السبت، 18 أبريل 2026

قراءة تحليلية في مقتضيات مشروع القانون 59.21 المنظمة للتعليم الخصوصي بالمغرب

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

يشكّل التعليم الخصوصي في المغرب مكوّناً أساسياً داخل المنظومة التربوية الوطنية، حيث أصبح يستقطب نسبة متزايدة من التلاميذ نتيجة اختلالات التعليم العمومي وتنامي الطلب الاجتماعي على الجودة. وفي هذا السياق، جاء مشروع القانون 59.21 كآلية تشريعية لإعادة تأطير هذا القطاع وضبط توازناته، عبر الانتقال من منطق السوق إلى منطق المرفق التربوي ذي البعد الحقوقي.

أولاً: إلزامية المشروع التربوي المندمج (الدعم النفسي والتربوي والنظام الداخلي)

ينص القانون على ضرورة توفر كل مؤسسة تعليمية خصوصية على مشروع تربوي مندمج يتضمن:

وحدات للدعم النفسي

وحدات للدعم التربوي

نظام داخلي واضح

إحداث جمعية آباء وأولياء التلاميذ

تحليل:

هذا التوجه يعكس انتقالاً نوعياً من مدرسة تقليدية تركز على التحصيل المعرفي فقط، إلى مدرسة دامجة تراعي الجوانب النفسية والاجتماعية للتلميذ. وهو ما يتقاطع مع:

المقاربة الحقوقية (الحق في تعليم جيد ومنصف)

المقاربة السوسيولوجية (المدرسة كفضاء لإعادة إنتاج القيم الاجتماعية)

كما أن إدماج الدعم النفسي يستجيب لواقع تفشي اضطرابات التعلم والضغط المدرسي، خاصة في المؤسسات التي تعتمد المنافسة الشديدة.

ثانياً: البنية التحتية الرياضية كشرط للجودة

ألزم القانون المؤسسات بـ:

توفير ملاعب رياضية

تجهيز مرافق لتغيير الملابس

العناية بالأنشطة البدنية

تحليل:

هذا المقتضى يعكس وعياً متزايداً بوظيفة المدرسة في بناء شخصية متوازنة، وليس فقط عقل معرفي. فالرياضة:

تعزز الصحة النفسية والجسدية

تنمي روح الفريق والانضباط

تقلل من السلوكيات المنحرفة

غير أن الإشكال المطروح يتمثل في قدرة المؤسسات الصغيرة، خصوصاً في المدن المكتظة، على توفير هذه البنيات، مما قد يخلق تفاوتاً طبقياً بين المؤسسات.

ثالثاً: إلزامية المنح الدراسية (البعد الاجتماعي للتعليم الخصوصي)

يفرض القانون تخصيص:

تلميذين إلى ثلاثة بكل قسم

من أبناء الأسر المعوزة

مع توفير التعليم والأدوات مجاناً

تحليل:

هذا الإجراء يحمل بعداً تضامنياً واضحاً، ويهدف إلى:

تقليص الفوارق الاجتماعية

تعزيز مبدأ تكافؤ الفرص

إدماج الفئات الهشة داخل التعليم الخصوصي

غير أن تطبيقه يطرح تحديات:

كيفية تحديد الأسر المستفيدة (معايير الاستحقاق)

مخاطر التحايل أو الزبونية

محدودية الأثر إذا لم يتم توسيع النسبة

رابعاً: تقنين المقررات الدراسية واحترام الثوابت الوطنية

ألزم القانون المؤسسات بـ:

مراعاة القدرة الشرائية للأسر

توحيد المراجع وجعلها متوفرة

احترام الثوابت الوطنية:

الدستور المغربي

النظام الملكي

الوحدة الترابية

الهوية الثقافية والدينية

تحليل:

هذا البند يندرج ضمن:

حماية السيادة الثقافية

مواجهة تغوّل بعض المناهج الأجنبية

الحد من “تسليع” المقررات الدراسية

كما يعكس محاولة لتحقيق التوازن بين:

الانفتاح على اللغات والمناهج الدولية

الحفاظ على الهوية الوطنية

خامساً: نظام العقوبات والغرامات

حدد القانون غرامات تتراوح بين:

10.000 و50.000 درهم في المخالفة الأولى

20.000 إلى 100.000 درهم عند التكرار

5.000 إلى 20.000 درهم في حالة تشغيل أطر غير مؤهلة

تحليل:

هذا التدرج في العقوبات يعكس:

إرادة الدولة في ضبط القطاع

الانتقال من “الفوضى التنظيمية” إلى “الحكامة التربوية”

غير أن فعالية هذه العقوبات رهينة بـ:

صرامة المراقبة

استقلالية لجان التفتيش

الشفافية في تطبيق القانون

سادساً: دور واختصاصات جمعية آباء وأولياء التلاميذ

تُعتبر جمعية الآباء فاعلاً أساسياً داخل المؤسسة، وتتمثل مهامها في:

1. أدوار تمثيلية:

تمثيل أولياء الأمور أمام الإدارة

نقل انشغالات الأسر

2. أدوار تربوية:

المساهمة في تحسين جودة التعليم

دعم الأنشطة الثقافية والتربوية

خلف أنشطة تربوية وثقافية ومسابقات وفضاءات فنية وثقافية داخل المؤسسة

3. أدوار رقابية:

تتبع احترام المؤسسة لالتزاماتها

مراقبة بعض الجوانب المرتبطة بالخدمات

4. أدوار اجتماعية:

دعم التلاميذ المعوزين

تعزيز التضامن داخل المؤسسة

تحليل:

يعكس إشراك الجمعية توجهاً نحو:

الحكامة التشاركية

ديمقراطية المدرسة

تقوية العلاقة بين الأسرة والمؤسسة

غير أن فعاليتها تبقى مشروطة بـ:

استقلاليتها عن إدارة المؤسسة

وعي الآباء بأدوارهم

عدم تحولها إلى هيئة شكلية

ختاما : يمكن القول إن مشروع القانون 59.21 يمثل محاولة جدية لإعادة هيكلة التعليم الخصوصي بالمغرب وفق رؤية تقوم على:

الجودة التربوية (الدعم النفسي والتربوي)

العدالة الاجتماعية (المنح الدراسية)

الحكامة (العقوبات والمراقبة)

الهوية الوطنية (تقنين المقررات)

غير أن نجاح هذا الإصلاح يظل رهيناً بمدى تنزيله الفعلي على أرض الواقع، وتوفر إرادة سياسية قوية، وآليات مراقبة فعالة، إضافة إلى انخراط جميع الفاعلين: الدولة، المؤسسات، الأسر، والمجتمع المدني.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق