الجمعة، 29 مايو 2026

“خَلِّيه إبَعْبَع” بين الخطاب السياسي والتحولات الاجتماعية: قراءة نقدية في أزمة الثقة وتآكل القدرة الشرائية بالمغرب

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!


عرف المغرب خلال السنوات الأخيرة تحولات اقتصادية واجتماعية عميقة، ارتبطت بشكل مباشر بارتفاع معدلات التضخم، وتراجع القدرة الشرائية، واتساع دائرة الشعور بعدم الرضا الشعبي تجاه الأداء الحكومي. وقد أفرز هذا الواقع خطاباً مجتمعياً جديداً، اتخذ من السخرية واللغة الشعبية وسيلة للتعبير عن الاحتقان وفقدان الثقة في المؤسسات والسياسات العمومية.

ومن بين أبرز التعبيرات التي انتشرت في التداول الشعبي والإعلامي عبارة “خَلِّيه إبَعْبَع”، التي تحولت من مجرد تعبير ساخر إلى اختزال رمزي لحالة اجتماعية ونفسية يعيشها المواطن المغربي في ظل تعقّد الأوضاع المعيشية وارتفاع تكاليف الحياة، خصوصاً خلال المناسبات الدينية والاجتماعية الكبرى، وفي مقدمتها عيد الأضحى.

إن هذه العبارة الشعبية لا يمكن فهمها فقط باعتبارها نكتة عابرة أو تعبيراً فكاهياً، بل بوصفها مؤشراً سوسيولوجياً يعكس أزمة ثقة عميقة بين المواطن والخطاب السياسي، ويكشف عن انتقال الاحتجاج من المجال التقليدي إلى المجال الرمزي والثقافي.

أولاً: التحولات الاقتصادية وتراجع القدرة الشرائية

شهد الاقتصاد المغربي خلال السنوات الأخيرة ضغوطاً متعددة، ارتبطت بالسياق الدولي وما رافقه من أزمات متلاحقة، كارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب سلاسل التوريد، والتغيرات المناخية التي أثرت بشكل مباشر على القطاع الفلاحي والإنتاج الحيواني.

وقد انعكست هذه التحولات على الحياة اليومية للمواطن، حيث ارتفعت أسعار المواد الأساسية بشكل غير مسبوق، وأصبح اقتناء الأضحية يشكل عبئاً اقتصادياً حقيقياً بالنسبة لشرائح واسعة من المجتمع.

ولم تعد أزمة عيد الأضحى مجرد إشكال موسمي مرتبط بارتفاع أسعار الأغنام، بل تحولت إلى قضية ذات أبعاد اجتماعية ونفسية، لأن الأضحية في الثقافة المغربية تتجاوز بعدها الاستهلاكي لتلامس البعد الرمزي المرتبط بالكرامة والانتماء الاجتماعي والشعور بالمشاركة الجماعية.

ثانياً: “خَلِّيه إبَعْبَع” كخطاب احتجاجي جديد

أفرزت الأزمة الاقتصادية لغة احتجاجية جديدة داخل الفضاء العمومي المغربي، اعتمدت على السخرية والتهكم كآلية للتنفيس الجماعي ومواجهة الإحباط السياسي.

وفي هذا السياق برزت عبارة “خَلِّيه إبَعْبَع” باعتبارها تعبيراً شعبياً مكثفاً، يحمل في طياته دلالات متعددة، منها:

رفض الخطاب الرسمي الذي يقلل من حجم الأزمة.

السخرية من الوعود السياسية غير المحققة.

التعبير عن العجز الجماعي أمام الارتفاع المتواصل للأسعار.

تحويل المعاناة اليومية إلى مادة نقدية ساخرة.

لقد أصبحت هذه العبارة تمثل شكلاً من أشكال “المقاومة الرمزية”، حيث يلجأ المواطن إلى اللغة الساخرة للتعبير عن فقدان الثقة في الخطابات السياسية والاقتصادية الرسمية.

ثالثاً: أزمة التواصل السياسي وفقدان المصداقية

تُعد أزمة التواصل من أبرز الإشكالات التي عمّقت الهوة بين الحكومة والمواطن. فبدل تقديم حلول عملية ومقنعة، اتسم الخطاب السياسي في كثير من الأحيان بمحاولة طمأنة الرأي العام عبر أرقام ومعطيات لم تنعكس على الواقع المعيشي اليومي.

وقد ساهم هذا التناقض بين الخطاب والواقع في تعزيز الإحساس الشعبي بعدم المصداقية، خصوصاً عندما يتم الحديث عن وفرة الإنتاج أو استقرار الأسواق، في الوقت الذي يعجز فيه المواطن عن اقتناء حاجياته الأساسية.

إن خطورة هذا الوضع لا تكمن فقط في الجانب الاقتصادي، بل في أثره النفسي والاجتماعي، حيث يشعر المواطن بأن معاناته الحقيقية لا تجد الاعتراف الكافي داخل الخطاب السياسي الرسمي.

رابعاً: السخرية السياسية كآلية دفاع اجتماعي

لطالما لعبت السخرية دوراً مهماً في المجتمعات العربية باعتبارها وسيلة رمزية لمواجهة الأزمات والضغوط. وفي الحالة المغربية، تحولت الفكاهة السياسية إلى أداة لتفريغ الاحتقان الجماعي، وإعادة صياغة الواقع بلغة شعبية بسيطة لكنها عميقة الدلالة.

فاللغة الساخرة ليست دليلاً على اللامبالاة، بل تعكس في كثير من الأحيان مستوى عالياً من الوعي الاجتماعي والسياسي. وعندما تنتشر عبارات مثل “خَلِّيه إبَعْبَع”، فإن ذلك يعبر عن انتقال المواطن من مرحلة الانتظار السلبي إلى مرحلة النقد الشعبي المباشر.

خامساً: المشاركة السياسية بين الإحباط والوعي الجديد

أحد أخطر نتائج الأزمة الحالية يتمثل في تزايد حالة العزوف وفقدان الثقة في العمل السياسي والمؤسسات التمثيلية. فالمواطن الذي يشعر بأن أولوياته المعيشية لا تجد حلولاً حقيقية، يصبح أقل اقتناعاً بجدوى المشاركة السياسية.

غير أن هذا الوضع قد يحمل في المقابل فرصة لإعادة بناء وعي سياسي جديد قائم على:

ربط المسؤولية بالمحاسبة.

رفض شراء الأصوات واستغلال الهشاشة الاجتماعية.

تعزيز ثقافة المواطنة الواعية.

المطالبة بسياسات عمومية أكثر عدالة وشفافية.

إن بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات لا يتحقق بالشعارات، بل عبر سياسات اجتماعية ملموسة تعيد الاعتبار للكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية.

تكشف عبارة “خَلِّيه إبَعْبَع” عن تحوّل عميق في طبيعة الخطاب الاجتماعي بالمغرب، حيث أصبحت السخرية لغةً للاحتجاج، وأداةً لفضح التناقض بين الوعود السياسية والواقع المعيشي.

كما تعكس هذه العبارة حالة القلق الجماعي الناتجة عن تآكل القدرة الشرائية وغياب الأجوبة المقنعة حول القضايا الاجتماعية الأساسية. ومن ثم، فإن تجاوز هذه المرحلة يقتضي إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، واعتماد سياسات اقتصادية واجتماعية تجعل المواطن شريكاً حقيقياً في التنمية، لا مجرد متلقٍ للوعود والخطابات.

وفي النهاية، يبقى الوطن أكبر من كل الأزمات الظرفية، وتبقى كرامة المواطن أساس الاستقرار الحقيقي لأي مشروع سياسي أو تنموي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق