بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!
يُعد مفهوم الولاء والبراء من المفاهيم العقدية المهمة في الفكر الإسلامي، إذ يرتبط ارتباطًا وثيقًا بقضايا الإيمان والانتماء والهوية الدينية. وقد حظي هذا المفهوم باهتمام واسع في كتب العقيدة والتفسير والفقه، باعتباره أحد المبادئ التي تحدد علاقة المسلم بربه ودينه وأمته، كما تبين موقفه من المعتقدات والممارسات المخالفة لعقيدة التوحيد.
غير أن هذا المفهوم تعرض في بعض المراحل التاريخية لسوء الفهم أو التأويل، مما أدى إلى توظيفه خارج سياقاته الشرعية الصحيحة. لذلك تبرز أهمية دراسة الولاء والبراء دراسة علمية رصينة تستند إلى النصوص الشرعية ومقاصد الشريعة الإسلامية، مع بيان ضوابطه وحدوده في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية والاجتهادات العلمية المعتبرة.
أولاً: مفهوم الولاء والبراء لغة واصطلاحاً
1. الولاء لغةً
الولاء مشتق من مادة (ولي)، وتدل على القرب والمحبة والنصرة والمتابعة. يقول ابن منظور في لسان العرب: "الولي هو القريب والناصر والمحب".
2. الولاء اصطلاحاً
يعرف الولاء شرعاً بأنه:
محبة الله تعالى ورسوله والمؤمنين، ونصرتهم، والالتزام بمنهج الإسلام قولاً وعملاً واعتقاداً.
فالولاء يمثل رابطة إيمانية وروحية وأخلاقية تجعل المسلم مرتبطاً بعقيدته ومنظومته القيمية.
3. البراء لغةً
البراء مأخوذ من مادة (برأ)، وتعني التباعد والتخلص والانفصال.
4. البراء اصطلاحاً
هو:
التبرؤ من الشرك والكفر والباطل وأهله من حيث المعتقد، وعدم الرضا بما يخالف توحيد الله تعالى.
ولا يعني البراء الاعتداء على الآخرين أو ظلمهم، وإنما رفض المعتقدات الباطلة وعدم الإقرار بصحتها.
ثانياً: الأساس الشرعي لمبدأ الولاء والبراء
يستند هذا المبدأ إلى نصوص عديدة من القرآن الكريم والسنة النبوية.
1. من القرآن الكريم
قال تعالى:
﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: 55].
تبين هذه الآية أن الولاء الحقيقي قائم على أساس الإيمان بالله ورسوله والمؤمنين.
وقال سبحانه:
﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الممتحنة: 4].
وتؤكد الآية مبدأ البراءة من الشرك دون أن تتضمن دعوة إلى الظلم أو العدوان.
كما قال تعالى:
﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: 8].
وهي من أهم الآيات التي تبين أن البراء العقدي لا يتعارض مع العدل والإحسان.
2. من السنة النبوية
قال رسول الله ﷺ:
"أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله." رواه أحمد وصححه عدد من أهل العلم.
وقال ﷺ:
"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد." متفق عليه.
وتؤكد هذه النصوص مركزية المحبة الإيمانية والتضامن بين المؤمنين.
ثالثاً: أبعاد الولاء في الإسلام
1. الولاء لله تعالى
وهو أساس العقيدة الإسلامية، ويتمثل في الإخلاص لله تعالى وتوحيده والانقياد لأوامره.
قال تعالى:
﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162].
2. الولاء للرسول ﷺ
ويتحقق باتباع سنته وطاعته.
قال تعالى:
﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: 80].
3. الولاء للمؤمنين
ويظهر من خلال التضامن والتعاون والتكافل الاجتماعي ونصرة المظلوم.
قال تعالى:
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: 71].
رابعاً: ضوابط البراء في الإسلام
1. البراء من العقيدة لا من الإنسان لذاته
يفرق الإسلام بين رفض العقيدة الباطلة واحترام الكرامة الإنسانية.
فالنبي ﷺ تعامل مع اليهود والنصارى بيعاً وشراءً وحواراً وتعايشاً.
2. العدل مع الجميع
قال تعالى:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].
3. الإحسان والتعاون في المصالح المشتركة
أقر الإسلام التعاون الإنساني في مجالات الخير والعدل والتنمية وخدمة المجتمع.
قال تعالى:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2].
خامساً: الولاء والبراء في ضوء مقاصد الشريعة
عند النظر إلى هذا المفهوم من زاوية المقاصد الشرعية نجد أنه يهدف إلى:
حفظ الدين والعقيدة.
تعزيز الهوية الإسلامية.
ترسيخ قيم الانتماء والمسؤولية.
حماية المجتمع من الذوبان الثقافي والعقدي.
تحقيق التوازن بين الثبات على المبادئ والانفتاح على الآخرين.
وقد أكد علماء المقاصد، وفي مقدمتهم أبو إسحاق الشاطبي، أن الأحكام الشرعية ينبغي أن تُفهم في إطار مقاصدها الكبرى لا بمعزل عنها.
سادساً: الإشكالات المعاصرة في فهم الولاء والبراء
شهد العصر الحديث ظهور قراءات متشددة لمفهوم الولاء والبراء، اختزلته في القطيعة المطلقة مع الآخرين، بينما ذهبت قراءات أخرى إلى إفراغه من مضمونه العقدي.
والفهم الوسطي يقتضي الجمع بين:
الثبات على العقيدة الإسلامية.
احترام حقوق الإنسان.
الالتزام بالعدل والرحمة.
الانفتاح الحضاري والحوار البناء.
المشاركة الإيجابية في خدمة المجتمعات الإنسانية.
وقد جسد النبي ﷺ هذا التوازن في وثيقة المدينة التي أرست مبادئ التعايش بين مكونات المجتمع المختلفة.
خاتمة
إن مبدأ الولاء والبراء يمثل أحد الأسس العقدية في الإسلام، وهو قائم على محبة الله ورسوله والمؤمنين، والتبرؤ من الشرك والباطل دون أن يتحول إلى وسيلة للكراهية أو العدوان أو الظلم. وقد جاءت النصوص الشرعية لتؤكد أن البراء العقدي لا يتعارض مع العدل والإحسان والتعاون الإنساني.
ومن ثم فإن الفهم الصحيح لهذا المبدأ يقتضي النظر إليه في إطار مقاصد الشريعة الإسلامية وقيمها الكبرى القائمة على الرحمة والعدل والحكمة والتعايش، بما يحقق التوازن بين المحافظة على الهوية الدينية والانفتاح المسؤول على الآخر.
المراجع الأساسية:
القرآن الكريم.
صحيح البخاري.
صحيح مسلم.
لسان العرب.
جامع البيان.
الجامع لأحكام القرآن.
الموافقات.
اقتضاء الصراط المستقيم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق