الأحد، 26 أبريل 2026

بين الواقعة والتأويل: قراءة متبصّرة في حادثة باب دكالة بمراكش

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

ما وقع بالقرب من سور باب دكالة بمراكش، والمتعلق بأداء بعض اليهود لشعيرة دينية في فضاء مفتوح، يستدعي بالفعل قراءة هادئة ومتزنة، تُغلّب منطق العقل على ردود الفعل المتسرعة، وتفصل بين الحدث في حد ذاته وبين التأويلات التي أُحيط بها.
أول ما ينبغي التأكيد عليه هو أن المغرب، عبر تاريخه الممتد، لم يكن يوماً فضاءً منغلقاً أو أحادي الهوية، بل شكّل نموذجاً فريداً في التعايش الديني، حيث عاشت الطائفة اليهودية إلى جانب المسلمين في إطار من الاحترام المتبادل، وكانت جزءاً أصيلاً من النسيج الاجتماعي والثقافي. ومراكش، كحاضرة تاريخية، تختزن هذا الإرث في ذاكرتها العمرانية والإنسانية.
غير أن هذا المعطى التاريخي لا يلغي مشروعية التساؤل حول كيفية استعمال الفضاءات العامة، خاصة تلك التي تكتسي طابعاً تاريخياً أو رمزياً مثل سور باب دكالة. فالنقاش حول احترام حرمة هذه الأماكن وصيانتها هو نقاش مشروع، بل ضروري، لكنه ينبغي أن يظل في إطاره الطبيعي، أي إطار تدبير الشأن العام وفق القانون، لا أن ينزلق إلى تأويلات متسرعة تُحمّل الواقعة أكثر مما تحتمل.
إن القفز مباشرة إلى توصيفات من قبيل “الاستيطان” أو “الاستعمار” يفتقر إلى سند واقعي في هذا السياق، ويُسهم في خلق توتر غير مبرر. فالدولة المغربية تتوفر على مؤسسات قائمة تضبط استعمال الملك العمومي، وتراقب الأنشطة التي تُمارس في الفضاءات المفتوحة، وأي تجاوز – إن ثبت – يظل خاضعاً للمساطر القانونية، وليس لردود الفعل العاطفية أو حملات التأجيج.
وإذا كان الحدث في حد ذاته محدوداً، فإن ما فاقم من وقعه هو طريقة تداوله، حيث لعبت بعض المنصات الرقمية دوراً في تضخيمه، وربطه بسياقات سياسية أو دينية خارجية، بل واستثماره من طرف جهات تسعى إلى خلق حالة من الاحتقان أو تصفية حسابات رمزية. وهنا تتجلى خطورة الفضاء الرقمي حين يتحول من وسيلة للإخبار إلى أداة لإنتاج التوتر.
إن المقاربة الحكيمة تقتضي اليوم التمييز بين مستويين: مستوى قانوني تدبيري، تتكفل به الجهات المختصة لتقييم ما إذا كان هناك خرق في استعمال الفضاء، ومستوى مجتمعي قيمي، يفرض علينا جميعاً رفض الانزلاق نحو خطاب الكراهية أو الصراع الديني، لأن ذلك يمس جوهر الاستقرار والتعايش الذي راكمه المغرب عبر قرون.
وعليه، فإن ما جرى يبدو أقرب إلى واقعة معزولة أو ربما سوء تقدير في اختيار الفضاء، لا إلى مؤشر على تحول استراتيجي أو تهديد بنيوي. وتضخيمها بهذا الشكل لا يخدم سوى خطابات التشكيك والفرقة، بينما يظل الرهان الحقيقي هو الحفاظ على توازن دقيق بين احترام القانون وصون التعدد، وبين حماية الفضاء العام وترسيخ ثقافة العيش المشترك.
إن الحكمة اليوم ليست في رفع منسوب التخويف، بل في ترسيخ الوعي، والاحتكام إلى المؤسسات، وتحصين المجتمع من الانجرار وراء قراءات متشنجة، لأن قوة المغرب كانت دائماً في اعتداله، وفي قدرته على استيعاب الاختلاف دون أن يفقد تماسكه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق