الجمعة، 30 أكتوبر 2026

قصبة مراكش: ذاكرة التاريخ ومجد العمارة الإسلامية بين جامع المنصور وقبور السعديين

 


بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!
تُعدّ قصبة مراكش او دار الحجر او قصر الحجر كما كان يطلق عليها في عهد الدولة المرابطية  من أبرز الفضاءات التاريخية التي تختزن ذاكرة المدينة الحمراء، بما تحمله من شواهد معمارية وحضارية تعكس تعاقب الدول والسلالات التي حكمت المغرب، وما تركته من آثار في مجالات العمران والدين والسياسة والفن. فالقصبة ليست مجرد حيّ عتيق داخل أسوار مراكش، بل هي مجال تاريخي ارتبط بالحكم والعبادة والدفن الملكي، وتجاورت فيه معالم كبرى، في مقدمتها جامع القصبة، المعروف بجامع المنصور أو مسجد مولاي اليزيد اليوم، وقبور السعديين التي تشكل إحدى أروع الشواهد على فن العمارة الجنائزية المغربية.

وتكمن أهمية هذا الفضاء في كونه يجمع بين ثلاث دلالات أساسية: سلطة الدولة، ومكانة المؤسسة الدينية، وذاكرة الملوك الذين تعاقبوا على حكم البلاد. ومن هنا، فإن قراءة تاريخ القصبة تقتضي الوقوف عند نشأتها، والتعريف بمسجدها الأعظم، ثم استحضار القيمة التاريخية والفنية لقبور السعديين، باعتبارها حلقات مترابطة في تاريخ مراكش والمغرب.
أولاً: نشأة القصبة ودورها في تاريخ مراكش
تأسست مدينة مراكش في العصر المرابطي، خلال الفترة الممتدة بين سنتي 1070 و1072م تقريباً، على يد المرابطين، لتتحول تدريجياً إلى مركز سياسي واقتصادي وثقافي بارز في الغرب الإسلامي. ومع تعاقب الدول، شهدت المدينة توسعاً عمرانياً مهماً، وبرزت القصبة باعتبارها فضاءً ملكياً وإدارياً ذا مكانة استراتيجية داخل المدينة المسوّرة.
وقد ارتبطت القصبة في صورتها الموحدية بالخليفة أبي يوسف يعقوب المنصور، الذي عمل على تطويرها وجعلها مقراً للحكم ومركزاً للحياة السلطانية. وفي أواخر القرن الثاني عشر الميلادي، اكتسب هذا المجال طابعاً عمرانياً مميزاً، تجسّد في القصور والمنشآت الدينية والأسوار والأبواب، بما يعكس قوة الدولة الموحدية واهتمامها بتنظيم المجال الحضري.
ولم يكن اختيار القصبة مجرد قرار عمراني، بل كان تعبيراً عن تصور سياسي وحضاري يجعل من مقر الحكم فضاءً متكاملاً، تتجاور فيه السلطة والعبادة والإدارة، وتُبرز معالمه هيبة الدولة ومكانتها. وقد ظل هذا الموقع يحتفظ بأهميته في العهود اللاحقة، خاصة في العصر السعدي، حين شهدت مراكش نهضة عمرانية وفنية جديدة.
وتؤكد هذه المراحل المتعاقبة أن تاريخ القصبة لا يمكن اختزاله في عهد واحد، وإنما هو حصيلة تراكمات تاريخية ساهمت فيها دول متعددة، لكل منها بصمتها الخاصة في تشكيل هوية المكان.  
ثانياً: جامع القصبة أو مسجد المنصور.. صرح ديني من العصر الموحدي
يحتل جامع القصبة مكانة بارزة ضمن المعالم الدينية التاريخية بمراكش، إذ يُنسب بناؤه إلى الخليفة الموحدي أبي يوسف يعقوب المنصور، ولذلك عُرف بجامع المنصور، كما يُعرف اليوم بمسجد مولاي اليزيد.
وقد شُيّد المسجد ليكون الجامع الرئيسي للقصبة الملكية، ومكاناً لأداء الصلاة وإقامة الشعائر الدينية، في ارتباط وثيق بمقر الخليفة ومرافق الحكم. وكان الوصول إلى هذا الفضاء يتم عبر ساحة واسعة تُعرف بالمشور، مع ارتباط المدخل الرئيسي للقصبة بباب أكناو، أحد أشهر الأبواب التاريخية للمدينة.
وتكشف هذه العلاقة بين المسجد والقصر عن طبيعة التنظيم الحضري في الدولة الموحدية؛ إذ لم تكن المساجد الكبرى مجرد أماكن للعبادة، بل كانت جزءاً أساسياً من بنية المدينة السياسية والاجتماعية، حيث تلتقي الشعائر الدينية بالحياة العامة، ويحتل الجامع موقعاً مركزياً في المجال الملكي.
ومن الناحية المعمارية، يمثل المسجد شاهداً على تطور فن بناء المساجد بالمغرب في العصر الموحدي، من حيث تنظيم الفضاء الداخلي، وتوظيف العناصر الزخرفية، والاهتمام بالمحراب والأروقة ومرافق الصلاة. وقد ساهم استمرار المسجد في أداء وظيفته الدينية عبر القرون في ترسيخ مكانته ضمن الذاكرة الروحية والعمرانية لمراكش.
إن جامع القصبة ليس مجرد أثر من الماضي، بل هو معلم حيّ يربط الحاضر بتاريخ المدينة، ويذكّر بأهمية العمارة الدينية في تشكيل الهوية الحضارية المغربية. 
ثالثاً: قبور السعديين.. ذاكرة الأسرة الحاكمة وروعة الفن الجنائزي
على مقربة من جامع القصبة، تقع قبور السعديين، وهي من أشهر المعالم التاريخية بمراكش، وتُعرف أيضاً باسم روضة السعديين أو قبور الأشراف السعديين. وتمثل هذه المقبرة الملكية شاهداً على مرحلة مهمة من تاريخ المغرب، ارتبطت بالدولة السعدية التي جعلت من مراكش إحدى أهم عواصمها السياسية والحضارية.
وتعود النواة الأولى لهذه الروضة إلى سنة 1557م، حين أمر السلطان السعدي عبد الله الغالب بإنشاء ضريح لدفن والده محمد الشيخ، مؤسس الدولة السعدية. ثم اتسع المجمع الجنائزي في عهد السلطان أحمد المنصور الذهبي، الذي اهتم بتطويره وتزيينه، وجعله فضاءً يعكس مكانة الأسرة السعدية وما بلغته من قوة وثراء وازدهار فني.
وتضم الروضة عدداً من قبور أفراد الأسرة الحاكمة، من بينهم محمد الشيخ، وعبد الله الغالب، وأحمد المنصور الذهبي، إلى جانب لالة مسعودة، والدة أحمد المنصور، فضلاً عن أفراد آخرين من الأسرة السعدية. كما تضم بعض المدافن المرتبطة بعصور لاحقة، ومنها قبر السلطان العلوي مولاي اليزيد.
ومن أبرز مكونات هذا المجمع قاعة الاثني عشر عموداً، التي تتميز بأعمدتها الرخامية وسقفها المزخرف بعناية، إلى جانب قاعة المحراب وقاعة الكوات الثلاث وقبة لالة مسعودة. وتتجلى في هذه الفضاءات براعة الصانع المغربي في النقش على الجبس، وتنسيق الزليج، وتوظيف الرخام، والكتابة الزخرفية، وتشكيل الأسقف وفق تقاليد فنية راقية.
ولا تقتصر أهمية قبور السعديين على جمالها المعماري، بل تتجاوز ذلك إلى قيمتها التاريخية؛ فهي توثق مرحلة من تاريخ الدولة المغربية، وتتيح للباحثين دراسة علاقة السلطة بالموت والذاكرة، وكيف عبّرت الأسر الحاكمة عن مكانتها من خلال بناء الأضرحة الملكية وتزيينها.
وقد اكتُشف هذا المجمع الجنائزي من جديد سنة 1917م على يد مصلحة الفنون الجميلة والمعالم التاريخية، بعد أن ظل محجوباً عن الأنظار مدة طويلة. ومنذ ذلك الحين، أصبح من أبرز المواقع التراثية التي تستقطب الباحثين والزوار المهتمين بتاريخ مراكش وفنونها الإسلامية.  
رابعاً: العلاقة التاريخية بين المسجد الأعظم وقبور السعديين
إن ما يمنح قصبة مراكش خصوصيتها التاريخية هو التقارب المكاني بين جامع القصبة وقبور السعديين، وهو تقارب يكشف عن استمرارية الوظائف الدينية والملكية داخل هذا المجال الحضري.
فالمسجد يمثل فضاء العبادة والشعائر الدينية، بينما تمثل الروضة السعدية فضاء الذاكرة الجنائزية للأسرة الحاكمة. وقد ارتبطت المقبرة تاريخياً بالمسجد، وكانت هناك صلة معمارية بينهما، قبل أن يُفتح للضريح مدخل مستقل في فترة الحماية الفرنسية، عقب إعادة اكتشافه سنة 1917م. 
ويعكس هذا التجاور جانباً من التصور الحضاري الذي ساد في تاريخ المغرب، حيث كانت المساجد والأضرحة الملكية جزءاً من النسيج العمراني للمدينة، تؤدي وظائف دينية واجتماعية ورمزية متكاملة. كما يبرز انتقال مركز الثقل السياسي من الدولة الموحدية إلى الدولة السعدية، مع احتفاظ المكان بمكانته وأهميته عبر العصور.
ومن منظور سوسيولوجي وتاريخي، يمكن النظر إلى هذه المعالم بوصفها ذاكرة جماعية تحفظ آثار السلطة والمجتمع، وتكشف عن علاقة الإنسان بالمكان، وعن الطريقة التي تحافظ بها المجتمعات على ماضيها من خلال المباني والطقوس والرموز.
خامساً: القصبة باعتبارها تراثاً حضارياً مغربياً
لا تقتصر أهمية القصبة على كونها مجالاً يضم معالم تاريخية متجاورة، بل تكمن أيضاً في قدرتها على تقديم صورة متكاملة عن تطور الحضارة المغربية عبر قرون طويلة.
فالأسوار والأبواب التاريخية، وجامع القصبة، وقبور السعديين، وما يحيط بها من فضاءات عمرانية، تشكل عناصر متكاملة لفهم تاريخ مراكش، وتحولات السلطة، وتطور الفنون المعمارية، واستمرار الوظائف الدينية في المدينة.
وقد أُدرجت المدينة العتيقة لمراكش ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو سنة 1985، اعترافاً بقيمتها التاريخية والحضارية وما تزخر به من معالم معمارية وثقافية متميزة. 
ومن هنا، فإن الحفاظ على قصبة مراكش لا ينبغي أن يقتصر على ترميم المباني وصيانة الزخارف، بل يتطلب كذلك توثيق تاريخها، وتشجيع البحث العلمي بشأنها، وتعريف الأجيال الجديدة بقيمتها، حتى لا تتحول هذه المعالم إلى مجرد واجهات سياحية منفصلة عن سياقها التاريخي والاجتماعي.
خاتمة
إن قصبة مراكش، بما تحتضنه من جامع القصبة أو جامع المنصور، وقبور السعديين، وسائر المعالم التاريخية المحيطة بها، تمثل صفحة مشرقة من صفحات التاريخ المغربي، تتداخل فيها السياسة بالدين، والعمران بالفن، والذاكرة بالمكان.
فمن العهد الموحدي الذي ارتبط بتشييد المسجد وتطوير القصبة الملكية، إلى العصر السعدي الذي شهد إنشاء الروضة الملكية وتزيينها، ظل هذا المجال شاهداً على تعاقب الدول وتحولاتها، وعلى قدرة الحضارة المغربية على إنتاج معالم تجمع بين الوظيفة والجمال والرمزية التاريخية.
إن زيارة هذه المعالم أو الكتابة عنها ليست مجرد استحضار للماضي، بل هي أيضاً دعوة إلى فهم الحاضر وصيانة الذاكرة الوطنية، باعتبار التراث جسراً يصل الأجيال بتاريخها، ويمنح المدن هويتها وعمقها الحضاري.
فقصبة مراكش ليست حجارة صامتة، بل ذاكرة وطنية تنطق بتاريخ دولة، وإبداع أمة، واستمرارية حضارة مغربية ضاربة في عمق التاريخ.

الأحد، 25 أكتوبر 2026

رئيس أم رئيسة الحكومة؟ حين تتحوّل اللغة العربية إلى ساحة للجدل السياسي وتغيب الحُجّة النحوية عن قاعة البرلمان

 

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

قراءة لغوية أكاديمية في تأنيث الألقاب والمناصب بين القاعدة النحوية والاستعمال المعاصر
ليس كل اختلاف في التعبير اللغوي خطأً، وليس كل خروج عن المألوف النحوي دليلًا على الجهل باللغة. فالعربية، بما تمتلكه من ثراء صرفي ومرونة تركيبية وتاريخ طويل من التطور، تتيح في بعض السياقات أكثر من صيغة للتعبير عن المعنى الواحد. غير أن الإشكال يبدأ حين تتحول مسألة لغوية قابلة للنقاش العلمي إلى وسيلة لإصدار أحكام قاطعة، أو حين يُقدَّم أحد أوجه الاستعمال باعتباره خطأً فادحًا دون الاستناد إلى حجة لغوية دقيقة.
ومن هذا المنطلق، يبرز الجدل الذي أُثير حول استعمال عبارة «رئيس الحكومة» في الإشارة إلى امرأة تشغل موقعًا سياسيًا، وما إذا كان الأصح أن يقال «رئيس الحكومة» أم «رئيسة الحكومة». وهو نقاش يستحق أن يُتناول بعيدًا عن الانفعال السياسي، وبالعودة إلى أصول العربية وقواعدها الصرفية والنحوية وتطور استعمالها في المؤسسات الحديثة.
أولًا: هل التذكير في أسماء المناصب قاعدة مطلقة؟
تُظهر العربية في بعض الأوصاف التي تختص بالإناث ميلًا إلى استعمال الصيغة غير المؤنثة، كما في قولنا: امرأة حامل، وامرأة حائض، وامرأة طالق. وقد تناول النحاة هذه الأوصاف ضمن أبواب التذكير والتأنيث، مع مراعاة طبيعة الصفة ودلالتها والاستعمال العربي الموروث.
لكن تعميم هذه الظاهرة على أسماء المناصب والوظائف تعميم يحتاج إلى تدقيق؛ إذ لا يصح اعتبار كل اسم يدل على وظيفة أو منصب مستثنى من التأنيث لمجرد أن المنصب، من حيث المفهوم الإداري، شيء مجرد.
فاللغة لا تصف المفاهيم المجردة وحدها، بل تصف الأشخاص الذين يشغلون المناصب أيضًا. وعندما نقول: «فلانة رئيسة الحكومة»، فإننا لا نؤنث المنصب في ذاته، وإنما نؤنث اسم الفاعل أو اللقب الوظيفي باعتبار شاغلته امرأة.
ومن هنا، فإن القول إن المنصب مذكر بالضرورة، ولذلك يجب أن يبقى اللقب مذكرًا، ليس قاعدة نحوية عامة ملزمة، بل هو توجّه اصطلاحي قد تتبناه بعض المؤسسات في سياقات معينة.
ثانيًا: بين «رئيس» و«رئيسة»؛ ماذا تقول القواعد الصرفية؟
تُعد كلمة «رئيس» من الأسماء التي يصح تأنيثها بإلحاق تاء التأنيث، فنقول: رئيس ورئيسة، ومدير ومديرة، ووزير ووزيرة، ومفتش ومفتشة، وقاضٍ وقاضية.
وتأنيث هذه الأسماء ليس خروجًا عن العربية الفصحى، بل يجري وفق أنماط صرفية معروفة ومستعملة في العربية قديمًا وحديثًا.
والأهم أن التأنيث هنا لا يعني الانتقاص من المنصب أو تقليل هيبته؛ فالتاء المربوطة علامة صرفية تؤدي وظيفة لغوية، وليست حكمًا على مكانة صاحب المنصب أو شاغلته.
وعليه، فإن عبارة «رئيسة الحكومة» سليمة من الناحية اللغوية، كما أن استعمال «رئيس الحكومة» في بعض السياقات المؤسسية يمكن أن يُفهم بوصفه اصطلاحًا وظيفيًا لا يراعي جنس شاغل المنصب في صياغة اللقب.
غير أن سلامة الصيغة المذكرة في بعض الاستعمالات لا تعني أن تأنيثها خطأ، كما أن شيوع صيغة معينة في الإدارة لا يجعلها وحدها الصيغة الصحيحة التي لا يجوز سواها.
ثالثًا: هل التأنيث اللغوي انتقاص من الهيبة البروتوكولية؟
من الحجج التي تُستحضر في هذا النقاش أن بعض البيئات الإدارية كانت تميل إلى إبقاء ألقاب مثل «الدكتور» و«الوزير» و«الرئيس» في صيغة المذكر، حتى عند الإشارة إلى امرأة، بحجة الحفاظ على الصفة الرسمية أو هيبة المنصب.
وقد تأثرت بعض الاستعمالات الإدارية في البلدان المغاربية بالتقاليد الفرنسية، التي عرفت بدورها نقاشًا طويلًا حول تأنيث أسماء المهن والوظائف والألقاب الرسمية.
لكن ينبغي التمييز هنا بين ثلاثة مستويات:
المستوى النحوي: ما تسمح به قواعد العربية في التأنيث والتذكير.
المستوى الاصطلاحي والمؤسساتي: الصيغة التي تعتمدها إدارة أو مؤسسة في وثائقها ومراسلاتها.
المستوى الاجتماعي والثقافي: التصورات المرتبطة بمكانة المرأة واللغة المستعملة في وصفها.
ولا يجوز الخلط بين هذه المستويات، لأن اعتماد مؤسسة لصيغة معينة لا يجعل الصيغ الأخرى خاطئة بالضرورة، كما أن التحفظ الثقافي تجاه التأنيث لا يشكل حجة نحوية.
فالهيبة لا تصنعها التاء المربوطة ولا يلغيها غيابها؛ وإنما تصنعها المسؤولية والكفاءة واحترام القانون وأداء المهام.
رابعًا: هل حسم مجمع اللغة العربية بالقاهرة المسألة سنة 1998؟
من الضروري، في أي معالجة أكاديمية، التعامل بحذر مع نسبة القرارات اللغوية إلى المجامع العربية، ولا سيما حين يتعلق الأمر بتاريخ محدد أو بعبارة من قبيل «حُسم الأمر نهائيًا».
فلا يصح الجزم بأن مجمع اللغة العربية بالقاهرة أصدر سنة 1998 قرارًا يجعل التأنيث أولى وأفصح في جميع أسماء المناصب، ما لم يُستند إلى نص القرار الأصلي أو إلى مرجع موثوق يورد رقمه ومضمونه.
ومع ذلك، فإن المبدأ اللغوي العام واضح: تأنيث أسماء المهن والوظائف التي تقبل التأنيث أمر سائغ في العربية المعاصرة، ولا يحتاج إثبات صحته إلى الاستناد إلى قرار غير موثق.
أما المفاضلة بين الصيغتين من حيث الأفصحية، فتحتاج إلى مراعاة نوع الاسم، والسياق، والاستعمال العربي، والمعيار الذي تعتمده المؤسسة المعنية. ولا ينبغي تحويل حكم جزئي أو اجتهاد لغوي إلى قاعدة عامة دون دليل.
خامسًا: ما الصيغة الأرجح في العربية المعاصرة؟
إذا كان المقصود هو الإشارة إلى امرأة تتولى رئاسة الحكومة، فإن عبارة «رئيسة الحكومة» تتمتع بوضوح دلالي، وتنسجم مع القياس الصرفي العربي ومع الاتجاه المعاصر إلى تأنيث الألقاب الوظيفية بحسب جنس شاغل المنصب.
كما أن قولنا «السيدة الوزيرة» و«السيدة المديرة» و«السيدة القاضية» تعبيرات سليمة ومفهومة، ولا ينتقص استعمالها من مكانة الوظيفة أو من قيمة المسؤولية التي تتضمنها.
أما استعمال «السيدة الوزير» أو «رئيس الحكومة» للإشارة إلى امرأة، فيمكن أن يرد في سياقات تتبنى فيها المؤسسة صيغة موحدة غير مرتبطة بجنس شاغل المنصب. غير أن هذا الاختيار الاصطلاحي لا يمنح الصيغة المذكرة حصانة نحوية، ولا يجعل التأنيث خروجًا عن الفصحى.
والأدق أكاديميًا هو القول إن التأنيث هنا اختيار لغوي صحيح، في حين أن الإبقاء على التذكير قد يكون اختيارًا اصطلاحيًا أو مؤسساتيًا، تبعًا للسياق المعتمد.
سادسًا: ماذا كان ينبغي أن يكون عليه الرد داخل البرلمان؟
حين يُثار نقاش من هذا النوع داخل مؤسسة تشريعية، فإن المطلوب ليس الانتصار للغة عبر إطلاق الأحكام، بل تقديم جواب يستند إلى المعرفة اللغوية الدقيقة، ويفصل بين الخطأ النحوي والاختلاف الاصطلاحي.
فإذا اعتُبر استعمال «رئيس الحكومة» في الإشارة إلى امرأة خطأً فادحًا، فإن الرد العلمي المناسب كان يمكن أن يوضح أن العربية تجيز تأنيث كثير من أسماء الوظائف والمناصب، وأن «رئيسة الحكومة» صيغة صحيحة لا غبار عليها، وأن اعتماد صيغة المذكر في بعض المؤسسات لا يكفي للحكم بخطأ الصيغة المؤنثة.
وفي المقابل، فإن الرد العلمي الرصين لا يقتضي اتهام الطرف الآخر بالجهل باللغة، بل يقتضي بيان موضع الخلاف، والاستدلال بالقواعد والشواهد، ثم التمييز بين ما هو جائز نحويًا وما هو معتمد إداريًا.
وهنا تحديدًا تظهر أهمية الحضور اللغوي وسرعة البديهة في النقاش السياسي؛ فالنائب الذي يمتلك أدوات المعرفة لا يحتاج إلى المبالغة في الاتهام، لأن قوة حجته تكفي لإبراز موقفه.
 هل الأقوى هيبة المنصب أم دقة اللغة؟
السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس: هل نؤنث المنصب أم نحافظ على هيبته؟ بل: هل نستعمل اللغة وفق قواعدها، أم نحمّل العلامات الصرفية دلالات ثقافية لا تقتضيها القاعدة النحوية؟
إن منصب رئاسة الحكومة لا يفقد شيئًا من هيبته حين نقول «رئيسة الحكومة»، كما أن سلامة اللغة لا تتحقق بمجرد الإصرار على صيغة المذكر. فاللغة العربية أوسع من أن تُختزل في أعراف إدارية، وأدق من أن تُحسم قضاياها بالشعارات أو بالمواقف الانفعالية.
وإذا كان البرلمان مؤسسة للتشريع والرقابة والحوار، فمن الأولى أن يكون فضاءً للمعرفة اللغوية الرصينة، لا ساحةً لتبادل الاتهامات بشأن مسائل تسمح قواعد العربية فيها بالتفصيل والتمييز.
فالمنصب يستمد هيبته من قيمة المسؤولية، واللغة تستمد قوتها من دقة الاستعمال، أما الحجة الأقوى فهي التي تقوم على العلم لا على الادعاء.
وبين «رئيس» و«رئيسة»، لا تنتصر العربية بإقصاء إحدى الصيغتين دون دليل، وإنما تنتصر حين نحسن فهم قواعدها، ونحترم تطورها، ونحتكم إلى العلم كلما اختلفنا في استعمالها.

الأربعاء، 21 أكتوبر 2026

طنّاز، كيطنز، الطَّنْز.. رحلة كلمة من المعاجم إلى المقاهي المغربية

 

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

الطَّنْز.. حين تتحول السخرية إلى لغة يومية في المجتمع المغربي

تحتفظ الدارجة المغربية بالكثير من الكلمات والتعابير التي تبدو للوهلة الأولى محلية خالصة، بينما يكشف البحث في أصولها اللغوية عن جذور عربية قديمة. ومن بين هذه الكلمات كلمة «الطَّنْز»، وهي من المفردات المتداولة على نطاق واسع في الحياة اليومية للمغاربة، للدلالة على السخرية والاستهزاء أو التعامل مع شخص أو موقف بطريقة ساخرة.

يقول المغربي: «فلان كَيَطْنَز»، أي إنه يسخر أو يستهزئ، كما يقال: «فلان طَنَّاز»، في وصف الشخص الذي يكثر من السخرية والتعليق اللاذع. وقد تستعمل الكلمة أحيانًا في سياق مرح لا يقصد منه الإساءة، بينما قد تتحول في سياقات أخرى إلى وسيلة للتقليل من شأن الآخرين أو إحراجهم.

كلمة ليست دخيلة على العربية

اللافت في كلمة «الطَّنْز» أن جذورها ليست حديثة ولا مرتبطة فقط بالدارجة المغربية، بل وردت في المعاجم العربية القديمة. فقد أورد لسان العرب الفعل «طَنَزَ»، بمعنى السخرية والاستهزاء، ومنه «طَنَّاز» لمن يكثر من الطَّنْز.

كما ترد مشتقات الكلمة في المعاجم العربية الحديثة بالمعنى نفسه تقريبًا، بما يؤكد أن استعمال المغاربة لها ليس خروجًا عن العربية، وإنما هو استمرار، بصيغة مغربية، لكلمة ذات أصل عربي.

وهنا تظهر إحدى خصائص الدارجة المغربية؛ فهي ليست مجرد مجموعة من الكلمات العشوائية، بل تحمل في داخلها طبقات لغوية متعددة، بعضها عربي قديم، وبعضها أمازيغي، وبعضها تأثر بلغات أخرى نتيجة التفاعل التاريخي والحضاري للمغرب.

من السخرية إلى «الطَّنْز» الاجتماعي

لم تعد كلمة «الطَّنْز» مجرد مصطلح لغوي يصف فعل السخرية، بل أصبحت جزءًا من الثقافة اليومية في التواصل بين المغاربة.

فقد يقول شخص لصديقه: «ما تطنزش عليّ»، أي لا تسخر مني أو لا تتعامل مع كلامي باستخفاف.

وقد يقول آخر: «راه غير كيطنز»، بمعنى أن الكلام الذي صدر عنه لا ينبغي أخذه على محمل الجد، لأنه قيل على سبيل المزاح أو السخرية.

وهذا الاستعمال يكشف عن مرونة الكلمة؛ فهي قد تعبر عن المزاح الخفيف بين الأصدقاء، وقد تحمل في سياق آخر معنى الاستهزاء الجارح.

الطَّنْز بين الفكاهة والإساءة

السخرية في المجتمع ليست دائمًا سلبية. فكثير من المغاربة يتميزون بروح فكاهية تجعلهم يستخدمون النكتة والتعليق الساخر للتعبير عن مواقفهم تجاه الحياة والمجتمع.

لكن الفارق كبير بين الفكاهة التي تصنع الابتسامة وبين السخرية التي تجرح كرامة الإنسان.

فحين يكون «الطَّنْز» متبادلًا بين أشخاص يعرفون حدود المزاح، فإنه قد يكون وسيلة للترويح والتقارب. أما حين يستهدف شخصًا بسبب شكله أو فقره أو أصله أو وضعه الاجتماعي، فإنه يفقد طابعه المرح ويتحول إلى نوع من الإهانة الاجتماعية.

ومن هنا يمكن القول إن المشكلة ليست في الكلمة نفسها، وإنما في السياق والنية والحدود التي تقف عندها السخرية.

الطَّنْز في زمن مواقع التواصل الاجتماعي

مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أخذ «الطَّنْز» أشكالًا جديدة. فالتعليق الساخر، والصورة المعدلة، والمقطع القصير، أصبحت أدوات للتعبير السريع عن السخرية.

وأحيانًا يتحول الأمر إلى ما يشبه المنافسة في صناعة التعليق الأكثر إثارة للضحك، حتى أصبح بعض المستخدمين معروفين بأسلوبهم الساخر في تناول الأحداث والشخصيات والمواقف اليومية.

غير أن العالم الرقمي يطرح تحديًا جديدًا: فالكلمة التي كانت تُقال في مجلس محدود أصبحت قادرة على الانتشار أمام آلاف الأشخاص، وقد تتحول من مزحة عابرة إلى إساءة واسعة الانتشار.

كلمة قديمة في ثوب مغربي جديد

تكشف كلمة «الطَّنْز» عن جانب مهم من ثراء الدارجة المغربية؛ فالكلمة التي يسمعها المغربي في الشارع والمقهى والبيت، ويستعملها بصورة عفوية، تحمل وراءها تاريخًا لغويًا أقدم بكثير من الاستعمال اليومي المعاصر.

وهكذا تستمر اللغة في الحياة من خلال الناس. فقد تتغير طريقة النطق، وتتغير الصيغة، وتتوسع الدلالة، لكن الكلمة تحتفظ بجزء من ذاكرتها القديمة.

ولعل أجمل ما في دراسة مثل هذه الكلمات أن الباحث لا يكتشف معنى لفظة فحسب، بل يكتشف معها جزءًا من ذاكرة المجتمع المغربي ولسانه وثقافته وطريقته الخاصة في التعبير عن الفرح والغضب والمزاح والسخرية.

فالطَّنْز كلمة مغربية في الاستعمال، عربية الجذور في أصلها، واجتماعية الدلالة في حضورها اليومي؛ وبين الماضي والحاضر تواصل اللغة المغربية كتابة تاريخها بكلمات تبدو بسيطة، لكنها تحمل وراءها حكايات طويلة.

الخميس، 15 أكتوبر 2026

إلى ملك إسبانيا: احتفل فوق الأرض التي تزعم امتلاكها.. فالتاريخ لا يُمحى بالأعلام، والاستعمار لا يصنع حقًّا أبديًّا!


 بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

رسالة مفتوحة إلى العاهل الإسباني: من سبتة ومليلية إلى ذاكرة الاستعمار.. كفى استعراضًا فوق جراح المغرب!
يا ملك إسبانيا، هل تعتقد أن دخولك إلى سبتة ومليلية وسط المواكب العسكرية، وتحت حماية جيشك، وبين أعلام بلادك وهتافات أنصارك، سيجعل المدينتين إسبانيتين في ذاكرة المغاربة؟ وهل تظن أن الكاميرات التي تلاحق خطواتك، والعناوين التي تتصدر صحفك، قادرة على منحك شرعية تاريخية لا يحسمها الاستعراض، ولا تفرضها القوة؟
إن كنت تريد أن تصنع من زيارتك انتصارًا سياسيًا، فاعلم أن هناك فرقًا شاسعًا بين أن تدخل أرضًا تحت حماية جيشك، وبين أن تمتلك الحق التاريخي والسياسي في السيادة عليها. وبين الأمرين تقف ذاكرة شعب لا ينسى، وتاريخ لا يمكن اختزاله في صور احتفالية، وقضية وطنية لا تسقط من الحسابات المغربية بمجرد أن يقرر الطرف الآخر تجاهلها.
يا ملك إسبانيا، يمكنك أن ترفع علمك، وأن تتجول في شوارع المدينتين، وأن تحيط نفسك بالحرس والمواكب، لكنك لن تستطيع أن تجعل الاستعراض العسكري بديلًا عن الحوار السياسي، ولا أن تحوّل الأمر الواقع إلى حقيقة لا تقبل النقاش.
إن سبتة ومليلية ليستا مجرد عنوانين في نشرة إخبارية إسبانية، ولا مجرد نقطتين جغرافيتين يمكن التعامل معهما باعتبارهما ملفًا مغربيًا منتهيًا. إنهما جزء من ذاكرة تاريخية وسياسية ممتدة، ومن قضية تثير أسئلة السيادة والحدود وإرث التوسع الأوروبي في شمال إفريقيا.
فكيف يمكن لدولة أوروبية أن تتمسك بوجودها في مدينتين على الساحل الشمالي الإفريقي، ثم تقدم نفسها باعتبارها مدافعًا عن القانون الدولي وحقوق الشعوب؟ وكيف يمكن أن تتحدث عن رفض الاحتلال في مناطق أخرى، بينما ترفض فتح نقاش جدي حول إرثها التاريخي في المنطقة؟
إن التاريخ لا يبدأ من اللحظة التي تختارها الحكومات، ولا ينتهي عند الحدود التي ترسمها القوة. فمنذ سقوط سبتة في يد البرتغاليين سنة 1415، وانتقالها إلى التاج الإسباني سنة 1580، ثم احتلال مليلية سنة 1497، تشكلت صفحات من تاريخ التوسع الأوروبي في شمال إفريقيا، ولا تزال آثارها حاضرة في النقاش المغربي حول المدينتين.
ولذلك، فإن مطالبة المغرب بفتح نقاش مسؤول حول هذا الملف ليست نزوة عابرة، ولا مجرد رد فعل على زيارة ملكية، بل تعبير عن موقف وطني يرى أن القضايا التاريخية والسيادية لا ينبغي أن تُدفن تحت ركام البروتوكولات الرسمية.
حين تتحول مأساة الشباب إلى اختبار لضمير أوروبا
لكن، يا ملك إسبانيا، إن ما يثير الغضب لا يرتبط فقط بملف سبتة ومليلية، بل كذلك بالطريقة التي يُنظر بها إلى الإنسان المغربي حين يصبح ضعيفًا، أو مهاجرًا، أو ضحية لأزمات اجتماعية واقتصادية خانقة.
فخلف كل شاب يغامر بحياته للوصول إلى الضفة الأخرى حكاية بطالة، أو حلم مؤجل، أو أسرة تنتظر منه أن يعود حاملًا أملًا جديدًا. وخلف كل مأساة هجرة هناك سؤال لا يجوز الهروب منه: لماذا يجد شباب في مقتبل العمر أنفسهم مستعدين للمخاطرة بحياتهم من أجل فرصة للعيش بكرامة؟
إن أزمة الهجرة ليست مجرد مشكلة حدودية، ولا يمكن اختزالها في أرقام الموقوفين أو صور القوات الأمنية. إنها مأساة إنسانية تتطلب تعاونًا مسؤولًا بين المغرب وإسبانيا، وتستوجب حماية الأرواح واحترام الكرامة الإنسانية، مهما كانت جنسية المهاجر أو وضعيته القانونية.
أما إذا صحت التقارير والادعاءات المتعلقة بوفاة مهاجرين مغاربة، ودفن بعضهم دون تمكين أسرهم من معرفة مصيرهم على نحو كافٍ، فإن الأمر يتجاوز الخلاف الدبلوماسي إلى ضرورة إجراء تحقيق شفاف، وتحديد هويات الضحايا، والتواصل مع عائلاتهم، وضمان حقهم في معرفة الحقيقة ودفن ذويهم بما يحفظ كرامتهم.
فهل أصبحت حياة الشاب المغربي أقل قيمة لأنه غادر بلده بحثًا عن العمل؟ وهل تتحول مآسي الأسر المغربية إلى تفاصيل ثانوية عندما تتعارض مع الحسابات الأمنية والسياسية؟
إن احترام الإنسان لا يُقاس بالخطب الرسمية، بل بما يحدث له عندما يكون بلا حماية، وبما تقدمه الدولة من ضمانات حين يصبح عرضة للاستغلال أو الإهانة أو الانتهاك.
وإذا ثبت وقوع تجاوزات في حق المهاجرين، أو تعرض بعضهم للعنف أو الاعتداءات، فإن المطلوب هو التحقيق والمحاسبة، لا التستر ولا الاكتفاء بالخطاب السياسي. أما تحويل مأساة الضحايا إلى مناسبة للاستعراض، فسيظل أمرًا يستوجب المساءلة الأخلاقية والقانونية.
يا ملك إسبانيا.. لا توزع دروس حقوق الإنسان قبل مواجهة أسئلة التاريخ
إن حقوق الإنسان ليست ملكية حصرية للدول الأوروبية، وليست شهادة تمنحها الحكومات لنفسها كلما أرادت تبرير سياساتها. إنها التزام شامل، يُختبر في المواقف الصعبة، وفي التعامل مع الضعفاء، وفي احترام كرامة الإنسان حتى عندما يكون مهاجرًا أو فقيرًا أو بلا سند.
ومن هنا، فإن أي خطاب إسباني يدافع عن حقوق الشعوب في مكان، ويتجاهل المطالب التاريخية والسيادية في مكان آخر، سيظل عرضة للنقد والمساءلة.
لا أحد يطلب من مدريد أن تتخلى عن الحوار أو أن تتجاهل مصالحها، لكن المطلوب هو الكف عن التعامل مع القضايا العالقة بمنطق أن ما تملكه القوة اليوم يصبح حقًا أبديًا غدًا.
إن العلاقات بين المغرب وإسبانيا أوسع من أن تُختزل في مشهد ملكي أو زيارة ميدانية، وأعمق من أن تتحول إلى منافسة على من يرفع علمه أعلى أو من يحشد هتافات أكثر.
فالشراكة الحقيقية لا تقوم على الاستفزاز، بل على الاعتراف المتبادل بحساسية الملفات التاريخية، واحترام المصالح المشروعة، وفتح أبواب الحوار حول القضايا التي لم تجد طريقها إلى حل نهائي.
الصحراء المغربية.. صفحة استعمارية لا يمكن تجاوزها بالصمت
ولا يمكن الحديث عن الذاكرة المغربية الإسبانية دون استحضار تاريخ الصحراء المغربية، التي ظل الوجود الإسباني الاستعماري فيها قائمًا إلى سنة 1975، حين انتهى الوجود الإسباني المباشر في الإقليم، من دون أن ينتهي النزاع حول الصحراء المغربية، الذي ما زال مطروحًا في المسار الأممي.
لقد ترك الاستعمار وراءه إرثًا سياسيًا معقدًا، وظلت المنطقة تعيش تبعات صراعات وتوترات امتدت لعقود. ولذلك، فإن المغرب، وهو يدافع عن وحدته الترابية، من حقه أن يستحضر هذه الذاكرة في تقييم علاقته بإسبانيا، وأن يطالب بعلاقات تقوم على الوضوح والاحترام المتبادل.
لكن لا ينبغي أن يكون الدفاع عن قضية وطنية مبررًا لإغلاق النقاش حول قضية وطنية أخرى، ولا أن يصبح الصمت الرسمي، إن حدث، دليلًا على غياب الحق في التعبير.
فالدبلوماسية لها حساباتها، والدول قد تختار التوقيت المناسب لتحركاتها، لكن المواطنين والباحثين والمعلقين المستقلين يحتفظون بحقهم في النقد والمساءلة، وفي التعبير عن مواقفهم من القضايا التي تمس الذاكرة الوطنية والكرامة الإنسانية.
إن صمت الحكومات، حين يقع، لا يعني أن ذاكرة الشعوب قد صمتت، ولا أن الأسئلة التاريخية قد انتهت، ولا أن المطالب الوطنية فقدت مشروعيتها في النقاش العام.
رسالتي إليك: لن تصنع الصور ما عجزت عنه السياسة
يا ملك إسبانيا، افعل ما تشاء من زيارات، وأقم ما شئت من الاحتفالات، وادخل سبتة ومليلية وسط الحراسة العسكرية والهتافات والأعلام، بل اجعل من زيارتك حدثًا تتصدر أخباره الصحف الإسبانية لأيام.
لكن تذكّر أن الصورة، مهما كانت براقة، لا تستطيع أن تحسم وحدها خلافًا تاريخيًا وسياسيًا، وأن التصفيق لا يمنح شرعية مطلقة، وأن القوة لا تعفي الدول من مسؤولية مواجهة الأسئلة الصعبة.
إن المغرب ليس مجرد جغرافيا صامتة على الضفة الجنوبية للمتوسط، ولا شعبًا يمكن مطالبته بنسيان ماضيه كلما اقتضت الحسابات السياسية ذلك. إنه بلد له تاريخه وذاكرته ومؤسساته ومطالبه الوطنية، ومن حقه أن يدافع عن قضاياه بالوسائل السياسية والقانونية والدبلوماسية.
فإذا كنت تريد أن تترك إرثًا مختلفًا في العلاقات المغربية الإسبانية، فلا تجعل زياراتك عنوانًا لتكريس الخلاف، بل اجعلها مناسبة لفتح الأبواب التي ظلت مغلقة، وللتعامل مع القضايا العالقة بروح المسؤولية والشجاعة السياسية.
إن التاريخ لا يُمحى بالإنكار، وحقوق الشعوب لا تُختزل في موازين القوة، وكرامة المهاجرين لا ينبغي أن تصبح ضحية الحسابات الأمنية. أما المستقبل، فلن يكون أكثر استقرارًا إلا عندما تتعامل الدول مع خلافاتها بشفافية، وتواجه ماضيها بصدق، وتضع الإنسان فوق الاعتبارات الدعائية.
هذه رسالتي إليك، لا من موقع السلطة، بل من موقع المواطن المغربي الذي يرفض أن تتحول القضايا الوطنية إلى مجرد مشاهد عابرة، ويرفض أن تُنسى مآسي الشباب وأسر الضحايا خلف ضجيج البروتوكولات.
سبتة ومليلية ملف مفتوح في الذاكرة والموقف المغربي، والحقوق لا يحسمها الاستعراض، بل الحوار المسؤول والمسارات السياسية والقانونية.
والتاريخ، مهما حاولت العناوين الصحفية إعادة ترتيبه، سيظل موضوعًا للنقاش والمساءلة، ما دامت هناك شعوب تتمسك بذاكرتها، وتطالب بأن تُسمع كلمتها.

الأربعاء، 14 أكتوبر 2026

«الرحامنة عشرة في عقيل »… حكاية مثل شعبي بين الذاكرة الجماعية والتأويل التاريخي

 

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

قراءة في الجذور التاريخية والحمولة الاجتماعية لعبارة «الرحامنة عشرة في عقيل»

 حين تتحول الذاكرة الشعبية إلى سجل للتاريخ

لا تختزن الذاكرة الشعبية المغربية مجرد أمثال وعبارات عابرة، بل تحمل في ثناياها شذرات من التاريخ الاجتماعي والسياسي، وتحتفظ بصور من المعاناة والصراع والتحولات التي عرفتها القبائل والمجتمعات المحلية عبر العصور. فكثيراً ما تختزل عبارة دارجة قصيرة أحداثاً طويلة، وتتحول مع مرور الزمن إلى مرجع رمزي يستحضره الناس للتعبير عن وقائع أو تجارب جماعية ظلت راسخة في الوجدان.

وفي هذا السياق، تبرز عبارة «الرحامنة عشرة في عقيل» باعتبارها إحدى العبارات المتداولة في الذاكرة الشعبية ببعض مناطق المغرب، ولا سيما في المجال المرتبط بالرحامنة والشاوية ومحيطهما. وهي عبارة تثير أسئلة تتجاوز ظاهر ألفاظها إلى البحث في خلفياتها التاريخية، ودلالاتها اللسانية، والظروف الاجتماعية التي ربما أسهمت في نشأتها وانتشارها.

غير أن التعامل العلمي مع مثل هذه التعبيرات يقتضي التمييز بين ما تتناقله الرواية الشفهية، وما تثبته الوثائق التاريخية، وما يقدمه الباحث من تأويلات محتملة. فالذاكرة الشعبية مصدر مهم لفهم الماضي، لكنها تحتاج، شأنها شأن غيرها من المصادر، إلى النقد والمقارنة والتحقق.

أولاً: قبيلة الرحامنة في سياق التاريخ السياسي المغربي

تحتل قبيلة الرحامنة مكانة بارزة في التاريخ الاجتماعي والسياسي للمغرب، بحكم امتدادها الجغرافي شمال مدينة مراكش، وصلاتها بالمجالات القبلية المجاورة، وموقعها ضمن التفاعلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي عرفتها المنطقة.

وخلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، شهد المغرب تحولات عميقة ارتبطت بطبيعة العلاقة بين السلطة المركزية والقبائل، وبالتحديات المالية والعسكرية والسياسية التي واجهتها الدولة. وفي ظل هذه الظروف، عرفت بعض المجالات القبلية توترات ومواجهات مع المخزن، الذي كان يسعى إلى تثبيت سلطته، وضمان استخلاص الجبايات، وإعادة فرض النظام والنفوذ المركزي.

ولم تكن هذه العلاقة، في مختلف مراحلها، علاقة صدام دائم أو رفض مطلق؛ بل تداخلت فيها أشكال متعددة من التفاوض والولاء والاحتجاج والمقاومة، بحسب الظروف السياسية وموازين القوى والمصالح المحلية.

ومن هذا المنطلق، فإن قراءة تاريخ الرحامنة تستوجب وضع الأحداث المرتبطة بها ضمن سياقها الوطني العام، بعيداً عن الأحكام التعميمية التي تختزل تاريخ القبيلة في التمرد أو العصيان، أو تجعل من الصراعات التي عرفتها وحدها عنواناً لهويتها التاريخية.

فالقبيلة، مثل غيرها من البنيات الاجتماعية المغربية، كانت فضاءً للتفاعل بين السلطة والمجتمع، وبين المصالح المحلية ومتطلبات الدولة، وهو ما انعكس، بصورة أو بأخرى، في الذاكرة الشفهية المتوارثة.

ثانياً: «عشرة في عقيل»… ماذا تخفي العبارة وراء ألفاظها؟

إن الإشكال الأساسي الذي تطرحه العبارة لا يتعلق بمجرد معناها الظاهر، بل بأصل لفظة «عقيل» والدلالة التي كانت تحملها في سياقها الأول.

فالتداول الشفهي، بطبيعته، قد يحافظ على العبارة العامة، لكنه يُحدث تغييرات في نطق بعض كلماتها أو في فهمها، خصوصاً عندما تنتقل من جيل إلى آخر، أو من منطقة إلى أخرى. وقد يؤدي ذلك إلى تعدد التأويلات، بحيث تصبح العبارة الواحدة قابلة لقراءات مختلفة، تبعاً للخلفية اللغوية والتاريخية لكل متلقٍّ.

ومن هنا، يمكن تناول المقولة من خلال فرضيتين أساسيتين:

الفرضية الأولى: التأويل المرتبط بالعقل والحكمة

قد يذهب بعض المتلقين إلى ربط لفظة «عقيل» بالعقل أو التعقل، ثم إسقاط هذا الفهم على صورة نمطية عن القبيلة وسلوكها السياسي أو الاجتماعي.

غير أن هذا التأويل، ما لم تسنده شواهد لغوية أو روايات تاريخية موثوقة، يظل مجرد احتمال تفسيري، ولا يجوز اعتماده أساساً للحكم على تاريخ الرحامنة أو على شخصيتها الجماعية.

فالأمثال الشعبية لا تصلح، في حد ذاتها، دليلاً على صفات ثابتة لدى جماعة بشرية، كما أن التوترات السياسية التي عرفتها بعض القبائل لا يمكن تفسيرها باختزالها في الحكمة أو الطيش، وإنما ينبغي فهمها ضمن ظروفها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

الفرضية الثانية: ارتباط العبارة بـ«العقال» والتقييد الجماعي

يذهب تأويل آخر إلى احتمال ارتباط لفظة «عقيل» بكلمة «العقال»، أي القيد أو وسيلة الربط، وفق الاستعمال المقصود في الرواية المحلية. وبحسب هذا التفسير، قد تكون العبارة استحضاراً لمشهد اعتقال جماعي، جرى فيه تقييد مجموعة من الأشخاص واقتيادهم تحت الحراسة، في سياق حملات عسكرية أو إجراءات عقابية عرفتها بعض المناطق.

ويمنح هذا التأويل العبارة دلالة اجتماعية وتاريخية مختلفة؛ إذ تصبح الإشارة إلى «العقال» رمزاً للأسر والتضييق وفقدان الحرية، لا حكماً على القدرات العقلية لأبناء القبيلة.

ومع ذلك، فإن قوة هذا التفسير تظل رهينة العثور على روايات شفوية متطابقة، أو نصوص تاريخية، أو وثائق محلية تثبت الصلة بين العبارة وممارسة التقييد الجماعي.

وعليه، فإن تفسير «عقيل» باعتبارها تحريفاً لـ«العقال» يظل فرضية جديرة بالبحث، لكنه لا يمكن تقديمه باعتباره حقيقة تاريخية محسومة من دون أدلة مستقلة تؤيده.

ثالثاً: العقوبات المخزنية والذاكرة القبلية

عرف التاريخ السياسي المغربي أشكالاً مختلفة من الحملات السلطانية التي كانت تهدف إلى إعادة بسط النفوذ، ومعالجة حالات العصيان، وتأمين الطرق، وضمان انتظام الجبايات. وكانت بعض هذه الحملات تترافق مع إجراءات قاسية، من بينها الاعتقال والعقاب ومصادرة الممتلكات، بحسب طبيعة المواجهة والسياق التاريخي.

ومن الطبيعي أن تترك مثل هذه الأحداث آثاراً في الذاكرة الجماعية للمناطق التي شهدتها؛ فالوقائع التي تمس الحرية والكرامة والاستقرار لا تنتهي آثارها دائماً بانتهاء المواجهة، بل قد تستمر في الحكايات والأمثال والأغاني الشعبية والروايات العائلية.

وفي هذا الإطار، يمكن افتراض أن بعض العبارات المرتبطة بالرحامنة قد تكون احتفظت بصدى أحداث من هذا النوع، سواء تعلقت بالاعتقال أو العقاب أو المواجهات بين السلطة المركزية وبعض المجموعات القبلية.

لكن المنهج التاريخي يفرض التمييز بين وجود ممارسات عقابية في تاريخ المغرب، وهو أمر يمكن بحثه في مصادر تلك المرحلة، وبين إثبات أن ممارسة بعينها هي التي أنتجت مقولة «عشرة في عقيل». فالأمر الثاني يحتاج إلى دليل خاص يربط بين الحدث والعبارة، ولا يكفي فيه التشابه في المعنى أو الانسجام مع السياق العام.

رابعاً: الذاكرة الشفهية بوصفها مصدراً للتاريخ الاجتماعي

لا تقل الرواية الشفهية أهمية عن بعض المصادر المكتوبة في دراسة التاريخ الاجتماعي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتجارب الفئات المحلية، والتمثلات الجماعية، والأحداث التي لم تحظَ بتوثيق كافٍ في السجلات الرسمية.

غير أن قيمتها العلمية تتوقف على طريقة جمعها وتحليلها. فالرواية المتوارثة قد تحفظ جانباً من الحقيقة، لكنها قد تتعرض أيضاً للنسيان أو الاختصار أو المبالغة أو إعادة التأويل، بفعل التحولات التي يعرفها المجتمع.

ولذلك، فإن دراسة عبارة «الرحامنة عشرة في عقيل» تقتضي العودة إلى كبار السن وحملة الذاكرة المحلية في الرحامنة والشاوية ومحيطهما، وتسجيل الصيغ المختلفة التي ترد بها العبارة، ومعرفة المناطق التي تنتشر فيها، والسياقات التي تُستعمل فيها، وما إذا كانت هناك روايات متقاربة بشأن أصلها.

كما ينبغي مقارنة هذه الروايات بالمصادر التاريخية المكتوبة، ولا سيما المؤلفات التي تناولت القبائل المغربية وعلاقاتها بالمخزن، وتاريخ الحملات السلطانية، والتحولات السياسية التي شهدها المغرب خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

ومن شأن هذا العمل الميداني أن يحول المثل من مجرد عبارة متداولة إلى موضوع بحث علمي قابل للفحص والمناقشة، وأن يساعد على الفصل بين الذاكرة الرمزية والواقعة التاريخية.

خامساً: من التأويل اللغوي إلى الإنصاف التاريخي

إن أخطر ما قد يترتب على تداول الأمثال التاريخية دون تمحيص هو تحولها إلى أحكام جاهزة على الجماعات والقبائل. فقد تحمل العبارة، في أصلها، معنى مختلفاً تماماً عما يفهمه منها المتلقي المعاصر، وقد يكون ما يبدو وصفاً سلبياً في ظاهر اللفظ انعكاساً لواقعة مؤلمة أو تجربة جماعية من القهر والمعاناة.

ومن هنا، فإن إعادة قراءة الموروث الشعبي لا تعني البحث عن تفسير يرضي الاعتزاز المحلي فحسب، وإنما تعني أيضاً التحرر من الأحكام المسبقة، واعتماد البحث والتوثيق والمقارنة.

فالإنصاف التاريخي لا يتحقق باستبدال تأويل غير موثق بتأويل آخر غير موثق، بل بإخضاع مختلف الفرضيات لمعيار واحد: قوة الدليل، وتماسك الحجة، ومدى انسجامها مع الشواهد اللغوية والتاريخية.

كما أن الاعتزاز بتاريخ الرحامنة لا يحتاج إلى نفي ما عرفته المنطقة من صراعات أو توترات؛ بل يقتضي فهم تلك الأحداث في سياقها، والنظر إلى القبيلة باعتبارها جزءاً من التاريخ المغربي المركب، بما يحمله من تفاعلات ومقاومات وتحالفات وتحولات.

ختاما : حين يصبح المثل الشعبي سؤالاً مفتوحاً أمام الباحث

إن عبارة «الرحامنة عشرة في عقيل» ليست مجرد تركيب لغوي متداول، بل يمكن أن تشكل مدخلاً لدراسة العلاقة بين اللغة والذاكرة والتاريخ، وبين التجربة الاجتماعية وطريقة تمثيلها في الوعي الجماعي.

وإذا كان تفسيرها من خلال لفظة «العقال» يفتح احتمالاً مثيراً للبحث، باعتباره إحالة محتملة إلى التقييد والأسر الجماعي، فإن إثبات هذا الأصل يظل مشروطاً بتوثيق الروايات المحلية ومقارنتها بالمصادر التاريخية ذات الصلة.

إن القيمة الحقيقية لهذا النقاش لا تكمن في الانتصار لتفسير بعينه قبل التحقق منه، وإنما في تحويل الموروث الشفهي إلى موضوع بحث جاد، يساهم في صون الذاكرة المحلية، ويعيد قراءة التاريخ من زاوية المجتمع وتجارب الناس، لا من خلال الأحكام الجاهزة وحدها.

فالأمثال الشعبية قد تحفظ أصداء أحداث نسيها الزمن، لكنها لا تكشف أسرارها كاملة إلا حين يلتقي صوت الذاكرة بصرامة البحث العلمي.

الاثنين، 12 أكتوبر 2026

بين أنطولوجيا الثابت وإبستمولوجيا المتغيّر: الحقيقة من أفق اليقين إلى نسبيّة الوعي

 

​بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

تطرح القضايا المتعلقة بمهوم "الحقيقة" بوصفها الإشكال الأكثر تعقيدًا في الفكر الإنساني؛ إذ تُمثّل الشاغل الأساسي للتفكير الفلسفي والبحث العلمي على حد سواء. إن العبارة القائلة بأنّ «الحقيقة تتغيّر كلما توسّعت المعرفة» تفتح أفقًا إشكاليًا يدور حول مركزية العلاقة بين الوجود في ذاته (الأنطولوجيا) ومعرفتنا بهذا الوجود (الإبستمولوجيا). هل تُعرّف الحقيقة بثبات الموضوع، أم بمرونة الذات العارفة؟ وإلى أي حد يُمكن أن نطمح لتأسيس حقيقة مطلقة ومستقلة عن أدوات الوعي وحدوده؟

​أولًا: أطروحة الثبات الأنطولوجي مقابل النسبية الإبستمولوجية

​تُميّز الأدبيات الفلسفية بين مستويين حاسمين لمفهوم الحقيقة:

​المستوى الأنطولوجي (الواقع في ذاته): ينزع التيّار الواقعي (Realism)، من أفلاطون إلى الواقعية العلمية المعاصرة، إلى القول بأن الحقيقة وجود مستمر، قائم بذاته ومستقل عن أذهاننا ولغتنا. إنّ القوانين التي تحكم الكون لا تتغير لمجرد تغيير طريقة تفسيرنا لها.

​المستوى الإبستمولوجي (الوعي بالإدراك): تذهب الاتجاهات النقديّة (منذ إيمانويل كانت وخاصة مع الفلسفة المعاصرة) إلى أن الإنسان لا يتعامل مع الواقع الخام، بل مع "تمثلات" هذا الواقع. المعرفة تشكيلة مبنية على أدوات الإدراك، والمناهج العلمية، واللغة، والنماذج الإرشادية (Paradigms).

​من هذا المنطلق، فإن ما يتغير ليس الواقع الفعلي، بل "نطاق التغطية الإبستمولوجية"؛ فالكشف العلمي لا يخلق واقعًا جديدًا، بل يوسع المساحة المرئية من واقع قديم.

​ثنائيّة التراكم والقطيعة: كيف تتطور المعرفة العلمية؟

​تجسد تاريخية العلم بدقة كيف تعيد المعرفة تشكيل تصورنا للحقيقة عبر آليتين أساسيتين:

​التراكم والتوسيع (البناء الممتد): كما يحدث عند الانتقال من ميكانيكا نيوتن إلى نسبية أينشتاين؛ فلم تُلغِ النسبية قوانين نيوتن بالكامل، بل حدّدت إطارها المرجعي واعتبرتها "حالة خاصة" ضمن حقيقة فيزيائية أوسع (الزمكان).

​القطيعة الإبستمولوجية (توماس كون وبول فايرابند): يرى توماس كون في كتابه تأريض الثورات العلمية أن المعرفة لا تنمو بشكل متدرج دائمًا، بل عبر ثورات تُبدل "النموذج الإرشادي" بالكامل. ما كان حقيقة مطلقة في عصر (مثل جغرافية بطليموس للكون) يصبح هامشًا تاريخيًا بعد تحول النموذج إلى نموذج كوبرنيكوس.

​مفارقة سقراط: اتساع المعرفة وتقلّص اليقين

​تتجلى المفارقة الفلسفية الكبرى في أن زيادة المعرفة لا تؤدي بالضرورة إلى استقرار اليقين، بل إلى مضاعفة الأسئلة.

السبت، 10 أكتوبر 2026

أخنوش أمام الملك… هل انتهى زمن الوقار أم أن المنصب أنسى صاحبه أصول البروتوكول ؟؟

 

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

ليست السياسة مجرد كراسي وثيرة ومناصب رفيعة وظهور متكرر أمام الكاميرات، وليست المسؤولية الحكومية امتيازاً يمنح صاحبه الحق في التعامل مع المناسبات السيادية وكأنها جلسات عادية لا تستوجب الانتباه إلى رمزية المكان وهيبة المؤسسة.

ما أثار الانتباه خلال مراسيم افتتاح السنة التشريعية يوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، هو ظهور عزيز أخنوش، رئيس الحكومة المنتهية ولايتها، جالساً واضعاً إحدى رجليه فوق الأخرى، في مناسبة ترأسها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله.

قد يقول قائل إن الأمر لا يتجاوز حركة عفوية، وإن طريقة الجلوس لا تستحق كل هذا النقاش. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل أصبحنا مطالبين بالصمت كلما تعلق الأمر بسلوك مسؤول كبير، أم أن من تولوا تدبير شؤون البلاد ينبغي أن يكونوا أول من يدرك أن المسؤولية تفرض عليهم انضباطاً يتجاوز ما هو مطلوب من المواطن العادي؟

إن المسألة ليست حرباً على شخص، ولا محاولة لتضخيم حركة عابرة، بل نقاش حول ثقافة المسؤولية، وحدود التصرف الشخصي، والفرق بين الجلوس في مجلس خاص والحضور في مناسبة دستورية ترمز إلى استمرارية الدولة المغربية ومؤسساتها.

أخنوش… المنصب لا يمنح صاحبه حصانة من النقد!

السيد عزيز أخنوش،

لقد جلستم على رأس الحكومة المغربية، وتوليتم مسؤولية تنفيذ السياسات العمومية في مرحلة كانت فيها انتظارات المواطنين كبيرة، وأسئلتهم بشأن القدرة الشرائية وفرص الشغل والعدالة الاجتماعية حاضرة بقوة.

واليوم، بعد تجربتكم على رأس السلطة التنفيذية، يصبح من حق الرأي العام أن يناقش أداءكم السياسي، وأن ينتقد مواقفكم، وأن يتوقف عند سلوككم في المناسبات الرسمية، تماماً كما يفعل مع أي مسؤول عمومي.

فلا أحد فوق النقد، ولا أحد يملك صكاً للحصانة الأخلاقية لمجرد أنه جلس يوماً على كرسي رئاسة الحكومة.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب الحياة السياسية هو أن يعتقد المسؤول أن منصبه يمنحه امتيازاً في السلوك، وأن مكانته تعفيه من واجب الانتباه إلى صورة تصرفاته أمام المواطنين.

المسؤولية ليست لقباً يُضاف إلى الاسم، ولا وجاهة اجتماعية تُستعرض أمام الكاميرات، بل هي ثقافة وانضباط ووعي مستمر بأن كل تصرف يصدر عن المسؤول في الفضاء العام قد يصبح موضوعاً للمساءلة والنقاش.

هل أصبح الوقار تفصيلاً لا يستحق الانتباه؟

إننا لا نزعم أن وضع رجل فوق أخرى يشكل، في حد ذاته، إهانة للملك أو خرقاً مؤكداً لبروتوكول رسمي؛ فمثل هذا الحكم يحتاج إلى ما يثبته، ولا يجوز استنتاج النيات من صورة واحدة.

لكننا نرفض، في المقابل، أن يتحول هذا التحفظ إلى ذريعة لإغلاق باب النقاش.

فالمناسبات الرسمية ليست كلها متشابهة، والسلوك الذي قد يكون عادياً في مجلس خاص يمكن أن يُقرأ بصورة مختلفة عندما يتعلق الأمر بمناسبة وطنية ذات رمزية دستورية كبرى.

وهنا تكمن مسؤولية المسؤول السياسي: أن يعرف متى يتحدث، وكيف يتصرف، وأين يوجد، وما الذي تفرضه طبيعة المكان والمناسبة.

فهل يُعقل أن نطالب الشباب بالتربية على المواطنة واحترام المؤسسات، ثم نتردد في مساءلة المسؤولين أنفسهم عن مستوى الوعي الذي يظهرونه في المحافل الرسمية؟

إن القدوة تبدأ من الأعلى، والاحترام لا يمكن أن يكون مطلباً موجهاً إلى المواطنين وحدهم.

إلى أخنوش: السياسة ليست شركة خاصة!

السيد أخنوش،

إن تدبير الشأن العام يختلف عن تدبير المقاولات الخاصة، والمسؤولية الدستورية تختلف عن المسؤولية داخل مجال الأعمال.

في الحياة الخاصة، لكل إنسان هامش واسع من الحرية في تصرفاته الشخصية. أما عندما يصبح الشخص مسؤولاً حكومياً أو ممثلاً لمؤسسات الدولة، فإن تصرفاته تدخل، بدرجات متفاوتة، في دائرة اهتمام الرأي العام.

ولذلك، فإن المطلوب من رجل السياسة ليس فقط أن يحضر، بل أن يستوعب طبيعة الحضور؛ وليس فقط أن يشغل موقعاً متقدماً، بل أن يكون واعياً بالالتزامات المعنوية التي تترتب عليه.

إن الثروة قد تفتح أبواباً كثيرة، وقد تمنح صاحبها مكانة اقتصادية، لكنها لا تمنحه تلقائياً ثقافة سياسية رفيعة، ولا تعفيه من ضرورة التحلي بالتواضع والانضباط وحسن تقدير المواقف.

فالمال يصنع النفوذ، والمنصب يمنح السلطة، لكن السلوك وحده يكشف مقدار النضج الذي اكتسبه الإنسان من تجربته في تدبير الشأن العام.

وهذه ليست إدانة لشخص بعينه، بل قاعدة ينبغي أن يخضع لها كل من يتولى مسؤولية عمومية، مهما كان اسمه أو انتماؤه أو حجم ثروته.

احترام الملك لا يُختزل في الشعارات!

إن احترام صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، واحترام المؤسسة الملكية باعتبارها مؤسسة دستورية محورية في نظام الدولة المغربية، لا ينبغي أن يتحولا إلى مجرد عبارات جاهزة تُردد في المناسبات.

فالاحترام مسؤولية، والولاء للمؤسسات لا يُقاس بارتفاع الشعارات، وإنما يظهر في الوعي برمزيتها، والالتزام بالقواعد التي تنظم العمل داخلها، والتعامل مع مناسباتها الرسمية بما يليق بطبيعتها.

وفي الوقت نفسه، فإن احترام المؤسسة الملكية لا يقتضي تحويل كل صورة إلى اتهام، ولا يبرر إطلاق أحكام على النيات دون دليل. بل يقتضي نقاشاً مسؤولاً يميز بين النقد المشروع والتجريح الشخصي، وبين ملاحظة سلوك ظاهر والجزم بدلالات لا تثبتها المعطيات المتاحة.

ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت حركة الجلوس وحدها تستحق الإدانة، بل ما إذا كنا نمتلك ثقافة سياسية تجعل المسؤول يدرك أن الوقار جزء من صورته العامة، وأن النقد حق للمواطن، وأن المنصب لا يحول صاحبه إلى شخص ممنوع من المساءلة.

أخنوش… انتهت الحكومة، ولم ينتهِ حق المغاربة في التقييم!

إن مغادرة المسؤول لمنصبه لا تعني إسدال الستار على تجربته، ولا تعفيه من النقاش بشأن أدائه ومواقفه وسلوكه العام.

فالحكومات تتعاقب، والولايات تنتهي، والأسماء التي تتصدر المشهد اليوم قد تصبح غداً جزءاً من ذاكرة سياسية يقيّمها التاريخ.

وما يحتاج إليه المغرب ليس مسؤولين يحرصون على الظهور في الصفوف الأمامية فحسب، بل رجال دولة يستوعبون أن المسؤولية أخلاق قبل أن تكون سلطة، وأن احترام المؤسسات ممارسة يومية قبل أن يكون خطاباً رسمياً.

أما المواطن المغربي، فمن حقه أن يناقش، وأن ينتقد، وأن يطالب المسؤولين بمعايير عالية من الانضباط والجدية، دون أن يُتهم بالعداء أو المزايدة كلما طرح سؤالاً محرجاً.

فالديمقراطية لا تعني التصفيق للمسؤولين، كما أن احترام المؤسسات لا يعني تعطيل النقد؛ بل إن قوة المؤسسات تتعزز حين يسود الوعي بالمسؤولية، ويُمارس النقد بجرأة وانضباط.

كلمة أخيرة لا تحتاج إلى مجاملة

السيد عزيز أخنوش،

قد لا تكفي صورة واحدة للحكم على شخصية سياسية، لكنها تكفي أحياناً لفتح نقاش حول المعايير التي ينبغي أن تحكم سلوك المسؤولين في المناسبات الكبرى.

ولذلك، فإن الرسالة واضحة: لا أحد يطالبك بالتخلي عن حريتك الشخصية، ولا يملك أحد الحق في اتهامك بإهانة متعمدة استناداً إلى وضعية جلوس وحدها؛ لكن من حق المغاربة أن ينتظروا منك، ومن غيرك ممن تولوا أعلى المسؤوليات، مستوى رفيعاً من الوعي السياسي وحسن تقدير المقام.

فالمسؤول الذي يطلب احترام موقعه، عليه أولاً أن يدرك أن احترام الموقع يبدأ باحترام مقتضياته.

والأهم من ذلك كله أن الدولة المغربية أكبر من الأشخاص، والمؤسسة الملكية أكبر من الحكومات، وكرامة المؤسسات لا ينبغي أن تكون موضوعاً للمزايدة أو مادة للاستعراض السياسي.

قد ينتهي زمن المسؤولية الحكومية، لكن مسؤولية الإنسان عن صورته وسلوكه لا تنتهي بانتهاء ولايته.