القرار الصادر عن المحكمة الابتدائية بمراكش في حق عبد الإله الملقب بـ”مول الحوت“ يثير عدة زوايا قانونية مهمة، خاصة في تقاطع حرية التعبير مع حماية الحياة الخاصة والسمعة، إضافة إلى حدود العقوبات التكميلية في الفضاء الرقمي.
أولاً: التكييف القانوني للوقائع
يبدو من منطوق الحكم أن الأفعال المنسوبة للمعني بالأمر تدخل ضمن جرائم القذف أو التشهير أو المس بالحياة الخاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهي أفعال مؤطرة في القانون المغربي سواء في:
القانون الجنائي (الفصول المتعلقة بالقذف والسب).
أو قانون الصحافة والنشر المغربي، الذي ينظم جرائم النشر الإلكتروني.
تقديم شكاية من طرف الدركي المتقاعد الطاهر سعدون يرجح أن المحتوى المنشور تضمن ادعاءات أو معطيات اعتُبرت ماسّة بالشرف أو غير مثبتة قانوناً.
ثانياً: طبيعة العقوبة الحبسية (موقوفة التنفيذ)
الحكم بـ5 أشهر حبسا موقوف التنفيذ يحمل دلالة واضحة:
المحكمة أقرت بثبوت الجرم، لكنها لم ترَ ضرورة لسلب الحرية فعلياً.
هذا النوع من العقوبات يُستعمل غالباً عندما لا يكون المتهم ذا سوابق خطيرة، أو عندما ترى المحكمة إمكانية الردع دون زجّه في السجن.
بمعنى آخر، هو إنذار قضائي أكثر منه عقوبة سالبة للحرية.
ثالثاً: الغرامة المالية والتعويض المدني
الغرامة (30 ألف درهم) تدخل في إطار العقوبة الزجرية.
التعويض (40 ألف درهم) لفائدة عبد الكريم زهرات يعكس الشق المدني، أي جبر الضرر الناتج عن الفعل.
هذا الجمع بين العقوبتين يعكس فلسفة القضاء المغربي في قضايا التشهير:
الردع + جبر الضرر.
رابعاً: المنع من النشر لمدة خمس سنوات (إشكال قانوني مهم)
هذه النقطة هي الأكثر إثارة للنقاش:
المنع من استعمال وسائل التواصل الاجتماعي لمدة 5 سنوات يُعتبر عقوبة تكميلية.
يطرح تساؤلاً حول مدى انسجامه مع حرية التعبير المكفولة دستورياً.
لكن في المقابل، يمكن تبريره قانونياً بكونه:
إجراءً وقائياً لمنع تكرار نفس الفعل.
خاصة إذا اعتبرت المحكمة أن المتهم استعمل المنصات بشكل مسيء ومتكرر.
مع ذلك، يبقى هذا النوع من العقوبات محل جدل فقهي، لأنه قد يُعتبر:
تقييداً واسعاً لحق أساسي.
أو عقوبة غير متناسبة إذا لم تكن محددة بدقة (هل تشمل كل المنصات؟ هل هي مراقبة فعلياً؟).
خامساً: الأمر بحذف الفيديوهات والغرامة التهديدية
الحكم بحذف المحتوى يدخل ضمن إزالة الضرر المستمر.
فرض 200 درهم عن كل يوم تأخير هو ما يسمى قانوناً بـ”الغرامة التهديدية“ (astreinte)، وهي وسيلة لإجبار المحكوم عليه على التنفيذ.
هذا الإجراء يعكس تحول القضاء نحو التعامل الجدي مع المحتوى الرقمي، باعتباره:
ضرراً مستمراً طالما بقي منشوراً.
سادساً: دلالات الحكم في السياق العام
هذا القرار يحمل عدة رسائل:
أن الفضاء الرقمي ليس خارج القانون.
أن حرية التعبير تقف عند حدود عدم المساس بالغير.
أن القضاء بدأ يميل إلى تشديد الرقابة على “المحتوى الشخصي” عندما يتحول إلى أداة للتشهير أو الابتزاز المعنوي.
خلاصة تحليلية
الحكم يجمع بين الطابع الردعي والوقائي، ويعكس توجهاً قضائياً واضحاً نحو ضبط الفضاء الرقمي، لكنه في نفس الوقت يفتح نقاشاً مشروعاً حول:
مدى تناسب العقوبات التكميلية،
وحدود تقييد حرية التعبير في العصر الرقمي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق