الخميس، 2 أبريل 2026

الجامعة العلمية ابن يوسف بمراكش: من معقل للعلم الشرعي إلى إشعاع حضاري وطني ودولي


 بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

تُعد جامعة ابن يوسف من أبرز المؤسسات التعليمية التقليدية في المغرب، وقد شكلت عبر قرون طويلة مركزًا علميًا وروحيًا ساهم في تكوين النخب الدينية والقضائية والفكرية، مما جعلها رمزًا للتعليم الأصيل ورافدًا أساسيًا للحضارة المغربية الإسلامية.

أولا: التأسيس والنشأة التاريخية

ترجع أصول الجامعة إلى العصر المريني، حيث شُيّدت لأول مرة سنة 1346م في عهد السلطان أبي الحسن المريني، ضمن سياسة الدولة المرينية في دعم التعليم الشرعي ونشر المذهب المالكي .

وفي القرن السادس عشر، أعاد السلطان السعدي عبد الله الغالب بناءها (1564–1565م)، لتصبح في شكلها الحالي واحدة من أكبر المدارس في العالم الإسلامي آنذاك .

ثانيا: المدرسة كمؤسسة للتعليم الأصيل

لم تكن المدرسة مجرد فضاء للدراسة، بل كانت نظامًا جامعًا يجمع بين:

السكن الطلابي (132 غرفة تقريبًا)

التحصيل العلمي

التربية الروحية

وكان التدريس يتم أساسًا في مسجد ابن يوسف المجاور، مما جعلها بمثابة جامعة تقليدية متكاملة .

العلوم التي كانت تُدرّس:

الفقه المالكي

علوم القرآن والتفسير

الحديث الشريف

اللغة العربية (نحو، بلاغة، أدب)

علوم عقلية كالحساب والمنطق

وقد كانت تستوعب المدرسة في أوجها حوالي 800 إلى 900 طالب، قدموا من مختلف مناطق المغرب والمغرب الكبير .

ثالثا: المسار التاريخي للمدرسة عبر العصور

1. العصر المريني (القرن 14م)

تأسيس المدرسة ضمن مشروع نشر العلم.

ربطها بالمؤسسة الدينية (المساجد).

بداية تشكلها كمركز علمي.

2. العصر السعدي (القرن 16م)

إعادة البناء والتوسعة.

بلوغ أوجها العلمي والمعماري.

أصبحت أكبر مدرسة  في المغرب و افريقيا والاندلس .

3. العصر العلوي وما بعده

استمرار دورها العلمي لقرون.

تخريج العلماء والقضاة والفقهاء.

تراجع دورها تدريجيا مع ظهور التعليم العصري.

4. العصر الحديث

إغلاقها كمؤسسة تعليمية سنة 1960 تقريبًا.

تحويلها إلى معلمة تاريخية وثقافية.

إدراجها ضمن التراث العالمي لليونسكو سنة 1985 كجزء من مدينة مراكش .

الاتحاد العربي للإعلام التراثي

رابعا: المدرسة كمركز لإنتاج النخب العلمية

ساهمت مدرسة ابن يوسف في تكوين:

العلماء والفقهاء: الذين نشروا المذهب المالكي في المغرب.

القضاة: الذين تولوا القضاء في مختلف الحواضر.

الأطر الدينية والإدارية: داخل الدولة المغربية.

ورغم أن المصادر لا تحصي قائمة كاملة دقيقة للخريجين، إلا أن المدرسة كانت مرتبطة بشبكة العلماء المرتبطين بـ:

جامعة القرويين بفاس

جامعة ابن يوسف بمراكش (علماء مراكش والأندلس)

وقد شكلت حلقة وصل علمية بين المغرب والأندلس، وأسهمت في تداول المعرفة بين الضفتين . 

خامسا: البعد الوطني والدولي للمدرسة

1. وطنيا

ساهمت في توحيد المرجعية الدينية (المذهب المالكي).

دعمت الدولة في تكوين القضاة والأئمة.

شكلت ركيزة للهوية الدينية المغربية.

2. دوليا

استقطبت طلبة من شمال إفريقيا والأندلس.

كانت مركز إشعاع علمي في الغرب الإسلامي.

تمثل اليوم تراثًا إنسانيًا عالميًا (اليونسكو).

سادسا: العمق الحضاري للمدرسة

مدرسة ابن يوسف ليست مجرد مؤسسة تعليمية، بل:

تجسيد للتكامل بين العلم والدين والعمران

شاهد على ازدهار الحضارة المغربية الإسلامية

نموذج لـ الجامعة التقليدية قبل ظهور الجامعات الحديثة

إن الجامعة  العلمية ابن يوسف بمراكش تمثل إحدى أعمدة التعليم الأصيل في المغرب، حيث لعبت دورًا محوريًا في تكوين النخب العلمية والدينية لقرون طويلة. ورغم تحولها اليوم إلى معلمة تاريخية، فإن إشعاعها العلمي لا يزال حاضرًا في الذاكرة الوطنية والدولية، باعتبارها رمزًا لمرحلة ذهبية من تاريخ العلم في المغرب.

رغم أن المصادر التاريخية لا تقدم لوائح دقيقة وشاملة لكل خريجي جامعة ابن يوسف بمراكش بسبب قدمها وطبيعة التعليم التقليدي، إلا أن هناك عددًا من العلماء والفقهاء الذين درسوا أو ارتبطوا علميًا بها أو بمحيطها العلمي (خصوصًا مسجد ابن يوسف)، ومن أبرزهم:

أولا: علماء وفقهاء بارزون مرتبطون بالمدرسة ومحيطها

محمد بن سليمان الجزولي

صاحب كتاب دلائل الخيرات، ويُعد من أبرز علماء التصوف في المغرب، وقد كان له تأثير علمي وروحي في مراكش، وارتبط بالتدريس في محيطها العلمي.

عبد العزيز التباع

من كبار علماء مراكش، وتتلمذ على يد الجزولي، وكان له حضور علمي قوي في المدينة ومؤسساتها.

أبو العباس السبتي

من أعلام مراكش، عُرف بعلمه وزهده، وكان تأثيره ممتدًا في الحياة العلمية والاجتماعية.

ثانيا: علماء من المدرسة المراكشية الذين يُحتمل مرورهم بها أو التدريس فيها

ابن البناء المراكشي

من كبار علماء الرياضيات والفلك في الغرب الإسلامي، ورغم أنه أقدم زمنيا من البناية السعدية الحالية، إلا أنه يمثل الامتداد العلمي لمراكش.

القاضي عياض

أحد أعلام الفقه المالكي، ورغم ارتباطه أكثر بفاس وسبتة، فإن تأثيره كان حاضرًا في البرامج التعليمية التي دُرست في مدارس مثل ابن يوسف.

ثالثا: علماء مغاربة كبار تأثروا بمنظومة التعليم الأصيل المشابهة لابن يوسف

(حتى إن لم تثبت دراستهم المباشرة بها، فقد كانوا جزءًا من نفس الشبكة العلمية)

أحمد زروق

من كبار علماء الفقه والتصوف، وله تأثير في مناهج التعليم الأصيل.

محمد المهدي الفاسي

من أعلام الفكر المغربي، ويمثل الامتداد العلمي التقليدي.

ملاحظة منهجية مهمة

التعليم في مدرسة ابن يوسف كان مرتبطًا أساسًا بـ مسجد ابن يوسف، حيث كان التدريس يتم في المسجد، بينما كانت المدرسة مخصصة للسكن.

لذلك، فإن كثيرًا من العلماء لم يُنسبوا مباشرة إلى المدرسة كمؤسسة مستقلة، بل إلى الحلقة العلمية المراكشية.

كما أن غياب سجلات رسمية دقيقة يجعل تحديد "خريجين" بالمعنى الحديث أمرًا صعبًا.

خلاصة

جامعة ابن يوسف لم تكن فقط مكانًا لتخريج أفراد، بل كانت:

جزءًا من منظومة علمية متكاملة

ساهمت في تكوين علماء وفقهاء وقضاة

وأثرت في الحياة العلمية بالمغرب لقرون

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق