الجمعة، 14 نوفمبر 2025

البيعة بالمملكة المغربية : الأسس التاريخية والشرعية و الدستورية

بقلم : خليفة مزضوضي باحث في علم الاجتماع والنفس مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي....!!! مقدمة : تُعدّ البيعة إحدى الركائز الجوهرية التي يستند إليها النظام السياسي المغربي، حيث تشكّل الإطار الشرعي والدستوري الذي بواسطته تُمنح الشرعية الدينية والسياسية للملكية. ورغم التحولات الكبرى التي عرفتها الدولة المغربية عبر القرون، ظل نظام البيعة ثابتًا، يتكيّف مع السياقات التاريخية ويستمر في أداء وظائفه في حفظ الاستقرار ووحدة الأمة. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل مفهوم البيعة في المغرب من خلال تتبّع جذورها التاريخية، وبيان أسسها الشرعية، ودورها في تشكيل بنية الدولة الحديثة. الفصل الأول: مفهوم البيعة وأصلها الشرعي . 1.1 تعريف البيعة البيعة في الاصطلاح السياسي الإسلامي هي: عقدٌ على الإمامة الكبرى، يلتزم بموجبه المسلمون الطاعة للحاكم في غير معصية، مقابل التزام الحاكم بإقامة العدل وحفظ الدين ورعاية مصالح الأمة. وهي بهذا المفهوم عقد تبادلي ذو طابع ديني وسياسي. 1.2 الأساس الشرعي للبيعة ترتكز البيعة على مجموعة من النصوص الشرعية، من أهمها: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: 59). قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ (الفتح: 10). البيعات التي أخذها النبي ﷺ من الصحابة، مثل بيعة الرضوان . 1.3 البيعة عقدٌ مُلزِم . يُجمع الفقهاء، ومنهم الماوردي وابن خلدون، على أن البيعة تُعد عقدًا مُلزِمًا للطرفين: . الأمة تلتزم بالطاعة. الإمام يلتزم بالعدل ورعاية الشريعة. الفصل الثاني: تطور نظام البيعة في المغرب عبر العصور . 2.1 جذور البيعة في المغرب : عرف المغرب البيعة منذ دخول الإسلام، وتكرّس هذا النظام في: الدولة الإدريسية . المرابطين . الموحدين . المرينيين . السعديين . العلويين (منذ القرن 17م إلى اليوم) وقد كان للبيعة دور أساسي في تثبيت الشرعية السياسية وتوحيد القبائل وإضفاء الصفة الدينية على الحكم. 2.2 البيعة العلوية مع تأسيس الدولة العلوية (1664م)، اكتسبت البيعة طابعًا أكثر رسوخًا، نظرًا لكون السلالة العلوية تنحدر من أهل البيت، مما عزّز بعدها الديني. وتاريخيًا، كانت البيعة تُجدد عند: تولية الملك المناسبات الدينية الأحداث السياسية الكبرى 2.3 أشكال البيعة التقليدية كان شكل البيعة يتضمن: صيغة مكتوبة بخط كبار العلماء توقيع القبائل والعلماء والقضاة طقوس رمزية (مثل تقديم الهدايا، أداء التحية، تلاوة الصيغة) . الفصل الثالث: البيعة في الدولة المغربية الحديثة 3.1 البيعة بعد الاستقلال بعد 1956، أصبح للبيعة إطار دستوري واضح، وظلت مرتبطة بشرعية العرش. وتُعد البيعة الوثيقة الأساسية التي تستند إليها الدولة في: تنظيم السلطة تحديد علاقة الملك بالمؤسسات الحفاظ على وحدة الأمة 3.2 البيعة في الدستور المغربي كرّس دستور المغرب (خاصة 2011) مفهوم البيعة ضمنيًا من خلال: الفصل 41: الملك أمير المؤمنين، وهو الضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية. الفصل 42: الملك رئيس الدولة ورمز وحدة الأمة. الفصل 46: شخص الملك لا تنتهك حرمته. رغم أن كلمة "البيعة" لا تُذكر حرفيًا في الدستور، إلا أن إمارة المؤمنين والشرعية التاريخية التي ينص عليها الدستور تستند مباشرة إلى نظام البيعة. . 3.3 مؤسسات تحت سلطة أمير المؤمنين . البيعة تُترجم في الواقع المؤسساتي من خلال: المجلس العلمي الأعلى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الهيكلة الهرمية للخطباء والفقهاء توحيد الفتوى والخطبة عقيدة الأمة (الأشعرية) ومذهبها (المالكي) الفصل الرابع: وظائف البيعة في المغرب المعاصر . 4.1 ضمان الشرعية الدينية والسياسية . تُعد البيعة الأساس الذي يمنح الملك: الشرعية الدينية (أمير المؤمنين) الشرعية السياسية (رئيس الدولة) الشرعية التاريخية (امتداد الدولة العلوية). 4.2 المحافظة على الوحدة الوطنية ساهم نظام البيعة في: ضمان استمرارية الدولة عبر القرون الحد من النزاعات الداخلية تعزيز مركزية السلطة الشرعية الحفاظ على وحدة المذهب والدين 4.3 حماية الأمن الروحي للمغاربة من خلال إمارة المؤمنين، تضطلع الدولة بـ: حماية الثوابت الدينية محاربة التطرف الديني تكوين الأئمة والمرشدين ترسيخ الاعتدال والوسطية 4.4 البعد الرمزي للبيعة تملك البيعة بُعدًا رمزيًا قويًا يتمثل في: تجديد البيعة بعد وفاة الملك الولاء والالتفاف حول المؤسسة الملكية حضور الملك في الصلوات الرسمية والمناسبات الكبرى خاتمة : تُعد البيعة في المملكة المغربية مؤسسة مركّبة تجمع بين الشرعية التاريخية والدينية والدستورية، وتشكّل أساسًا متينًا لاستمرارية الدولة ووحدة الأمة. وقد استطاعت أن تتكيّف مع تطورات الزمن، من التقليد القبلي والديني إلى الإطار الدستوري الحديث، مع الحفاظ على جوهرها القائم على العقد بين الأمة وأمير المؤمنين. وتبرز البيعة اليوم كآلية فريدة تمنح النظام المغربي خصوصيته واستقراره، وتضمن توازنا بين الشرعية الدينية والممارسة السياسية المعاصرة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق