الأحد، 2 نوفمبر 2025
النرجسية: دراسة في المفهوم والأبعاد النفسية والاجتماعية الجزء 1ة
بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي ......!!!
تُعدّ النرجسية من أبرز المفاهيم النفسية التي تناولها علم النفس الحديث بالتحليل والدراسة، لما لها من تأثير عميق في تشكيل الشخصية الإنسانية وفي بناء العلاقات الاجتماعية. فقد أصبحت هذه الظاهرة محورًا لاهتمام الباحثين، نظراً لارتباطها الوثيق بمظاهر السلوك الفردي والاضطرابات النفسية والاجتماعية التي يشهدها الإنسان المعاصر. ويهدف هذا البحث إلى توضيح مفهوم النرجسية، وأبرز مظاهرها وأسبابها، مع تحليل آثارها وسبل التعامل معها من منظور علمي.
أولاً: مفهوم النرجسية
تعود جذور مصطلح النرجسية إلى الأسطورة الإغريقية القديمة عن الشاب نرجس (Narcissus)، الذي افتُتن بجمال صورته المنعكسة على سطح الماء حتى هلك من فرط إعجابه بنفسه. ومن هذه الأسطورة اشتُقّ المفهوم النفسي الذي يشير إلى حب الذات المفرط والتمركز حول الأنا.
وفي التصور العلمي الحديث، تُعرَّف النرجسية بأنها نزعة نفسية تتجلى في تضخم الإحساس بالذات، والحاجة المستمرة إلى الإعجاب، مع ضعف في القدرة على التعاطف مع الآخرين. وقد صنّفها الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5) ضمن ما يُعرف بـ اضطرابات الشخصية تحت مسمى اضطراب الشخصية النرجسية (Narcissistic Personality Disorder)..
ثانياً: الخصائص الأساسية للشخصية النرجسية
يُظهر الأفراد الذين يعانون من سمات نرجسية مجموعة من الخصائص والسلوكيات المميزة، من أهمها:
1. الشعور المبالغ فيه بالأهمية والتميز.
2. الحاجة المستمرة للمدح والتقدير.
3. الميل إلى استغلال الآخرين لتحقيق المصالح الشخصية.
4. ضعف القدرة على الإحساس بمشاعر الغير أو التعاطف معهم.
5. الحساسية المفرطة تجاه النقد أو الفشل.
6. السعي إلى السيطرة والتفوق على الآخرين بشتى الوسائل.
---
ثالثاً: الأسباب النفسية والاجتماعية للنرجسية
تتعدد العوامل المفسِّرة لظهور النرجسية بين ما هو نفسي وتربوي واجتماعي، ويمكن تلخيصها في ما يلي:
العوامل التربوية: الإفراط في التدليل أو الإعجاب المبالغ به في الطفولة، أو على العكس من ذلك، التعرض للإهمال العاطفي والحرمان الأسري.
العوامل النفسية: محاولة تعويض مشاعر النقص أو الدونية عبر خلق صورة مثالية عن الذات.
العوامل الاجتماعية: انتشار ثقافة الفردانية والمظاهر المادية في المجتمعات الحديثة، مما يعزز النزعة نحو التفاخر والتمحور حول الذات.
---
رابعاً: الآثار النفسية والاجتماعية للنرجسية
تمتد آثار النرجسية لتشمل عدة مستويات، أبرزها:
على الصعيد الشخصي: يعاني النرجسي من اضطرابات في تقدير الذات، مما يؤدي إلى القلق، والاكتئاب، والشعور بالفراغ الداخلي.
على الصعيد الاجتماعي: يواجه صعوبات في بناء علاقات صحية ومستقرة، نظراً لهيمنة سلوك الاستغلال والأنانية.
على الصعيد المهني: قد يحقق نجاحات ظاهرية سريعة، لكنها غالبًا غير مستدامة بسبب ضعف التعاون والتواصل مع الآخرين.
---
خامساً: سبل العلاج والتعامل مع النرجسية
إن علاج النرجسية يتطلب مقاربة متكاملة تجمع بين الوعي الذاتي والعلاج النفسي. ومن أبرز أساليب العلاج:
العلاج السلوكي المعرفي (CBT): لتصحيح الأفكار المشوهة عن الذات والآخرين.
العلاج التحليلي: للكشف عن جذور النرجسية في الطفولة وتجاربها المبكرة.
التربية المتوازنة: بتشجيع قيم التواضع، والمسؤولية، والاحترام المتبادل داخل الأسرة والمدرسة.
تعزيز الوعي الاجتماعي: لمحاربة ثقافة المظاهر والفردانية المفرطة.
خاتمة
إن النرجسية ظاهرة معقدة تتقاطع فيها الأبعاد النفسية والاجتماعية والثقافية، وتعكس التحديات التي يعيشها الإنسان في زمن الحداثة والاستهلاك. فحب الذات في حدّه الطبيعي مطلوب لبناء الثقة والنجاح، لكنه عندما يتحول إلى تمركز حول الأنا وإقصاء للآخر، يصبح عائقًا أمام النمو النفسي والاجتماعي. ومن ثَمّ، يبقى الوعي بالتوازن بين حب الذات واحترام الآخر هو السبيل الأمثل لبناء شخصية سوية ومجتمع متماسك.
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق