الأحد، 26 أبريل 2026

من السياسة إلى البندقية: سقوط القناع عن البوليساريو في ساحلٍ مشتعل

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام  للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

لم يعد ما يجري في عمق منطقة الساحل مجرد تطورات معزولة أو صراعات محلية محدودة، بل أصبح جزءاً من مشهد جيوسياسي معقد يعيد رسم موازين القوة والتحالفات في شمال وغرب إفريقيا. بين ليلة وضحاها، سقط القناع عن ما كان يُقدم لسنوات طويلة كـ"عمل سياسي"، ليظهر وجه عسكري صريح، عنوانه العنف والانخراط المباشر في بؤر التوتر.

الأرقام الأخيرة الصادمة، التي تتحدث عن سقوط أكثر من 700 قتيل في صفوف عناصر مرتبطة بجبهة البوليساريو خلال مواجهات دامية شمال مالي، لا يمكن التعامل معها كمعطى عابر. نحن أمام مؤشر خطير يكشف حجم التورط في نزاعات مسلحة خارج الإطار الذي طالما ادّعت الجبهة التموقع داخله. هذا التحول النوعي يطرح أسئلة جوهرية: هل فقدت الجبهة بوصلتها السياسية؟ وهل تحولت فعلاً إلى فاعل عسكري في صراعات إقليمية معقدة؟

لماذا الآن؟ ولماذا مالي؟

التحولات الأخيرة في موقف باماكو تبدو مفتاحاً لفهم هذا التصعيد. فاختيار مالي التعبير بشكل واضح عن دعمها للوحدة الترابية للمغرب لم يمر دون ردود فعل. الرد، كما يبدو من المعطيات الميدانية، لم يكن سياسياً أو دبلوماسياً، بل جاء عبر تصعيد عسكري غير مباشر في مناطق التماس الهشة شمال البلاد.

المثير في هذا السياق هو ما يتم تداوله حول تداخل الأدوار بين مقاتلين ينتمون إلى حركات محلية مثل "جبهة تحرير أزواد"، وعناصر يُشتبه في قدومها من مخيمات تندوف. هذا التداخل يعزز المخاوف التي لطالما عبّرت عنها تقارير دولية بشأن إمكانية تحول هذه المخيمات إلى بيئة خصبة لتغذية النزاعات المسلحة، سواء عبر التجنيد أو الدعم اللوجستي.



من ورقة سياسية إلى "بندقية للإيجار"؟

إذا صحت هذه المؤشرات، فإننا أمام تحول استراتيجي خطير في طبيعة الجبهة، من فاعل سياسي يسعى – نظرياً – إلى تسوية نزاع إقليمي، إلى كيان عسكري منخرط في صراعات متعددة الأبعاد. هذا التحول لا يهدد فقط استقرار المنطقة، بل يقوض أيضاً ما تبقى من شرعية خطابها السياسي على الساحة الدولية.

في المقابل، يبرز خيار آخر في المنطقة، تقوده المملكة المغربية، قائم على مقاربة تنموية وشراكات استراتيجية، من خلال مبادرات مثل الانفتاح الأطلسي على دول الساحل، التي تسعى إلى فك العزلة الجغرافية وتعزيز الاندماج الاقتصادي. هذا التباين بين منطق البناء ومنطق الهدم يضع الفاعلين الإقليميين والدوليين أمام مسؤوليات واضحة.

الساحل بين مفترق طرق

اليوم، لم يعد الاستقرار في منطقة الساحل خياراً مؤجلاً أو ترفاً سياسياً، بل أصبح ضرورة ملحة تفرضها التحديات الأمنية والاقتصادية المتداخلة. المنطقة تقف عند مفترق طرق: إما الانخراط في مسارات التنمية والتكامل، أو الانزلاق أكثر نحو دوامة العنف والتفكك.

في هذا السياق، يبدو أن مقترح الحكم الذاتي الذي يطرحه المغرب يواصل تعزيز موقعه كخيار واقعي يحظى بدعم متزايد، في مقابل تراجع أطروحات أخرى باتت مرتبطة، في نظر العديد من المتابعين، بعدم الاستقرار والتصعيد.

خلاصة القول : ما يحدث اليوم في شمال مالي ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل رسالة سياسية بامتياز: زمن الغموض قد انتهى، والتحولات الميدانية تفرض إعادة قراءة عميقة لطبيعة الفاعلين في المنطقة. وبين من يراهن على التنمية ومن يستثمر في الفوضى، ستتحدد ملامح المرحلة المقبلة في الساحل والصحراء.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق