.
بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!تُعد قضية الصحراء المغربية من أبرز القضايا الجيوسياسية في شمال إفريقيا، حيث تتداخل فيها الأبعاد التاريخية والقانونية والسياسية. ولا يمكن مقاربة هذا الملف بمعزل عن السياق التاريخي الذي يبرز طبيعة الروابط التي جمعت بين القبائل الصحراوية والدولة المغربية، ولا عن التطورات الدولية التي أسهمت في إعادة تشكيل مواقف الفاعلين الدوليين تجاه هذه القضية.
أولاً: الامتداد التاريخي وروابط البيعة
تشير العديد من الدراسات التاريخية والوثائق الرسمية إلى أن العلاقة بين الصحراء والدولة المغربية لم تكن مجرد ارتباط جغرافي، بل تأسست على نظام البيعة، الذي شكّل أحد أعمدة الشرعية السياسية في المغرب.
فقد دأبت القبائل الصحراوية على تقديم البيعة لسلاطين الدولة العلوية، وهو ما تؤكده الظهائر السلطانية والمراسلات التاريخية، التي تعكس ممارسة فعلية للسلطة المركزية في تلك المناطق.
ويُعد نظام البيعة في السياق المغربي آلية سياسية ودينية تُجسد وحدة الأمة واستمرارية الدولة، حيث لا تقتصر على الولاء الرمزي، بل تمتد لتشمل مظاهر السيادة، مثل تعيين القضاة والولاة، وتنظيم الشؤون الدينية والتجارية.
ثانياً: الأساس القانوني الدولي
يكتسي البعد القانوني أهمية محورية في تحليل قضية الصحراء المغربية، خاصة في ضوء رأي محكمة العدل الدولية الصادر سنة 1975.
فقد خلص هذا الرأي إلى وجود روابط قانونية وولاء (بيعة) بين سكان الصحراء وسلاطين المغرب، وهو ما يدحض فرضية "الأرض بلا سيادة" التي كانت تُستخدم لتبرير الطروحات الانفصالية.
ورغم أن المحكمة لم تُقر بسيادة كاملة وفق المفهوم الغربي الحديث للدولة، فإنها أكدت بشكل واضح وجود روابط قانونية ذات طابع سياسي وديني، وهو ما يُعد سنداً تاريخياً وقانونياً مهماً في الطرح المغربي.
ثالثاً: المسيرة الخضراء كتحول مفصلي
شكلت المسيرة الخضراء محطة حاسمة في مسار استرجاع الأقاليم الجنوبية، حيث عبّرت عن تعبئة شعبية سلمية غير مسبوقة، جمعت بين الشرعية التاريخية والإرادة الشعبية.
وقد حظيت هذه المبادرة بإشادة دولية واسعة، باعتبارها نموذجاً لحل النزاعات بالوسائل السلمية، وأسهمت في إنهاء الوجود الاستعماري الإسباني بالمنطقة، وفتح مرحلة جديدة في تدبير هذا الملف.
رابعاً: مبادرة الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية
في سياق البحث عن حل سياسي دائم، قدمت المملكة المغربية سنة 2007 مبادرة الحكم الذاتي، التي حظيت بدعم متزايد داخل مجلس الأمن الدولي، حيث وُصفت بأنها "جدية وذات مصداقية".
وترتكز هذه المبادرة على منح الأقاليم الجنوبية صلاحيات واسعة في تدبير شؤونها المحلية، مع الحفاظ على السيادة الوطنية والوحدة الترابية، وهو ما يجعلها مقترحاً توفيقياً يجمع بين متطلبات الاستقرار وخصوصيات المنطقة.
خامساً: التفاعلات الدولية والإقليمية
شهدت السنوات الأخيرة تحولاً ملحوظاً في مواقف عدد من الدول، التي عبرت عن دعمها للمبادرة المغربية، سواء عبر الاعتراف أو فتح تمثيليات دبلوماسية في الأقاليم الجنوبية.
في المقابل، تواصل بعض الأطراف الإقليمية المعادية لوحدتنا الوطنية دعم الطرح الانفصالي، خاصة من خلال مساندة جبهة البوليساريو، وهو ما يعكس استمرار التباين في الرؤى حول سبل حل النزاع. غير أن هذا التوجه يواجه بتراجع نسبي أمام تنامي الدعم الدولي للحل السياسي الواقعي.
سادساً: البعد التنموي وتعزيز الاندماج
إلى جانب المسار السياسي، اعتمد المغرب نموذجاً تنموياً جديداً للأقاليم الجنوبية، شمل مشاريع كبرى في البنية التحتية والطاقة والاستثمار، مما ساهم في تعزيز الاندماج الاقتصادي والاجتماعي للمنطقة.
وقد أضحت هذه الأقاليم قطباً استراتيجياً يربط المغرب بعمقه الإفريقي، ويعكس تحول القضية من مجرد نزاع إقليمي إلى ورش تنموي متكامل.
يتضح من خلال هذا التحليل البسيط أن قضية الصحراء المغربية كانت ترتكز على تداخل معقد بين الشرعية التاريخية والأسس القانونية والتحولات السياسية الدولية.
اما اليوم : فروابط البيعة، ورأي محكمة العدل الدولية، والمبادرات السياسية الحديثة الحكم الذاتي ، كلها عناصر تُشكل دعائم أساسية في الموقف المغربي.
وفي ظل التحولات الدولية الراهنة، يبدو أن الحل السياسي الواقعي الوحيد هو الحكم الذاتي، يظل الخيار الأكثر قابلية للتطبيق، خاصة في ظل تزايد الدعم الدولي للمبادرات التي توازن بين السيادة والاستقرار الإقليمي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق