الخميس، 23 أبريل 2026

الدلاقشية: حين تُباع الديمقراطية في سوق النخاسة الانتخابية

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

في كل موسم انتخابي، ومع اقتراب الاستحقاقات التشريعية والجماعية، يطفو على سطح المشهد السياسي المغربي كائن انتخابي غريب، لا هو فاعل سياسي حقيقي ولا هو مواطن واعٍ بحقوقه وواجباته، بل هو كائن موسمي يُستدعى عند الحاجة ويُختفى به بعد أداء المهمة. إنهم “الدلاقشية” — التسمية الشعبية التي تختزل ظاهرة خطيرة تنخر جسد العملية الديمقراطية من الداخل.
الدلاقشية ليسوا مجرد أفراد عابرين، بل هم تجلٍ لثقافة سياسية مأزومة، حيث تتحول المواطنة إلى سلعة، والصوت الانتخابي إلى ورقة نقدية، والكرامة إلى رقم في معادلة الفساد. إنهم أولئك الذين يملؤون الفضاءات صراخًا وبكاءً على أوضاعهم الاجتماعية طوال سنوات، لكنهم، وبمجرد أن تلوح في الأفق أموال الحملات الانتخابية، يتحولون إلى أدوات طيّعة في يد سماسرة السياسة.
من الاحتجاج إلى الارتزاق السياسي
كيف يمكن لمواطن قضى سنوات يشتكي من غلاء المعيشة، من ارتفاع أسعار الوقود، من التهاب أثمان المواد الغذائية، ومن تآكل قدرته الشرائية، أن يبيع صوته مقابل 100 أو 200 درهم؟
أليست هذه مفارقة صادمة تكشف عن عمق الأزمة القيمية قبل أن تكون أزمة اقتصادية؟
الدلاقشي، في جوهره، ليس فقط ضحية الفقر، بل أحيانًا شريك في تكريس الرداءة. فهو حين يبيع صوته، لا يبيع ورقة انتخابية فحسب، بل يوقع على عقد إذعان لخمس سنوات من التهميش، ويمنح الشرعية لمن قد يواصل نهب المال العام أو تعميق الفوارق الاجتماعية.
الدلاقشية الرقمية: الدباب الإلكتروني في خدمة الزيف
لم تعد الظاهرة محصورة في الأحياء الشعبية أو القرى المهمشة، بل امتدت إلى العالم الافتراضي، حيث ظهر جيل جديد من “الدلاقشية الرقميين”. هؤلاء لا يتقاضون دائمًا المال المباشر، لكنهم يمارسون دورًا أخطر: تزييف الوعي.
يقومون بتلميع صور مرشحين، وتبرير إخفاقاتهم، والهجوم على خصومهم، ونشر الأخبار المضللة. فيجعلون من الفاسد مصلحًا، ومن الانتهازي رجل دولة، ومن الكفاءة تهمة. إنها حرب ناعمة، لكنها مدمرة، لأنها تستهدف عقول الناخبين قبل صناديق الاقتراع.
سماسرة الانتخابات: المهندسون الخفيون للفساد
وراء كل دلاقشي، يوجد سمسار انتخابات، ووراء كل سمسار، شبكة مصالح معقدة تستفيد من استمرار هذا الوضع. هؤلاء لا يبحثون عن برامج أو رؤى، بل عن “كتلة تصويتية قابلة للشراء”.
إنهم يحولون الانتخابات من آلية ديمقراطية إلى مزاد علني، حيث يفوز من يدفع أكثر، لا من يقنع أكثر.
هل الدلاقشية ظاهرة أم عرض لمرض أعمق؟
من السهل إدانة “الدلاقشية”، لكن من الضروري أيضًا طرح السؤال الأعمق: هل هم السبب أم النتيجة؟
الحقيقة أن هذه الظاهرة هي عرض لمرض مركب:
هشاشة اجتماعية واقتصادية
ضعف التربية على المواطنة
تراجع الثقة في العمل السياسي
غياب المحاسبة الصارمة للمفسدين
حين يشعر المواطن أن صوته لا يغير شيئًا، يصبح مستعدًا لبيعه. وحين تغيب العدالة، تُستباح القيم.
بين المسؤولية الفردية والإصلاح البنيوي
لا يمكن تبرير بيع الضمير، مهما كانت الظروف. فالمواطنة مسؤولية قبل أن تكون حقًا. لكن، في المقابل، لا يمكن مواجهة الظاهرة فقط بالخطاب الأخلاقي، بل يتطلب الأمر إصلاحًا عميقًا:
تجريم صارم وفعلي لشراء الأصوات
تعزيز الشفافية في تمويل الحملات
تربية سياسية تبدأ من المدرسة
تمكين اقتصادي يقلص هشاشة الفئات الهشة
إعلام مسؤول يفضح ولا يلمّع
خاتمة: حين يصمت الضمير… تتكلم الدراهم
الدلاقشية ليسوا مجرد ظاهرة موسمية، بل مرآة تعكس اختلالًا عميقًا في العلاقة بين المواطن والسياسة.
وحين يصبح الصوت الانتخابي سلعة، تتحول الديمقراطية إلى واجهة شكلية، وتُفرغ المؤسسات من معناها.
إن المعركة الحقيقية ليست فقط ضد “الدلاقشية”، بل ضد كل منظومة تُنتجهم وتستفيد منهم.
فإما أن نعيد الاعتبار لقيمة الصوت، أو نقبل بأن تُدار أوطاننا بمنطق “من يدفع أكثر… يحكم أكثر”.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق