السبت، 8 نوفمبر 2025

خليفة مزضوضي: نموذج المثقف العصامي في الفكر المغربي المعاصر

بقلم الدكتور : عقيل درويش من سوريا رئيس اتحاد المثقفين العرب يُعدّ الأستاذ خليفة عمر مزضوضي أحد النماذج البارزة للمثقف العصاميl في المغرب المعاصر، إذ استطاع أن يشق طريقه في ميدان الفكر والمعرفة دون الاتكاء على الامتيازات أو الدعم المؤسساتي، بل اعتمادًا على إرادة صلبة وإيمان عميق بالعلم والعمل والإصلاح الاجتماعي. تشكل تجربته مثالًا حقيقيًا للمثقف الذي جمع بين الموهبة الفطرية والجهد الذاتي، وبين الالتزام الوطني والبعد الإنساني في رؤيته الفكرية. ولد خليفة مزضوضي سنة 1964 في بيئة مغربية تقليدية أمازيغية الأصل، حيث حفظ القرآن الكريم في سنp مبكرة بالكتّاب، ما رسّخ في شخصيته قيم الانضباط والمثابرة والارتباط بالهوية الدينية والثقافية الأصيلة. لم تكن رحلته الدراسية سهلة، لكنها كانت غنية بالدروس والعبر؛ فقد خاضها بإصرار وتحدٍّ، متسلحًا بحب المعرفة وسعيه إلى الارتقاء بالذات رغم محدودية الإمكانيات. ومن هنا يمكن القول إن شخصيته الفكرية تبلورت في سياق نضال يومي ضد الظروف الاجتماعية، ما جعله يرمز إلى نموذج “العصامي المفكر” في الثقافة المغربية. في مساره العلمي والفكري، اهتم مزضوضي بعلم الاجتماع والإصلاح السلوكي، وهما مجالان يلتقي فيهما الوعي النظري مع الممارسة الواقعية. وقد استطاع من خلال كتاباته وأبحاثه أن يربط بين التحليل الاجتماعي والسلوك الإنساني، واضعًا بذلك لبنة فكرية في سبيل فهم الإنسان العربي والمغربي في علاقته بالتحولات الاجتماعية والقيمية. كما ساهم في ترسيخ فكرة أن المثقف ليس مجرد منظّر، بل فاعل اجتماعي يسعى إلى الإصلاح والتوعية والتنوير. يشغل الأستاذ خليفة مزضوضي اليوم منصب مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات، وهو موقع يعكس امتداد جهوده في التكوين والتأطير والمساهمة في بناء الإنسان. ففكره الإصلاحي ينبع من إيمانه بأن التغيير الحقيقي يبدأ من تطوير الوعي وتنمية القدرات الذاتية، وهي رؤية تنسجم مع فلسفة التعليم المستمر التي ميزت مساره الشخصي منذ بداياته. كما أن إشرافه على العديد من الأنشطة الثقافية والتربوية يؤكد انفتاحه على المجتمع وإيمانه بالتفاعل الإيجابي مع قضايا العصر. من جهة أخرى، يمثل مشروعه الفكري تجسيدًا لفكرة “المثقف العضوي” كما عبّر عنها أنطونيو غرامشي، أي المثقف الذي لا ينفصل عن مجتمعه، بل يعيش قضاياه ويعمل من داخله على إصلاحه وتطويره. فمزضوضي يرى أن المثقف الحقيقي هو من يجمع بين المعرفة والمسؤولية، وبين الفكر والعمل، دون أن يفقد جذوره أو ينساق وراء البهرجة الأكاديمية. إنه مثقف يزاوج بين الأصالة والمعاصرة، بين الانتماء الوطني والبعد الإنساني، في زمن تتراجع فيه القيم وتتعقد فيه التحولات. ولعل أبرز ما يميز شخصية خليفة مزضوضي هو الاعتدال والتوازن في مواقفه الفكرية. فهو لا ينحاز إلى التطرف أو الإقصاء، بل يدعو إلى الحوار والاحترام المتبادل بين الثقافات والتيارات الفكرية. كما أنه من المدافعين عن الهوية المغربية المتعددة، باعتبارها مصدر غنى وتنوع، لا صراع أو تباين. في فكره نجد امتدادًا لفلسفة التعايش التي تحتاجها المجتمعات الحديثة. أما على المستوى الإبداعي، فقد أصدر الأستاذ مزضوضي أعمالًا فكرية وإعلامية أبرزها كتابه "أعلام مراكشية وجهوية – 100 شخصية فكرية"، الذي يوثّق لمسار شخصيات فكرية وثقافية مغربية كان لها أثر في المشهد الوطني. ويُعدّ هذا العمل مساهمة توثيقية ومعرفية هامة في حفظ الذاكرة الثقافية المغربية وربط الأجيال بجذورها الفكرية. خلاصة القول، إن شخصية خليفة مزضوضي تجسد نموذج المثقف العصامي الذي جمع بين الفكر والعمل، وبين الالتزام الأخلاقي والوعي الاجتماعي، وبين الأصالة المغربية والانفتاح على القيم الإنسانية. لقد صنع من تجربته الخاصة رسالة فكرية وإنسانية تدعو إلى الإيمان بالذات، وتُبرز أن النجاح لا يصنعه الحظ أو الامتياز، بل الجهد والإصرار والإيمان بالرسالة. إنه بحق أحد الأصوات المغربية الهادئة التي تعمل في صمت، وتترك أثرًا عميقًا في الوعي الجماعي المغربي والعربي..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق