافية يُسهم البعد الاجتماعي في فهم أسباب تفشي العنف الجنسي، خاصة في المجتمعات التي تُكرّس النظرة الذكورية للعلاقة بين الرجل والمرأة، وتعتبر الزوجة ملكًا لزوجها وليست شريكة له. كما أن ضعف الثقافة الجنسية والتربية العاطفية يؤديان إلى خلط المفاهيم بين اللذة والعنف، وبين الرجولة والهيمنة. إضافة إلى ذلك، تلعب وسائل الإعلام والمحتوى الإباحي دورًا سلبيًا في تشكيل تصورات منحرفة عن الممارسة الجنسية، إذ تُقدّم نماذج تقوم على العنف والإذلال وكأنها جزء طبيعي من العلاقة، مما يؤثر على وعي الشباب ويشوّه فهمهم للحب والعلاقة الحميمية. ومن الزاوية الاجتماعية، فإن غياب قنوات الحوار داخل الأسرة، وضعف التوجيه الديني والتربوي، يسهمان في استمرار الصمت حول هذه الظاهرة، فيتحول العنف الجنسي إلى سلوك خفيّ يصعب كشفه أو معالجته، رغم آثاره العميقة في الصحة النفسية والعلاقات الأسرية. رابعًا: الآثار النفسية والاجتماعية تؤدي ممارسة العنف أثناء العلاقة الجنسية إلى نتائج مدمّرة على الصعيدين النفسي والاجتماعي، من أبرزها: تدهور الثقة بين الزوجين وانقطاع التواصل العاطفي. إصابة الضحية باضطرابات نفسية مثل القلق والخوف من العلاقة الحميمة. تفكك الأسرة وزيادة نسب الطلاق نتيجة لغياب الاحترام المتبادل. انتشار سلوكيات عدوانية في المجتمع نتيجة تراكم العنف في البنية الأسرية . كما أن المجتمعات التي تتسامح مع العنف الجنسي تفقد تدريجيًا قيم المودة والرحمة، وتصبح أكثر قابلية لتبرير أشكال أخرى من العنف الاجتماعي والسياسي. خاتمة وتوصيات : إن العنف في الممارسة الجنسية ليس مجرد انحراف سلوكي فردي، بل هو نتاج خلل ثقافي وتربوي ونفسي متشابك. ولذلك، فإن معالجته تتطلب: 1. نشر ثقافة الوعي الجنسي والعاطفي في إطار الاحترام المتبادل. 2. تفعيل دور الإرشاد الأسري والنفسي في مراكز الصحة والمجتمع. 3. مراجعة المناهج التربوية والإعلامية لتصحيح صورة العلاقة بين الجنسين. 4. تجريم العنف الزوجي قانونيًا وتوفير آليات لحماية الضحايا ودعمهم نفسيًا. في النهاية، إن العلاقة الجنسية السليمة تقوم على المحبة والرضا والاحترام، لا على الإكراه أو التسلّط. فحين يفقد الإنسان إنسانيته في أخصّ لحظات القرب، يتحول الحب إلى صراع، والجسد إلى ساحة عنف، وتغيب بذلك المعاني الحقيقية للعلاقة الإنسانية النبيلة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق