بقلم : خليفة مزضوضي باحث في علم الاجتماع والنفس مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات والاصلاح السلوكي.منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي....!!!!
مقاربة سوسيولوجية نفسية لرهانات التحول القيمي بالمجتمع المغربي**
مقدمة :
شهد المجتمع المغربي خلال العقود الثلاثة الأخيرة تحوّلات بنيوية عميقة مست جوانب متعددة من البنية الاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية. ومن بين أبرز التحولات التي أثارت نقاشًا واسعًا: تنامي جرأة المرأة المغربية في التعبير، واتخاذ القرار، والمشاركة في الفضاء العام، مقابل تراجع واضح في جرأة الرجل وتزايد مظاهر الارتباك الهوياتي لديه. هذا الواقع دفع العديد من الباحثين إلى التساؤل حول مدى ارتباط هذه الظاهرة بتغير منظومة القيم، أو بتأثير العولمة الرقمية، أو بتحولات الأدوار التقليدية للجنسين.
1. التحولات القيمية والبنائية في المجتمع المغربي
عرف المغرب انتقالًا سريعًا من مجتمع تقليدي محافظ إلى مجتمع حضري مفتوح على أنماط جديدة من العيش. ومع هذا الانتقال، تراجعت مجموعة من القيم التي كانت تضبط السلوك الاجتماعي، خاصة قيم «الحياء» و«الستر» و«الطاعة» في علاقتها بالمرأة.
أهم التحولات المؤثرة:
توسع التعليم لدى الفتيات وارتفاع معدلات ولوجهن إلى الجامعة.
صعود الطبقة الوسطى النسائية واندماج المرأة بسوق الشغل.
بروز خطاب حقوقي قوي يدافع عن مساواة النوع الاجتماعي.
ضعف تأثير مؤسسات الضبط الاجتماعي التقليدية (الأسرة، المسجد، القبيلة...).
2. الثورة الرقمية كفضاء لإعادة تشكيل الشخصية
أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي مجالًا يسمح للمرأة بالتعبير بحرية، وإعادة بناء صورتها الاجتماعية بعيدًا عن السلطة التقليدية للعائلة والمجتمع.
كيف عززت الرقمنة جرأة المرأة؟
منحها منصة للتعبير دون رقابة مباشرة.
خلق نماذج نسائية مؤثرة وجرئية (influencers).
إعادة تعريف مفهوم الحياء باعتباره «قيمة فردية» لا «اجتماعية إلزامية».
اكتساب مهارات التواصل والظهور، ما جعلها أكثر ثقة بنفسها.
في المقابل، تراجع الرجل في الفضاء الرقمي بسبب:
الخوف من الانتقاد.
ضعف مهارات التعبير مقارنة بأجيال نسائية متمرسة في الخطاب الرقمي.
فقدان الامتيازات الرمزية التي كانت له داخل البنية التقليدية.
3. التحولات الاقتصادية ودورها في قلب ميزان القوة الرمزية
المرأة المغربية اليوم أصبحت فاعلًا اقتصاديًا مهمًا:
تعمل وتساهم ماديًا في الأسرة.
تدير مشاريع، وتتقلد مناصب قيادية.
تتمتع باستقلال مالي يمنحها ثقة أكبر وحرية أكبر في اتخاذ القرار.
هذه الاستقلالية خلقت نوعًا من القوة الرمزية التي لم تكن متاحة سابقًا، وأثرت على طريقة حضورها في المجال العام.
4. أزمة الهوية الذكورية وضعف الأدوار التقليدية للرجل
يشير العديد من الباحثين إلى أن الرجل المغربي يعيش ارتباكًا هوياتيًا نتيجة:
ارتفاع البطالة في صفوف الشباب.
ضعف قدرته على لعب دور «المعيل» التقليدي.
الضغط الاقتصادي والاجتماعي.
مقارنة نفسه بالنموذج النسوي الصاعد والواثق.
هذا الارتباك جعل الكثير من الرجال أقل جرأة، وأكثر حذرًا وخوفًا من نقد المجتمع.
5. التغير في مفهوم الحياء: من قيمة اجتماعية إلى قيمة فردية
لم يعد الحياء معيارًا ثابتًا أو محددًا خارجيًا كما كان سابقًا، بل أصبح:
قيمة شخصية تعتمد على رؤية الفرد لذاته.
مرتبطًا بالسياق وليس بنوع الجنس.
يقلّ تأثيره كلما زاد الاندماج في العوالم الرقمية والحداثية.
بالنسبة للمرأة المغربية الجديدة:
الحياء لم يعد منعًا، بل اختيارًا فرديًا، بينما الجرأة أصبحت مرتبطة بالقدرة على التعبير والدفاع عن الذات.
6. الإعلام وصناعة صورة المرأة الجريئة
ساهم الإعلام الوطني والدولي في تكريس صورة المرأة الجريئة من خلال:
المسلسلات والبرامج الاجتماعية.
المشاهير والمؤثرات.
الخطاب الحقوقي والإشهارات التجارية.
وقد أنتج هذا صورة جديدة للمرأة "الفاعلة" بدل صورة المرأة "المطيعة".
خلاصة :
إن جرأة المرأة المغربية اليوم ليست انحلالاً أخلاقيًا، كما يرى بعض الخطابات المحافظة، وليست أيضًا تمردًا غير واعٍ، بل هي نتيجة مباشرة لتغيرات عميقة في بنية المجتمع، ولتطور أدوار النوع الاجتماعي داخل سياقات اقتصادية ورقمية سريعة.
في المقابل، فإن تراجع جرأة الرجل هو عرضٌ لأزمة أعمق تتعلق بالتحولات الاقتصادية والرمزية والثقافية التي أعادت تشكيل الأدوار التقليدية.
وبذلك، يمكن القول إن ما نعيشه ليس «فقدان حياء»، بل تحولاً في معايير الحياء والجرأة داخل مجتمع يتحرك بسرعة نحو الحداثة الرقمية والاجتماعية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق