الاثنين، 20 أبريل 2026

قراءة في رسائل المجلس الوزاري وحدود الفعل الحزبي في تدبير الورش الترابي

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

لم يكن المجلس الوزاري الأخير حدثًا عادياً في السياق السياسي المغربي، بل بدا أقرب إلى لحظة مفصلية تعكس تحولات عميقة في علاقة الدولة بالفعل الحزبي، وفي طريقة تدبير الأوراش الاستراتيجية الكبرى. فخلف اللغة الهادئة التي طبعت البلاغ الرسمي، برزت إشارات قوية تُفهم في سياقها العام كنوع من إعادة ترتيب الأولويات، وربما أيضًا إعادة توزيع الأدوار بين الفاعلين المؤسساتيين.
في الظاهر، حملت تدخلات الملك محمد السادس طابعًا توجيهيًا مطمئنًا، يركز على الاستمرارية وضمان تنفيذ البرامج التنموية، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالموسم الفلاحي وتداعياته على الاقتصاد الوطني. غير أن القراءة المتأنية لما دار داخل المجلس تكشف عن مضمون أعمق، يتجاوز حدود التدبير الظرفي إلى مساءلة ضمنية لنجاعة الأداء الحكومي والحزبي.
أحد أبرز معالم هذا التحول تجسد في العرض الذي قدمه وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، والذي لم يكن مجرد تقرير تقني حول برامج التنمية الترابية، بل حمل في طياته مؤشرات قوية على عودة مركزية القرار الترابي إلى مؤسسة الداخلية، باعتبارها الفاعل الأكثر قدرة على التنزيل الميداني وضمان الالتقائية بين مختلف المتدخلين.
إعلان تعبئة مالية ضخمة تناهز 210 ملايير درهم، موزعة على مدى ثماني سنوات، يطرح أكثر من علامة استفهام. فهذه المدة الزمنية تتجاوز الولاية الحكومية الواحدة، ما يعني أن المشروع يُؤسس لرؤية ممتدة تتخطى الحسابات السياسية الظرفية، وتُعيد التأكيد على دور الدولة كفاعل استراتيجي طويل النفس، في مقابل محدودية الزمن السياسي للأحزاب.
اللافت أيضًا أن هذا “الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية” قُدِّم باعتباره مستندًا إلى حاجيات المواطنين المعبر عنها محليًا، وهو ما يمنح المشروع مشروعية ديمقراطية من حيث المبدأ. غير أن الإشكال الحقيقي يظل في آليات الترجمة الفعلية لهذه الحاجيات، ومدى قدرة المنتخبين المحليين والأحزاب على لعب دور الوسيط الحقيقي بين الدولة والمجتمع.
في هذا السياق، تبدو الرسالة واضحة: هناك نوع من عدم الرضا عن أداء الوساطة الحزبية، سواء على مستوى التأطير أو الترافع أو حتى تنزيل السياسات العمومية. وهو ما يفسر عودة الرهان على الإدارة الترابية كقناة أكثر نجاعة، ولو على حساب منطق التمثيلية السياسية.
هذا التحول يطرح سؤالًا جوهريًا حول مستقبل الفعل السياسي في المغرب: هل نحن أمام مرحلة إعادة تقوية الدولة المركزية في تدبير الشأن الترابي؟ أم أن الأمر يتعلق فقط بتصحيح اختلالات ظرفية في أداء الفاعلين السياسيين؟
الأكيد أن المرحلة المقبلة، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، ستشهد احتدامًا في النقاش حول جدوى النموذج الحزبي الحالي، وحول قدرته على مواكبة التحولات التنموية التي تقودها الدولة. كما أن الرهان سيكون كبيرًا على إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة، وهي الثقة التي يبدو أنها تعرضت لتآكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة.
في المحصلة، لا يمكن قراءة ما جرى في المجلس الوزاري بمعزل عن سياق أوسع يتسم بتسارع التحديات الاقتصادية والاجتماعية، وبتنامي الحاجة إلى نجاعة أكبر في تنفيذ السياسات العمومية. وبين الدولة والأحزاب، يظل المواطن هو الرهان الحقيقي، وهو الحكم النهائي على نجاح أو فشل أي نموذج تنموي.
فهل نحن أمام بداية مرحلة جديدة تعيد رسم حدود الفعل السياسي في المغرب؟ أم مجرد محطة عابرة في مسار إصلاح لم يكتمل بعد؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق