الاثنين، 18 مايو 2026

المغرب بين أزمة الثقة واحتقان الشارع.. هل تنجح الدولة في استعادة أمل

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

في الوقت الذي تواصل فيه الحكومة المغربية بقيادة عزيز أخنوش الحديث عن مؤشرات النمو وبرامج التنمية والإصلاحات الاجتماعية، تتسع في المقابل دائرة القلق داخل الأوساط الشعبية، خاصة وسط فئة الشباب التي أصبحت تعيش حالة متزايدة من الإحباط وفقدان الثقة في الوعود السياسية والاقتصادية المتكررة.
فبين الخطاب الرسمي الذي يروج لتحسن الأوضاع، والواقع اليومي الذي يعيشه ملايين المواطنين، تبدو الفجوة أكبر من أي وقت مضى.
الشباب المغربي، الذي كان يُنظر إليه باعتباره ركيزة المستقبل ومحرك التنمية، يجد نفسه اليوم أمام تحديات قاسية تتعلق بالبطالة وغلاء المعيشة وضعف فرص الاندماج الاجتماعي والاقتصادي، في ظل شعور متنامٍ بأن السياسات العمومية لم تعد قادرة على الاستجابة لتطلعاته الحقيقية.
وتشير عدة تقارير وطنية ودولية إلى استمرار ارتفاع نسب البطالة، خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، مقابل انتشار أنماط من العمل الهش والمؤقت الذي لا يوفر الحد الأدنى من الاستقرار أو الكرامة المهنية.
كما أصبحت مشاهد الهجرة السرية ومحاولات الفرار نحو الضفة الأخرى تعكس بوضوح حجم اليأس الذي يدفع عدداً من الشباب إلى البحث عن مستقبل خارج الوطن، بعدما فقدوا الثقة في إمكانية تحقيق أحلامهم داخله.
وفي مقابل هذه المعاناة، يتزايد الجدل حول ما يعتبره كثير من المواطنين “خطاباً رسمياً منفصلاً عن الواقع”، حيث تستمر الحكومة في الحديث عن نجاحات اقتصادية وبرامج اجتماعية، بينما يواجه المواطن البسيط ارتفاعاً غير مسبوق في الأسعار وتراجعاً حاداً في القدرة الشرائية، إضافة إلى تنامي الإحساس بوجود احتكار اقتصادي وهيمنة لوبيات المال والنفوذ على قطاعات حيوية.
ويرى متابعون للشأن العام أن الأزمة الحالية لم تعد مرتبطة فقط بالجانب الاقتصادي، بل تحولت إلى أزمة ثقة حقيقية بين المواطن والمؤسسات السياسية.
فكثير من الشباب لم يعد مقتنعاً بجدوى المشاركة السياسية أو بالخطابات الانتخابية التي تتكرر في كل محطة دون أن تنعكس بشكل ملموس على حياته اليومية.
كما أن استمرار الحديث عن ربط المسؤولية بالمحاسبة ومحاربة الفساد دون نتائج واضحة على أرض الواقع، ساهم في تعميق الشعور بالإحباط لدى فئات واسعة من المجتمع، خاصة مع تزايد الإحساس بأن الاستفادة من ثروات البلاد وفرصها الاقتصادية ما تزال محصورة في دائرة ضيقة من المستفيدين والمقربين.
وفي ظل هذا الوضع، ترتفع أصوات شبابية تطالب بإصلاحات عميقة تعيد الاعتبار للعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، وتدعو إلى إطلاق نموذج اقتصادي أكثر إنصافاً، قادر على خلق فرص شغل حقيقية وتحسين أوضاع التعليم والصحة والخدمات الأساسية.
كما يوجه عدد من الشباب نداءات مباشرة إلى محمد السادس من أجل التدخل لإعادة الثقة والأمل، عبر اتخاذ قرارات قوية تضع حداً للفساد والاحتكار، وتعزز مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتفتح المجال أمام الكفاءات الوطنية الشابة للمشاركة الفعلية في صناعة القرار.
ويؤكد كثير من المتابعين أن الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي لا يمكن أن يتحقق فقط عبر الخطابات والشعارات، بل يحتاج إلى سياسات واقعية تُشعر المواطن بأن الدولة تنصت إلى مطالبه وتتعامل بجدية مع معاناته اليومية.
فالدول القوية لا تُبنى فقط بالمؤسسات والبنيات التحتية، بل أيضاً بالثقة والعدالة والشعور بالكرامة والانتماء.
وعندما يفقد الشباب الأمل في المستقبل، تصبح الحاجة إلى الإصلاح الحقيقي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
إن المغرب اليوم أمام مرحلة دقيقة تتطلب قدراً كبيراً من الحكمة السياسية والجرأة في اتخاذ القرارات، لأن استمرار الاحتقان الاجتماعي واتساع فجوة الثقة قد يفرضان تحديات أكبر خلال السنوات المقبلة.
ويبقى الرهان الأساسي هو قدرة الدولة والمؤسسات على تحويل مطالب الشباب من مجرد شعارات مرفوعة في الشارع ووسائل التواصل الاجتماعي إلى سياسات عملية تعيد الأمل وتؤسس لمغرب أكثر عدلاً وإنصافاً وتوازناً.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق