الجمعة، 24 أبريل 2026

العدالة الجنائية في العصر الرقمي: بين حماية الحياة الخاصة وتجريم الاستدراج الإلكتروني في القانون المغربي

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!


مع الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت الهواتف الذكية ومنصات الدردشة أدوات يومية للتواصل، لكنها في المقابل تحولت إلى فضاءات محتملة لانتهاك الخصوصية واستدراج الأفراد في مواقف قانونية خطيرة. وقد تدخل المشرّع عبر القانون الجنائي المغربي لتقنين هذه الأفعال وتجريمها، خاصة من خلال الفصول المرتبطة بحماية الحياة الخاصة ومكافحة الجرائم الإلكترونية.

أولاً: الإطار القانوني لحماية الحياة الخاصة

أقرّ القانون الجنائي المغربي حماية صارمة للحياة الخاصة، خاصة بعد التعديلات التي أدخلت بموجب القانون رقم 103.13.

🔹 تنص الفصول 447-1 و447-2 و447-3 على تجريم:

تسجيل أو بث أو توزيع أقوال أو معلومات صادرة بشكل خاص دون موافقة صاحبها

التقاط أو نشر صور شخص في مكان خاص دون إذنه

 العقوبات:

الحبس من 6 أشهر إلى 3 سنوات

غرامة من 2000 إلى 20000 درهم

 ويشمل ذلك كل الوسائط الإلكترونية، مثل تطبيقات التراسل الفوري ومنصات التواصل الاجتماعي.

ثانياً: جريمة الاستدراج الإلكتروني (Luring)

لا ينص القانون المغربي على مصطلح “الاستدراج” بشكل صريح، لكنه يُجرّم الأفعال المرتبطة به بحسب النية والنتائج.

1. الاستدراج بغرض الابتزاز

حين يتم استدراج الضحية إلى محادثة أو وضع معين بهدف:

الحصول على صور أو تسجيلات خاصة

ثم تهديده بنشرها

 يُكيف الفعل كـ:

جريمة ابتزاز

 العقوبة:

الحبس من سنة إلى 5 سنوات

وغرامة مالية، وقد تتضاعف حسب خطورة الفعل

2. الاستدراج بغرض التشهير

إذا تم نشر محتوى خاص أو محادثات بهدف الإساءة للضحية:

 يُكيف كـ:

قذف أو تشهير

أو نشر معطيات شخصية دون موافقة

 العقوبات:

تختلف حسب الحالة، وقد تصل إلى الحبس والغرامة

3. الاستدراج عبر انتحال صفة

إذا استعمل الجاني هوية مزيفة أو حساباً وهمياً للإيقاع بالضحية:

 يُكيف كـ:

نصب إلكتروني أو انتحال صفة

 العقوبة:

قد تصل إلى 5 سنوات حبسا حسب الفصول المتعلقة بالنصب

ثالثاً: خطورة نشر التسجيلات والصور

حتى في الحالات التي يتم فيها الحصول على التسجيل أو الصورة، فإن:

نشرها دون موافقة صاحبها يُعد جريمة مستقلة

 بمعنى:

يمكن أن يُدان الشخص مرتين:

على التسجيل غير المشروع

وعلى النشر أو التوزيع

رابعاً: الاستثناءات القانونية

يسمح القانون ببعض أشكال التسجيل أو المراقبة في حالات محددة:

 إذا تم ذلك:

بإذن من النيابة العامة

وفي إطار تحقيق قضائي

 مثل عمليات التتبع أو التلبس التي تقوم بها الضابطة القضائية.

خامساً: بين الحرية الرقمية والمسؤولية الجنائية

رغم أن وسائل التواصل الاجتماعي تُعد مجالاً للتعبير الحر، فإن هذا الحق ليس مطلقاً. فالقانون يوازن بين:

حرية التعبير

وحق الأفراد في الخصوصية والكرامة

 وبالتالي:

لا يمكن تبرير تصوير أو تسجيل شخص دون علمه

ولا نشر محتوى خاص تحت ذريعة “فضح” أو “كشف الحقيقة”

أصبح الفضاء الرقمي امتداداً للحياة الواقعية، مما استدعى تحديث الترسانة القانونية لحماية الأفراد من الانتهاكات الجديدة. ويُظهر القانون الجنائي المغربي حِرصاً واضحاً على تجريم التسجيل غير المشروع والاستدراج الإلكتروني، مع فرض عقوبات رادعة.

غير أن التحدي الأكبر يظل في نشر الوعي القانوني لدى المستخدمين، لأن ضغطة زر واحدة قد تتحول من فعل عادي إلى جريمة يعاقب عليها القانون.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق