بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!
يشكل تمويل الحملات الانتخابية أحد المرتكزات الأساسية لضمان نزاهة العملية الديمقراطية وتكافؤ الفرص بين الفاعلين السياسيين. وفي السياق المغربي، أثارت مصادقة الحكومة على مشروعي مرسومين يتعلقان بمساهمة الدولة في تمويل الحملات الانتخابية للأحزاب السياسية نقاشاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية والسياسية، خاصة في ظل تنامي ظاهرة الأحزاب الصغيرة التي يقتصر حضورها على الفترات الانتخابية. ويطرح هذا النقاش إشكالية مركزية مفادها: إلى أي حد يساهم التمويل العمومي في تعزيز الديمقراطية التعددية، أم أنه قد يؤدي إلى تكريس هشاشة المشهد الحزبي؟
أولاً: الإطار النظري لتمويل الحملات الانتخابية
يستند التمويل العمومي للأحزاب السياسية إلى جملة من المبادئ الديمقراطية، أبرزها:
تكافؤ الفرص بين الأحزاب، خاصة في ظل تفاوت الإمكانيات المالية.
الحد من الفساد السياسي عبر تقليص الاعتماد على التمويلات الخاصة المشبوهة.
تعزيز الشفافية من خلال إخضاع الموارد المالية للمراقبة.
غير أن هذا التمويل يثير إشكالات نظرية، من قبيل:
هل يؤدي الدعم العمومي إلى “ترييع” العمل الحزبي؟
أم أنه يشكل ضرورة لضمان التعددية السياسية؟
ثانياً: الإطار القانوني والمؤسساتي في المغرب
ينظم تمويل الأحزاب السياسية في المغرب مجموعة من النصوص القانونية، أبرزها:
القوانين التنظيمية المتعلقة بالأحزاب السياسية.
النصوص المؤطرة للانتخابات، خاصة انتخابات مجلس النواب.
دور مؤسسات الرقابة مثل المجلس الأعلى للحسابات في تتبع صرف الدعم العمومي.
وقد هدفت المراسيم الحكومية الأخيرة إلى:
تحديد معايير توزيع الدعم.
ربط التمويل بنتائج الأحزاب وعدد الأصوات المحصل عليها.
تعزيز آليات المراقبة والشفافية.
ثالثاً: الأحزاب الصغيرة بين الإكراهات البنيوية ومبررات الوجود
الطرح المنتقد لوجود الأحزاب الصغيرة
يرى هذا الاتجاه أن:
كثرة الأحزاب ذات التمثيلية الضعيفة تؤدي إلى بلقنة المشهد السياسي.
بعض الأحزاب تفتقر إلى امتداد مجتمعي حقيقي، مما يجعلها “أحزاباً موسمية”.
الدعم العمومي قد يتحول إلى عبء على المالية العامة دون مردودية سياسية واضحة.
يساهم ذلك في إضعاف ثقة المواطن في العمل السياسي والمؤسسات التمثيلية.
الطرح المدافع عن التعددية الحزبية
في المقابل، يعتبر هذا الاتجاه أن:
التعددية الحزبية ركيزة أساسية لأي نظام ديمقراطي.
الأحزاب الصغيرة قد تمثل تيارات فكرية أو فئات مجتمعية محددة.
الديمقراطية لا تقاس فقط بحجم الأحزاب، بل بمدى انفتاح النظام السياسي.
إقصاء هذه الأحزاب قد يؤدي إلى احتكار المشهد من طرف قوى كبرى.
رابعاً: تأثير التمويل العمومي على جودة الممارسة الديمقراطية
يمكن تقييم أثر التمويل العمومي من خلال عدة مؤشرات:
على مستوى المشاركة السياسية:
يساهم التمويل في تمكين الأحزاب من تأطير المواطنين وتحفيز المشاركة.
على مستوى التنافسية:
يعزز مبدأ تكافؤ الفرص، لكنه قد يرسخ “أحزاباً ضعيفة” تعتمد على الدعم بدل القاعدة الشعبية.
على مستوى الحكامة:
يرتبط نجاح التمويل بفعالية آليات المراقبة، خاصة دور المجلس الأعلى للحسابات في ضبط الاختلالات.
خامساً: نحو نموذج متوازن لترشيد التمويل الحزبي
لمواجهة الإشكالات المطروحة، يمكن اقتراح مجموعة من الإصلاحات:
ربط التمويل بالأداء السياسي الحقيقي
عدد الأصوات المحصل عليها
مستوى التأطير الحزبي
الحضور الميداني المستمر
إقرار عتبة انتخابية معقولة
تحد من تشتت المشهد دون المساس بجوهر التعددية.
تعزيز الشفافية والمساءلة
تشديد الرقابة على صرف الأموال
فرض عقوبات على المخالفات
تشجيع الاندماج الحزبي
للحد من التشرذم وتقوية الفاعلين السياسيين.
إن الجدل الدائر حول تمويل الحملات الانتخابية في المغرب يعكس مرحلة انتقالية في مسار بناء ديمقراطية متوازنة تجمع بين التعددية والفعالية. فبين من يرى في الأحزاب الصغيرة عبئاً على المشهد السياسي، ومن يعتبرها تجسيداً للتنوع الديمقراطي، يظل التحدي الحقيقي هو إرساء نموذج تمويلي يحقق العدالة والنجاعة في آن واحد. وعليه، فإن إصلاح منظومة التمويل الحزبي يجب أن ينطلق من مقاربة شمولية تراعي خصوصية السياق المغربي وتوازن بين متطلبات التمثيلية السياسية وجودة الأداء الديمقراطي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق