الاثنين، 24 نوفمبر 2025

الأمانة و ما أدراك من الأمانة


بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .

قال تعالى ﴿إِنّا عَرَضنَا الأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالأَرضِ وَالجِبالِ فَأَبَينَ أَن يَحمِلنَها وَأَشفَقنَ مِنها وَحَمَلَهَا الإِنسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلومًا جَهولًا﴾ [الأحزاب: 72]

الأمانة هي عبوديةُ الله، أي أن يُخلِص المكلَّف في عبوديته لله؛ ذلك المكلَّف الذي مُنِح حريةَ الاختيار والإرادة ليقوم بالتغيير، بعد أن خُيِّر في ذلك في عالم الذر وهو في هيئته الروحية.

. فمَن اختار التغييرَ المطلق غيرَ المقيَّد صار مكلَّفًا، ومَن لم يختر بقي غيرَ مكلَّف، مقيَّدًا في مقدار تغيّره بحجمٍ معيّن؛ مفطورًا على عبادة الله ولكن في كينونةٍ جديدة محدودة، مزيجٍ بين كينونته الروحية وكينونةٍ جديدة صالحةٍ لحياةٍ أخرى في الآخرة

لذلك يشترك الجميعُ—المكلَّف وغير المكلَّف—في تشكيل كيانهم الجديد ما يسمى بالنمو ، ورفعِه إلى مستواه اللائق، من خلال حياةِ مخاضٍ تُسمّى الحياةَ الدنيا؛ ومنها يتشكّل الجميعُ ليأخذوا الهيئةَ الجديدة التي ستسكن حياةَ الآخرة. ولهذا يتألم الحيوان، ويكافح من أجل البقاء، وهذا الكفاح هو الضغط الذي تتبلور من خلاله هيئتُه الجديدة. كما يستمتع بالطبيعة، ويتعرّف—كما يتعرّف الإنسان—على محيطه، حتى يصل إلى كينونته الجديدة التي سيُبعث عليها ككائنٍ جديد.

الفرق أنَّ الاختيار الذي قام به المكلَّف يفتح له سقفًا غير محدود لمكانته الجديدة، سقفًا مرتبطًا بحرية اختياره وإرادته الحرّة، شرطها أن يقوّي إرادتَه ليُعتِق نفسَه من كلّ العبوديات التي وُجد فيها ابتلاءً وامتحانًا، ومن كلّ الضغوط التي فُطِر عليها (الضغوط الخمس)، ليتغلّب على ذلك كلّه فيكون عبدًا لله بحقّ. وبعد ذلك يصبح قادرًا على حمل أعباء الاستخلاف في الأرض، أي أن يكون مسؤولًا كما أراد الله، وهو أمرٌ ليس بالهيّن.

ولذلك كان الإنسانُ ظلومًا جهولًا عندما اختار أن يحمل الأمانة.

العبادات هي المِصهر الذي تُصقل فيه الإرادة، فكل طاعة تُنفّذ أو معصية تُجتنب تزيد صلابة الإرادة وتقرّب النفس من عبودية الله وحده، والعكس صحيح. فالإرادة هي المفتاح الذي تُضبط به النفس، فتزداد أو تضعف تحت سطوة الضغوط الخمس التي بُرمجت النفس وسُوّيت بها من أجل أن تتغيّر إرادتك: العجلة، والخوف، والكسل، والطمع، والكبر. وهذا بالضبط ما تفعله العبادات، فهي تمرينٌ يوميٌّ للتغلّب على العجلة والكسل والخوف والطمع والكبر.

وكل ضعفٍ أمام هذه الضغوط يُضعف الإرادة، فتهزم النفس أمام الأصوات الداخلية التي تعبّر عن المعتقدات السلبية التي كانت قد خضعت سابقًا لقوة الإرادة حين كانت هي الغالبة، فيعود العبد إلى عبوديةٍ لغير الله فيتوقف نموّه. عندها يطلق جهاز الإنذار في داخله صوته على شكل قلقٍ وحزنٍ واضطراب، تنبيهاً له بأن مساره قد اختلّ.

أمّا حين تُضبط الإرادة بالوعي والإيمان، وتُدرّب بالعبادات تدريبًا مستمرًا، تنقلب تلك الضغوط إلى وقودٍ للنموّ، فيسمو العبد فوق أهوائه ومخاوفه. فعبودية الله ليست خضوعًا يُضعف الإرادة، بل تدريبٌ إلهيٌّ يُقوّيها لتبلغ ذروتها العُظمى، فتصبح أكثر قدرةً على التحرّر من كل أشكال العبودية. وكل من وجّه إرادته وعبوديته إلى الله وحده تحرّر من الخوف من الخلق، ومن الظروف، ومن المستقبل، ونال الطمأنينة التي لا تُشترى.

فالطمأنينة هي الدليل القاطع، وهي المؤشر الذي يُظهر إن كان العبد صاحبَ إرادةٍ عاليةٍ جعلته حرًّا بعبوديته لله، أو ذا إرادةٍ مهزومةٍ قادته إلى عبوديةٍ لغيره، فهاجمته نفسه التي بُرمجت لتصنع له اضطرابًا كلما ضعفت إرادته وانحرفت عبوديته عن وجهتها نحو الله.

ومن أمثلة ذلك الاضطراب الخذلان الذي يشعر به الإنسان حين يصنع المعروف لأجل الناس لا لأجل الله، فيتحول الخير إلى ألمٍ إذا لم يُقابَل بتقدير، كجحود الأهل أو الأبناء أو الأصدقاء أو الزوج أو الزوجة. وكذلك حين يسعى الإنسان إلى النجاح ليُرضي الناس أو يُثبت ذاته أمامهم، لا لابتغاء وجه الله ورفع إرادته لتعينه على عبوديته، فيجد نفسه في قلقٍ دائمٍ رغم إنجازاته، لأن الإرادة خرجت عن مسارها الأصلي.

ومن صور الهجوم النفسي أيضًا الإحباط والسخط حين لا تتحقق التوقعات، أو حين يُبتلى الإنسان في خُلق الثقة بالله من خلال الابتلاءات، ذلك الخلق الذي يُعبّر عنه بالرضا والصبر على البلاء، وهما مظهران من مظاهر الإيمان بحكمة الله وتقديره. وكذلك الغضب الدفين حين يُفضَّل غيره عليه في النعم، أو الغيرة التي تنهش قلبه لأنه فقد بوصلته الداخلية حين ابتُلي بحسن الظن بالله وتوقيره، وهو ذات الابتلاء الذي سقط فيه إبليس عندما خلق الله آدم.

وهذا الضبط لنظام النفس بهذا الشكل إنما هو من أجل أن تعود فتعيد توجيه إرادتك وتبحث عن الطريق الذي يعيدك إلى عبودية الله وحده؛ فهو نظامٌ دقيقٌ موزونٌ يردّك إلى مركزك كلما انحرفت، ويذكّرك بأن الاضطراب ليس عقوبةً بل بوصلة. فإذا أحسنت قراءة هذه الإشارات وضبطت نفسك ونيّتك، أصبحت إرادتك أقوى وأصفى، تعمل في انسجامٍ مع الفطرة والغاية الإلهية، فتصل إلى عبودية الله التي تُثمر الطمأنينة، وهي أرقى درجات السلام الداخلي، وأصدق علامةٍ على إرادةٍ عظيمةٍ أفضت إلى توحيد العبودية لله وحده، فأصبحت تلك النفس حرّةً طليقةً من كل قيود النفس واضطراباتها

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق