السبت، 15 نوفمبر 2025
إمارة المؤمنين بالمغرب : الإطار الدستوري والشرعي والتاريخي ؛ وظائفها الدينية والسياسية (1)
بقلم : خليفة مزضوضي باحث في علم الاجتماع والنفس مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي ....!؟
المقدمة
تعدُّ إمارة المؤمنين إحدى أبرز الخصوصيات التي تميز النموذج السياسي والديني المغربي، وتشكل ركيزة أساسية في بناء الدولة المغربية عبر التاريخ، منذ العهد الإدريسي إلى الدولة العلوية المعاصرة. ويُنظر إليها اليوم بوصفها نظاماً جامعاً بين الشرعية الدينية والامتداد التاريخي والسياق الدستوري الحديث، مما منحها دوراً محورياً في تأمين الاستقرار الديني وروح الاعتدال بالمغرب.
أولا: الجذور التاريخية لإمارة المؤمنين بالمغرب
1. إمارة المؤمنين في التراث الإسلامي
ظهر مفهوم “إمارة المؤمنين” في صدر الإسلام باعتباره لقباً للخليفة، القائم على تدبير شؤون الأمة دينياً ودنيوياً. وقد ارتبط بالمقومات الآتية:
البيعة الشرعية.
رعاية الدين وحماية الملة.
إقامة العدل وحفظ الأمن.
وحدة الجماعة.
2. الامتداد التاريخي بالمغرب
عرف المغرب منذ قيام الدولة الإدريسية نظاماً سياسياً يستند إلى الشرعية الدينية عبر:
الانتساب إلى البيت النبوي (الأدارسة، المرينيون، السعديون، العلويون).
تجديد البيعة كلما تولّى سلطان جديد الحكم.
اقتران الملك بالوظائف الشرعية مثل حماية الدين وتعيين العلماء.
وقد حافظت الدولة العلوية (منذ 1666م) على أعراف إمارة المؤمنين باعتبارها أساس الشرعية والحكم.
ثانيا: إمارة المؤمنين في الدستور المغربي
1. مكانتها الدستورية
كرّس دستور 2011 إمارة المؤمنين بوضوح، وخاصة في:
الفصل 41: الملك هو أمير المؤمنين، الضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية، والساهر على المجلس العلمي الأعلى.
الفصل 42: الملك رأس الدولة، يضمن استقلال البلاد واحترام الدستور.
2. وظائفها الدينية
بموجب الدستور، يضطلع أمير المؤمنين بالمهام الآتية:
حماية الملة والدين.
السهر على ثوابت الأمة (الإسلام السني المالكي، العقيدة الأشعرية، التصوف السني).
تنظيم الحقل الديني وإعادة هيكلته.
إصدار التوجيهات المرتبطة بالقضايا الفقهية عبر الفتوى الرسمية للمجلس العلمي الأعلى.
ثالثا: البيعة الشرعية كأساس لإمارة المؤمنين
1. مفهوم البيعة
البيعة في المغرب عقد شرعي وسياسي يربط بين الأمة وملكها، ويقوم على:
الالتزام بالطاعة في غير معصية.
التزام الإمام بحماية البلاد والدين.
رابطة عقدية/سياسية متبادلة.
2. البيعة المغربية
تتميز البيعة المغربية بطابعها:
الرسمي: عبر طقوس معروفة منذ القرون الوسطى.
التاريخي: تجدد سنوياً في العيد العلوي.
الفقهي: يوقع عليها العلماء ممثلين عن الأمة.
رابعا: وظائف إمارة المؤمنين في تدبير الشأن الديني
1. حماية الثوابت الدينية
تشمل:
المذهب المالكي.
العقيدة الأشعرية.
التصوف السني.
هذه الثوابت تسند الخيار الوسطي المعتدل الذي يميز المغرب.
2. تأطير المؤسسات الدينية
مثل:
وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.
المجلس العلمي الأعلى.
مؤسسة العلماء المحليين.
معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات.
مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة.
3. محاربة التطرف والتشدد
يساهم نظام الإمارة في:
ضبط الفتوى.
حماية الأمن الروحي.
تعزيز خطاب الاعتدال الديني.
خامسا: إمارة المؤمنين بين الشرعية التاريخية والوظائف الحديثة
1. الشرعية الدينية/التاريخية
تعتمد على:
النسب النبوي للشرفاء العلويين.
البيعة المستمرة عبر القرون.
دور العلماء في دعم الشرعية.
2. الشرعية الدستورية
استناداً إلى دستور 2011 الذي ينص صراحة على إمارة المؤمنين باعتبارها مؤسسة فوق الانتماءات الحزبية.
3. الشرعية الواقعية
بفضل:
الاستقرار السياسي.
الاعتدال المذهبي.
تدبير الشأن الديني.
سادسا: البعد الإفريقي والدولي لإمارة المؤمنين
لعبت إمارة المؤمنين دوراً مهماً في:
تعزيز الروابط الدينية مع إفريقيا جنوب الصحراء.
دعم تكوين الأئمة.
نشر النموذج المغربي في تدبير الحقل الديني.
التعاون الدولي في محاربة التطرف
سابعا: إمارة المؤمنين وتدبير القضايا المعاصرة
1. حقوق الإنسان
إمارة المؤمنين تُعتبر الضامن للتوازن بين:
ثوابت الأمة الدينية.
التزامات الدولة في حقوق الإنسان.
احترام التنوع المذهبي ضمن حدود الثوابت.
2. الأحوال الشخصية
ترتبط مدونة الأسرة بإمارة المؤمنين لأنها تعتمد على المرجعية الفقهية وولاية أمير المؤمنين.
3. الشأن العام والسياسة
على الرغم من الطابع الديني، فإن إمارة المؤمنين تقف فوق الصراعات الحزبية، وتضمن وحدة الدولة واستمراريتها.
الخاتمة
تمثل إمارة المؤمنين في المغرب مؤسسة مركزيّة تستند إلى الشرعية الدينية والتاريخية والدستورية، وتحقق توازناً نادراً بين الأصالة والمعاصرة. فهي التي تحفظ للأمة ثوابتها، وتضمن الاعتدال الديني، وتصون الاستقرار السياسي، وتلعب دوراً ريادياً على المستوى الإقليمي والدولي. وبهذا تُعدّ إمارة المؤمنين عماد النظام السياسي المغربي ومرتكز الأمن الروحي للمغاربة.
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق