بقلم : خليفة مزضوضي باحث في علم الاجتماع والنفس منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي و مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات والاصلاح السلوكي.....!!!
المقدمة :
شهدت المجتمعات العربية والعالمية خلال العقدين الأخيرين تحوّلاً جذرياً في أنماط التواصل والتأثير الاجتماعي، تزامناً مع الانتشار الواسع لوسائل التواصل الرقمي. وقد أفرز هذا التحول فئة جديدة من الشخصيات تُعرف باسم الإنفلوينسرز أو "صناع المحتوى"، الذين استطاعوا أن يحظوا بمتابعة جماهيرية كبيرة وأن يصبحوا مصدر تأثير في الذوق والاستهلاك والسلوك العام. لكن هذا الصعود السريع أثار نقاشاً واسعاً حول الدوافع والآثار المرتبطة بالجري وراء الشهرة السريعة، ومدى انعكاس ذلك على القيم الثقافية والبنية الاجتماعية.
أولاً: مفهوم الإنفلوينسرز وأسس ظهوره
يشير مصطلح Influencer إلى شخصية تمتلك قدرة على التأثير في الجمهور من خلال منصات التواصل الاجتماعي، مثل إنستغرام، تيك توك، يوتيوب وغيرها. ولم يعد هذا التأثير مرتبطاً بالمكانة العلمية أو الثقافية، بل أصبح مرتبطاً بقدرة الفرد على صناعة محتوى يجذب انتباه الجمهور. ويرجع ظهور الظاهرة إلى عدة عوامل:
1. التحول الرقمي وهيمنة المنصات الافتراضية.
2. الفراغ القيمي الناتج عن ضعف النماذج التقليدية من المثقفين والزعماء الاجتماعيين.
3. سهولة الوصول للمنصات وقلة التكاليف مقارنة بوسائل الإعلام التقليدية.
4. البحث عن الاعتراف الاجتماعي كحاجة بشرية متجذرة.
ثانياً: دوافع الجري وراء الشهرة السريعة
1. الدوافع النفسية
الحاجة إلى الاعتراف والتقدير.
الهروب من الشعور بالتهميش أو الفشل في الحياة الواقعية.
الإعجاب الذاتي والرغبة في الظهور (النرجسية الرقمية).
2. الدوافع الاقتصادية
إمكانية تحقيق أرباح مالية كبيرة في مدة قصيرة.
العقود الإعلانية والرعايات التجارية.
فرص العمل الجديدة التي توفرها صناعة المحتوى.
3. الدوافع الاجتماعية
تأثير الأقران وحالة التقليد.
قيمة "الترند" في تشكيل الوعي الجماعي.
تراجع الأدوار التقليدية للأسرة والمدرسة في ضبط السلوك.
ثالثاً: سمات المحتوى الذي يصنعه الإنفلوينسرز
تتراوح أنماط المحتوى بين الهادف والترفيهي، لكن غالباً ما تطغى:
المحتويات السريعة والاستهلاكية قصيرة المدة.
الاستعراض المبالغ فيه للحياة الشخصية.
البحث عن الإثارة والصدمة لجلب المشاهدات.
السطحية في التحليل والطرح على حساب العمق والمعرفة.
رابعاً: الآثار السوسيولوجية والثقافية للجري وراء الشهرة
1. على الفرد
فقدان الهوية الحقيقية مقابل "الهوية الرقمية".
التوتر والضغط النفسي المستمر للحفاظ على الظهور.
الاعتماد المفرط على التفاعل الرقمي لتقدير الذات.
2. على الأسرة
تفكك في العلاقات الأسرية بسبب الانشغال المستمر بالتصوير والبث.
صراعات بين الأجيال حول معنى النجاح والقيمة.
3. على المجتمع
انتشار ثقافة "الشهرة قبل القيمة".
تراجع مكانة النخبة المثقفة وأصحاب الإنجازات الفعلية.
تعزيز الاستهلاك والسطحية على حساب الوعي النقدي.
خامساً: تأثير الخوارزميات في صناعة الشهرة
تلعب خوارزميات المنصات دوراً مركزياً في تضخيم بعض الشخصيات وتهميش أخرى. فهي تعتمد على:
مدة المشاهدة.
التفاعل اللحظي.
ميولات الجمهور.
وهذا يخلق "اقتصاد الانتباه" حيث يصبح الإنسان سلعة رقمية، وتصبح الشهرة غاية في حد ذاتها.
سادساً: مقاربة نقدية للظاهرة
يمكن فهم الظاهرة من منظور علم الاجتماع الثقافي باعتبارها:
نتاجاً لعصر الفردانية المفرطة حيث يُعاد تعريف الذات عبر الشاشة.
انعكاساً لأزمة القيم في المجتمعات التي تعيش انتقالاً بين تقاليد قديمة وحداثة رقمية متسرعة.
نتيجة لعولمة الثقافة وتجفيف مصادر القدوة التقليدية.
الخاتمة :
إن ظاهرة الإنفلوينسرز والجري وراء الشهرة السريعة ليست مجرد موضة عابرة، بل هي تحول بنيوي في أنماط التأثير الاجتماعي. ورغم ما تحمله من فرص في التعبير والإبداع والاشتغال المهني الجديد، إلا أنها تكشف تحديات خطيرة على مستوى القيم والهوية والبنية الثقافية. لذا ينبغي التعامل معها بوعي نقدي، ودمجها في مسارات التربية الرقمية، لضمان توجيهها نحو محتوى هادف يخدم الفرد والمجتمع.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق