الجمعة، 11 سبتمبر 2026

التشرميل السياسي يبدأ مبكراً !!!

 

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي وتطوير القدرات  المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

التشرميل السياسي يبدأ مبكراً...

من عرض البرامج الانتخابية إلى الضرب تحت الحزام و«سوق الدلالة» لاستقطاب الأعيان؟

مع انطلاق الحملات الانتخابية التشريعية، يبدو أن بعض الساحات السياسية اختارت منذ الأيام الأولى أن ترفع منسوب المواجهة إلى مستويات غير مسبوقة، وكأننا أمام مباراة ملاكمة سياسية لا أمام استحقاق ديمقراطي يفترض أن يكون عنوانه الأول هو البرامج، الحصيلة، البدائل، والقدرة على إقناع الناخب المغربي.

فبدل أن يسمع المواطن عن التعليم والصحة والتشغيل والاستثمار والقدرة الشرائية والإدارة والعدالة الاجتماعية، بدأ يسمع عن الاتهامات، والكلاشات، والردود المضادة، والضرب تحت الحزام، ومن فوق الرأس أحياناً!

والأكثر إثارة أن المواجهة لا تدور فقط بين أحزاب المعارضة والأغلبية، وإنما بدأت تظهر أيضاً داخل مكونات الأغلبية نفسها، بما يطرح سؤالاً كبيراً:

هل نحن أمام منافسة انتخابية حقيقية، أم أمام تصفية حسابات سياسية مؤجلة اختارت صناديق الاقتراع أن تكون مسرحاً لها؟

عندما تتحول الحملة الانتخابية إلى «سوق دلالة» سياسية

ومن بين أكثر المشاهد التي تثير الانتباه في هذه الحملة، الحديث المتزايد عن استقطاب الأعيان والوجوه المحلية والباحثين عن مواقع انتخابية، في مشهد يجعل البعض يتساءل: هل أصبحت الانتخابات سوقاً للمساومة السياسية، يتم فيها البحث عن «الاسم الأقوى» و«الشخص الأكثر تأثيراً» بدل البحث عن المرشح الأكثر كفاءة ونزاهة وقدرة على خدمة المواطنين؟

إن الديمقراطية لا تختزل في عدد الأعيان الذين يستطيع هذا الحزب أو ذاك استقطابهم، ولا في حجم الإمكانات التي يمكن تعبئتها انتخابياً، وإنما في قدرة الأحزاب على تقديم مشروع سياسي واضح، ورؤية قابلة للتنفيذ، ونخب قادرة على تحمل المسؤولية وربطها بالمحاسبة.

الأخطر: اتهامات تتجاوز حدود «الكلاش» الانتخابي

لكن الأمر يصبح أكثر خطورة عندما تنتقل المواجهة من النقد السياسي إلى إطلاق تصريحات تتضمن اتهامات مرتبطة بسلامة المواطنين والصحة العامة وتداول المواد الغذائية.

ففي تجمع جماهيري، نُسب إلى وزير منتدب ينتمي إلى أحد أحزاب الأغلبية تصريحٌ شديد اللهجة، قال فيه مخاطباً الحاضرين:

«الفراقشي الحقيقي هو داك اللي دخلوه عندهم ويبيع الفرماج فاسد لعباد الله».

إذا كان التصريح قد صدر فعلاً بهذا السياق، وإذا كان المقصود منه اتهام جهة أو شخص بعينه بترويج مواد غذائية فاسدة أو منتهية الصلاحية، فإن المسألة لم تعد مجرد «كلاش» انتخابي أو مناوشة بين الخصوم.

هنا نحن أمام ادعاء خطير يتعلق بالصحة والسلامة العامة، ويحتاج إلى التحقق من الوقائع والأسماء والجهات والمنتجات والظروف التي قيل فيها هذا الكلام.

فالانتخابات تنتهي، لكن صحة المواطنين ليست ورقة انتخابية.

هل حان وقت تدخل المؤسسات المختصة؟

إذا كانت هناك بالفعل معلومات أو أدلة على وجود مواد غذائية غير صالحة للاستهلاك يتم تسويقها للمواطنين، فإن الطريق الطبيعي ليس المنصات الانتخابية وحدها، وإنما المؤسسات المختصة والسلطات القضائية والإدارية المعنية، كلٌّ في حدود اختصاصه.

وإذا كانت الاتهامات لا تستند إلى وقائع أو أدلة، فإن ذلك يطرح بدوره سؤالاً آخر حول المسؤولية القانونية والسياسية عن إطلاق اتهامات خطيرة أمام جماهير انتخابية.

وهنا تظهر أهمية النيابة العامة والجهات المختصة في التحقق من الوقائع، لا من الانتماءات السياسية.

فالقانون لا ينبغي أن يعرف أغلبية ولا معارضة عندما يتعلق الأمر بحماية صحة المواطنين أو البحث في شبهة جريمة.

«مازال... مازال... مازال العاطي يعطي!»

وإذا كانت هذه مجرد البداية، فإن السؤال المشروع هو:

ماذا سيحدث عندما تقترب الحملة أكثر من يوم الاقتراع؟

هل سنشهد ارتفاعاً أكبر في سقف الاتهامات؟

هل ستخرج ملفات قديمة إلى العلن؟

هل ستتحول المناظرات السياسية إلى تبادل للاتهامات والفضائح؟

هل سيبدأ كل طرف في تفتيش خزائن الطرف الآخر بحثاً عن الملفات؟

وهل يتحول «الكلاش» الانتخابي إلى معركة سياسية مفتوحة بين أطراف يفترض أنها ما زالت تجلس إلى طاولة واحدة داخل الأغلبية؟

ربما نحن أمام مجرد سخونة انتخابية عابرة.

وربما نحن أمام بداية مسلسل طويل.

مازال... مازال... مازال العاطي يعطي!

المواطن يريد برنامجاً... لا حلبة ملاكمة

المواطن المغربي الذي سيذهب إلى صناديق الاقتراع لا يحتاج إلى سماع الشتائم المتبادلة، ولا إلى مشاهدة سياسيين يتبادلون الاتهامات أمام الجماهير.

إنه يريد أن يعرف:

من سيخلق فرص الشغل؟

من سيواجه ارتفاع الأسعار؟

من سيصلح التعليم والصحة؟

من سيعالج مشاكل المدن والقرى؟

من سيحارب الفساد والريع؟

من سيقدم حلولاً واقعية للشباب؟

ومن يتحمل مسؤولية حصيلة السنوات الماضية؟

هذه هي الأسئلة التي يجب أن تكون في قلب الحملة الانتخابية.

أما تحويل المهرجانات الخطابية إلى حلبة ملاكمة سياسية، فلن يخدم الديمقراطية، ولن يرفع من مستوى النقاش العمومي.

أم أنها «مسرحية» داخل الأغلبية؟

وهنا يحق للصحافة وللرأي العام أن يطرحا سؤالاً أكثر جرأة:

هل ما يجري مجرد صراع حقيقي بين مكونات الأغلبية؟ أم أن الأمر قد يتحول إلى نوع من «المسرحية السياسية» التي يتبادل فيها بعض الأطراف الأدوار والاتهامات، بينما يبقى المواطن بعيداً عن حقيقة الملفات؟

لا يمكن الجزم بذلك دون أدلة.

لكن من حق المواطن أن يسأل، ومن حق الصحافة أن تراقب، ومن حق المؤسسات أن تتحقق.

فإذا كانت هناك اتهامات حقيقية، فليتم الكشف عن الحقيقة عبر المؤسسات والقانون.

وإذا كانت مجرد اتهامات انتخابية، فليتحمل مطلقوها مسؤولية كلامهم.

المعركة الحقيقية هي معركة الثقة

في النهاية، أخطر ما يمكن أن تخسره الأحزاب السياسية ليس مقعداً انتخابياً، وإنما ثقة المواطن.

والثقة لا تُبنى بالصراخ، ولا بالكلاشات، ولا بتبادل الاتهامات، ولا باستعراض القوة التنظيمية.

الثقة تُبنى بالصدق، والكفاءة، والنزاهة، والإنجاز، والقدرة على الاعتراف بالأخطاء قبل الحديث عن أخطاء الآخرين.

أما إذا تحولت الحملة الانتخابية إلى معركة لتكسير العظام السياسية، فإن السؤال الذي سيبقى مطروحاً:

هل نحن أمام انتخابات تُعرض فيها البرامج لاختيار الأفضل... أم أمام حرب انتخابية مفتوحة، لا سقف لها ولا حدود؟

الأيام المقبلة وحدها ستجيب.

لكن شيئاً واحداً يبدو واضحاً منذ الآن:

المعركة بدأت... ومازال العاطي يعطي!

الأربعاء، 9 سبتمبر 2026

السمايري في الدارجة المغربية: من حرفة البيطار إلى صورة اجتماعية

 

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

ليست الدارجة المغربية مجرد وسيلة للتواصل اليومي، وإنما هي مستودع حيّ للذاكرة الاجتماعية والثقافية للمغاربة. فكثير من الكلمات التي نستعملها بصورة عفوية تحمل في بنيتها آثاراً من مهن قديمة، وعادات اجتماعية، وأنماط من العيش، وعلاقات اقتصادية وثقافية اندثرت أو تغيرت وظائفها مع الزمن.

ومن بين هذه المفردات كلمة «السمايري»، وهي كلمة مغربية مثيرة للاهتمام، لأنها لم تحافظ على معنى واحد عبر التاريخ، بل ارتبطت في بعض الروايات بحرفة تقليدية، ثم اكتسبت في الاستعمال الشعبي معاني اجتماعية أخرى، وأصبحت في بعض المناطق تُستخدم للدلالة على شخص يمارس نوعاً من التحايل أو الاستدراج، ولا سيما في سياق «التاسمرة» وقراءة الفال والشعوذة الشعبية.

وهنا تبرز أهمية الكلمة من منظور علم الاجتماع الثقافي؛ إذ إن دراسة «السمايري» لا تعني البحث عن معنى معجمي فقط، وإنما محاولة لفهم كيف تنتقل الكلمة من المجال المهني إلى المجال الاجتماعي، وكيف تتغير دلالتها عندما تتغير بنية المجتمع نفسه.

أولاً: «السمايري» والحرفة التقليدية

من أبرز الروايات التي تناولت أصل الكلمة ربطها بحرفة السمّار أو البيطار التقليدي، أي الحرفي الذي كان يتولى صناعة وتركيب الصفائح الحديدية أو «الحذوات» التي تثبت في حوافر الخيول والبغال والحمير.

وتشير مصادر صحفية وثقافية إلى استعمال «السمايري» و«الصفايحي» للدلالة على البيطار في بعض مناطق المغرب، خصوصاً في البيئات التي ظلت تعتمد على الدواب في التنقل ونقل البضائع. وكان صاحب هذه الحرفة يجلس أو ينحني طويلاً أمام قوائم الحيوان، ويستعمل المطرقة والسندان والمسامير لتثبيت الحذوة الحديدية.

ومن هذه الرواية يمكن فهم العلاقة اللغوية المحتملة بين «المسمار» و«السمايري»، غير أن ذلك لا ينبغي تقديمه باعتباره حقيقة لغوية نهائية؛ لأن الاشتقاق الشعبي للكلمات لا يطابق دائماً الاشتقاق اللغوي العلمي.

وتكتسب هذه الرواية أهميتها من كونها تعكس مجتمعاً كان فيه الحيوان جزءاً أساسياً من الاقتصاد والنقل. فالفرس والبغل والحمار لم تكن مجرد حيوانات، بل كانت وسائل للنقل والعمل والتجارة، ولذلك كان البيطار أو «السمايري» صاحب وظيفة ضرورية داخل السوق الأسبوعي والقرية والبادية.

ثانياً: من المهنة إلى الصورة الاجتماعية

مع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية التي عرفها المغرب، تراجع الاعتماد على الدواب في النقل لصالح السيارات والشاحنات ووسائل النقل الحديثة. ومع ذلك، لم تختفِ الكلمة بالضرورة مع اختفاء أو تراجع الحرفة.

وهنا تظهر ظاهرة لغوية واجتماعية مهمة:

قد تموت المهنة، لكن اسمها يبقى حياً داخل الذاكرة الشعبية.

وهذه الظاهرة معروفة في علم اللغة الاجتماعي؛ إذ يمكن للكلمة أن تنتقل من معناها الأصلي إلى معنى مجازي أو اجتماعي جديد، وأن تستمر في التداول حتى بعد اختفاء السياق الذي نشأت فيه.

وتشير بعض الكتابات المغربية إلى أن «السمايري» أصبح في استعمالات أخرى مرتبطاً بشخص ينتظر طويلاً في مكان عام، أو يترصد شخصاً يعرفه من أجل قضاء غرض أو طلب حاجة منه.

وهذا التحول الدلالي جدير بالدراسة، لأنه يكشف كيف تستطيع الجماعة اللغوية أن تعيد إنتاج الكلمات القديمة داخل سياقات جديدة.

ثالثاً: «السمايري» و«التاسمرة»

هناك استعمال آخر للكلمة، أكثر ارتباطاً بالذاكرة الشعبية المغربية، حيث أصبح «السمايري» في بعض الروايات الشعبية والصحفية مرتبطاً بما يسمى «التاسمرة».

ويقصد بالتاسمرة، في بعض الاستعمالات المغربية، نوع من الحيل القائمة على الكلام والإقناع والاستدراج، حيث يحاول الشخص التأثير في الضحية بواسطة خطاب يبدو في ظاهره ذا طبيعة روحانية أو غيبية، قبل أن يتحول الأمر إلى احتيال أو سلب للمال.

وقد تناولت مصادر صحفية مغربية هذا الاستعمال، وربطت «السمايرية» بممارسات الاحتيال الشعبي وقراءة الفال واستغلال بعض المعتقدات المرتبطة بالبركة والغيب.

لكن من المهم علمياً عدم الخلط بين المعنى التاريخي المحتمل للكلمة وبين الصورة الاجتماعية التي اكتسبتها لاحقاً.

فليس كل من حمل هذه التسمية مرتبطاً بالاحتيال، كما أن «السمايري» في سياقه المهني القديم كان صاحب حرفة يدوية مشروعة وضرورية.

رابعاً: الحلقة والفرجة الشعبية

ترتبط بعض صور «السمايري» أيضاً بثقافة الحلقة في الأسواق والساحات المغربية.

والحلقة لم تكن مجرد فضاء للفرجة، وإنما كانت مؤسسة اجتماعية شعبية مصغرة؛ يجتمع فيها الحكواتي، والمداح، والحلايقي، والمشعوذ، وقارئ الفال، وغيرهم من أصحاب الفرجة الشعبية.

وفي بعض الروايات حول «السمايرية»، كان نجاح الشخص يعتمد على قدرته على الكلام، والملاحظة، وقراءة ردود فعل الجمهور، واختيار الشخص المناسب لاستدراجه إلى الحلقة.

وهذا يفتح الباب أمام قراءة سوسيولوجية مهمة: فـ«السمايري» في هذا السياق لا يعتمد فقط على الخداع، وإنما على المعرفة الدقيقة بالسلوك الاجتماعي للناس: الخوف، والطمع، والحب، والمرض، والقلق، والرغبة في معرفة المستقبل.

وقد وصفت شهادات صحفية حول «السمايرية» بعض هذه الأساليب باعتبارها امتداداً لتقاليد قراءة الفال والفرجة الشعبية، قبل تحول بعضها إلى ممارسات احتيالية.

خامساً: لماذا تتغير دلالة الكلمات؟

إن التحول الذي عرفته كلمة «السمايري» يقدم مثالاً ممتازاً على إحدى أهم ظواهر علم اللغة الاجتماعي:

الكلمات لا تعيش خارج المجتمع.

فعندما تتغير البنية الاقتصادية للمجتمع، تتغير المهن؛ وعندما تختفي المهنة، قد تختفي معها دلالتها الأصلية. لكن الكلمة قد تنتقل إلى مجال آخر وتكتسب معنى جديداً.

وهكذا يمكن تصور المسار الدلالي للكلمة على النحو التالي:

حرفة → شخص يمارس الحرفة → سلوك مرتبط بالشخص → وصف اجتماعي → معنى مجازي أو سلبي في بعض السياقات.

وهذا المسار ليس خاصاً بـ«السمايري» وحده، وإنما نجده في عدد كبير من المفردات الشعبية التي انتقلت من أسماء المهن إلى أوصاف للأشخاص والسلوكيات.

سادساً: بين الرواية الشعبية والتحقيق العلمي

من الضروري هنا التمييز بين الرواية الشعبية والحقيقة التاريخية الموثقة.

فقد ظهرت تفسيرات متعددة لأصل كلمة «السمايري». إحدى الروايات تربطها بحرفة البيطار والمسامير وصفائح الدواب، بينما توجد روايات شعبية أخرى تربطها بمصطلحات أو شخصيات ذات علاقة بالحكاية الدينية أو بالانتظار والترصد. وقد أشار بحث صحفي إلى اختلاف الباحثين المغاربة حول أصل الكلمة نفسها.

لذلك لا يصح علمياً القول إن هناك أصلاً واحداً محسومًا للكلمة من دون الرجوع إلى المعاجم التاريخية، والمدونات المغربية القديمة، ووثائق الحرف والأسواق، والمقابلات الميدانية مع كبار السن وأهل الحرفة.

وهنا يمكن أن يتحول موضوع «السمايري» إلى مشروع بحث في اللسانيات الاجتماعية والأنثروبولوجيا المغربية.

سابعاً: «السمايري» كذاكرة للمغرب القديم

تكمن القيمة الحقيقية للكلمة في أنها تسمح لنا بفتح نافذة على مغرب مختلف:

مغرب الأسواق الأسبوعية، والدواب، والحرفيين، والحلقة، والمداحين، والحكواتيين، والبيطارين، وقارئي الفال، والباعة المتجولين.

لقد كانت السوق فضاءً اقتصادياً وثقافياً في الوقت نفسه، وكانت المهن الشعبية جزءاً من هوية المكان.

ومن هذه الزاوية، فإن كلمة صغيرة مثل «السمايري» تستطيع أن تقودنا إلى دراسة:

تاريخ الحرف التقليدية.

اقتصاد السوق الأسبوعي.

ثقافة الحلقة.

علاقة المغاربة بالفرس والدواب.

التحولات التي عرفتها البادية المغربية.

تطور الدارجة المغربية.

انتقال المفردات من معناها المهني إلى معناها المجازي.

علاقة اللغة بالذاكرة الجماعية.

انتشار المعتقدات الشعبية وأشكال استغلالها.

تأثير الحداثة ووسائل النقل على الحرف التقليدية.

ثامناً: من «السمايري» إلى الذاكرة اللغوية للمغاربة

إن دراسة كلمة «السمايري» تجعلنا أمام سؤال أكبر:

كم من كلمة نستعملها اليوم دون أن نعرف أنها تحمل جزءاً من تاريخنا الاجتماعي؟

فالدارجة المغربية ليست لغة ثابتة، وإنما هي نتيجة تراكم تاريخي طويل شاركت فيه العربية والأمازيغية والأندلسية والحسانية ولغات المتوسط وغيرها من المؤثرات.

ولهذا فإن حفظ المفردات الشعبية لا ينبغي أن يكون مجرد عمل لغوي، بل هو أيضاً عمل في حفظ الذاكرة الثقافية للمجتمع.

فحين تختفي كلمة، قد تختفي معها حكاية مهنة، أو نمط من العيش، أو صورة من صور العلاقات الاجتماعية.

خاتمة

إن «السمايري» ليست مجرد كلمة عابرة في قاموس الدارجة المغربية، وإنما نموذج مصغر للطريقة التي تعمل بها الذاكرة الاجتماعية داخل اللغة.

فقد ارتبطت الكلمة، وفق إحدى الروايات القوية المتداولة، بحرفة البيطار وصناعة صفائح الدواب، ثم ظهرت لها استعمالات اجتماعية أخرى، فأصبحت في بعض البيئات مرتبطة بالانتظار أو الاستدراج أو «التاسمرة».

وبغض النظر عن أي الروايات أكثر دقة من الناحية الاشتقاقية، فإن الثابت ثقافياً هو أن الكلمة تكشف لنا عن قدرة الدارجة المغربية على اختزان التاريخ داخل مفرداتها.

ولعل أجمل طريقة لاستكمال البحث ليست الاكتفاء بما تقوله الكتب والمصادر، وإنما العودة إلى الذاكرة الشفوية للمغاربة:

ماذا تعني كلمة «السمايري» في منطقتكم؟ وهل كان أجدادكم يستعملونها للدلالة على البيطار وصانع صفائح الدواب، أم على شخص آخر؟ وهل ما زالت الكلمة تحمل المعنى نفسه عند الجيل الجديد؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة من مناطق المغرب المختلفة قد تكشف لنا خريطة لغوية واجتماعية غنية لا تزال بحاجة إلى التوثيق قبل أن تختفي من الذاكرة الشعبية.

ملاحظة منهجية: صغتُ الموضوع بحذر لأن أصل «السمايري» ليس محسومًا علمياً في المصادر المتاحة؛ لذلك فرّقت بين الرواية المرتبطة بحرفة البيطار، وبين الاستعمالات الاجتماعية اللاحقة، بدل تقديم رواية واحدة باعتبارها حقيقة نهائية.

الاثنين، 7 سبتمبر 2026

رسول الدجال وفتنة الدهيماء : قراءة حديثية وعقدية في مفهوم الفتنة الكبرى، وحدود إسقاط أحاديث آخر الزمان على الأشخاص المعاصرين

 


بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!
رسول الدجال وفتنة الدهيماء
قراءة حديثية وعقدية في مفهوم الفتنة الكبرى، وحدود إسقاط أحاديث آخر الزمان على الأشخاص المعاصرين
تُعد أحاديث الفتن وأشراط الساعة من أكثر أبواب السنة النبوية إثارةً للاهتمام، لما تتضمنه من تحذير من التحولات الفكرية والعقدية والاجتماعية التي قد تصيب الأمة، ولا سيما في الأزمنة التي تكثر فيها الاضطرابات، وتختلط فيها الحقائق بالأباطيل، ويصعب على الإنسان التمييز بين الهداية والضلال.
ومن بين الأحاديث التي تستوقف الباحث حديث فتنة الدهيماء، وهي فتنة وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها فتنة شديدة ممتدة، تصيب الأمة إصابة واسعة، حتى يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، وتنتهي إلى انقسام الناس إلى معسكرين: معسكر إيمان لا نفاق فيه، ومعسكر نفاق لا إيمان فيه، ثم يأتي التحذير من الدجال.
وهنا تبرز أسئلة مهمة:
هل الدهيماء فتنة محددة وقعت وانتهت، أم أنها فتنة مستقبلية؟ هل كل اضطراب فكري أو اجتماعي يمكن إسقاطه عليها؟ هل يوجد في السنة ما يسمى "رسل الدجال" بالمعنى الذي يتداوله بعض المعاصرين؟ وهل يجوز اعتبار شخصيات فكرية أو إعلامية معاصرة، مثل محمد الفايد، من رموز هذه الفتنة أو من "رسل الدجال"؟
هذه الأسئلة تحتاج إلى التعامل معها بمنهج حديثي وعقدي، بعيدًا عن التهويل وعن الإسقاطات غير المنضبطة.
أولًا: ما المقصود بفتنة الدهيماء؟
ورد حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما في سنن أبي داود، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر سلسلة من الفتن، فقال:
«ثم فتنة الدهيماء، لا تدع أحدًا من هذه الأمة إلا لطمته لطمة، فإذا قيل انقضت تمادت، يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، حتى يصير الناس إلى فسطاطين: فسطاط إيمان لا نفاق فيه، وفسطاط نفاق لا إيمان فيه، فإذا كان ذاكم فانتظروا الدجال، من يومه أو من غده».
وقد ورد الحديث في سنن أبي داود برقم 4242، كما روي في مسند أحمد، وحسنه أو صححه عدد من أهل العلم.
والحديث بالغ الأهمية؛ لأنه لا يتحدث عن فتنة عابرة، وإنما يصف فتنة ذات أثر شامل على المجتمع والأفراد والعقائد.
فالعبارة:
«لا تدع أحدًا من هذه الأمة إلا لطمته لطمة»
تدل على شدة انتشارها واتساع تأثيرها.
أما قوله:
«فإذا قيل انقضت تمادت»
فهو تصوير بالغ الدلالة لطبيعتها؛ إذ إن الإنسان قد يتوهم أن الأزمة انتهت، ثم تظهر لها موجة جديدة.
وأما أخطر ما في الحديث فهو:
«يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا»
والمقصود بيان سرعة التحول والانقلاب تحت ضغط الفتن، وليس بالضرورة أن كل فرد يعيش هذه الصورة الحرفية من التحول.
ثانيًا: الدهيماء ليست شخصًا
وهنا تقع إحدى أهم الأخطاء المنهجية في بعض الخطابات المعاصرة.
فالحديث يقول:
«ثم فتنة الدهيماء»
ولم يقل:
"رجل الدهيماء"، أو "رجال الدهيماء"، أو "رسل الدهيماء".
إذن فالدهيماء فتنة وليست شخصًا.
وبالتالي لا يصح من الناحية العلمية أن نقول عن شخص معين:
"فلان هو الدهيماء".
وإنما يمكن – على سبيل الدراسة والتحليل – أن نقول:
"قد تكون بعض الأفكار أو الممارسات التي يمارسها هذا الشخص من صور الإسهام في فتنة فكرية أو عقدية".
وهناك فرق كبير بين العبارتين.
الأولى حكم غيبي قطعي يحتاج إلى دليل.
أما الثانية فهي تحليل بشري قابل للنقاش والنقد.
ثالثًا: لماذا سميت بالدهيماء؟
لفظ "الدهيماء" من الألفاظ العربية التي تحمل معنى السواد والظلمة، ولذلك فسّرها العلماء باعتبارها فتنة شديدة مظلمة، تشتد فيها الحيرة والاضطراب.
وهذا يتناسب مع مضمون الحديث؛ فالدهيماء ليست مجرد اختلاف سياسي عادي، وإنما فتنة تختلط فيها المفاهيم، وتتغير فيها مواقف الناس، ويصبح الثبات على الحق أكثر صعوبة.
ومن هنا يمكن فهم بعدها الاجتماعي والنفسي أيضًا:
اضطراب المعايير.
انتشار الشائعات.
تضارب المرجعيات.
ضعف القدرة على التمييز.
انقلاب المواقف.
انتشار التقليد الأعمى.
تأثر الناس بالشخصيات المؤثرة.
تحول النقاش الفكري إلى صراع هوياتي وعقدي.
وهذه كلها ظواهر يمكن دراستها اجتماعيًا دون أن نزعم أنها بالضرورة تحقق كل تفاصيل حديث الدهيماء.
رابعًا: العلاقة بين الدهيماء والدجال
العلاقة بينهما واضحة في نص الحديث.
فالنبي صلى الله عليه وسلم ختم وصف الدهيماء بقوله:
«فإذا كان ذاكم فانتظروا الدجال من يومه أو من غده».
وهذا يدل على أن هناك ارتباطًا في سياق أحداث الفتن بين اشتداد الانقسام العقدي وظهور الدجال.
لكن ينبغي الحذر من تحويل هذا الارتباط إلى جدول زمني تفصيلي لم يرد به نص.
فليس من المنهج العلمي أن نقول مثلًا:
"حدث كذا في سنة كذا، إذن الدهيماء بدأت في هذه السنة، وبعد خمس سنوات سيظهر الدجال".
هذا النوع من الحسابات لا يقوم على دليل شرعي قطعي.
خامسًا: هل يوجد في السنة مفهوم "رسل الدجال"؟
هنا ينبغي التفريق بين أمرين:
الأول: أتباع الدجال
ثبت في الأحاديث أن الدجال سيكون له أتباع، وأنه سيستجيب له أقوام، وأن فتنته عظيمة جدًا.
ففي صحيح مسلم ورد في حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه أن الدجال يأتي الأقوام فيدعوهم، فيؤمنون به ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت. ثم يأتي أقوامًا آخرين فيردون عليه قوله، فينصرف عنهم.
الثاني: "رسل الدجال"
أما التعبير المتداول:
"رسل الدجال"
بمعنى أشخاص معاصرين يرسلهم الدجال قبل خروجه لنشر مشروعه، فليس لدينا – فيما يظهر من الأحاديث الصحيحة المشهورة – نص صريح يقرر وجود تنظيم اسمه "رسل الدجال" بهذا المفهوم.
ولذلك يجب عدم تحويل المصطلح الدعوي أو الإعلامي إلى حقيقة عقدية ثابتة دون دليل.
سادسًا: هل يمكن اعتبار محمد الفايد من "الدهيماء"؟
هنا ينبغي أن تكون الإجابة أكثر دقة:
لا يجوز الجزم بذلك.
ولا توجد في النصوص النبوية قاعدة تقول:
"كل شخص ينشر أفكارًا مخالفة لما يعتقده أهل السنة هو من الدهيماء".
فالدهيماء فتنة عامة، وقد يكون الإنسان فيها:
مفتونًا،
أو مؤثرًا في غيره،
أو ضحية لها،
أو مقاومًا لها،
أو ناشرًا لبعض أفكارها.
لكن تعيين شخص بعينه على أنه:
"من رسل الدجال"
أو:
"من أتباع الدجال"
أو:
"شخصية بعينها قصدها النبي صلى الله عليه وسلم"
يحتاج إلى دليل يتجاوز مجرد التشابه في بعض الأفكار.
وحتى إذا ثبت أن شخصًا نشر أفكارًا خطيرة أو مخالفة للعقيدة الإسلامية، فإن الحكم على أفكاره شيء، والحكم على شخصه بأنه "رسول للدجال" شيء آخر تمامًا.
سابعًا: الفرق بين نقد الفكرة وتكفير صاحبها
هذه نقطة مركزية في البحث.
يمكن للباحث أن يقول:
"هذه الفكرة مخالفة للقرآن والسنة".
ويمكنه أن يقول:
"هذا التصريح يتعارض مع أصل عقدي إسلامي".
ويمكنه أن يقول:
"هذا الخطاب قد يؤدي اجتماعيًا إلى التشكيك في الثوابت".
لكن لا ينتقل تلقائيًا إلى:
"صاحبها كافر".
فالتكفير حكم شرعي له شروط وموانع، وليس نتيجة تلقائية لكل خطأ فكري.
وبالمثل:
الحكم على فكرة بأنها باطلة لا يعني إثبات أن صاحبها رسول للدجال.
ثامنًا: لماذا تنتشر فكرة "رسل الدجال" في الخطاب المعاصر؟
يمكن تفسير انتشارها اجتماعيًا ونفسيًا من خلال ثلاثة عوامل:
1. الرغبة في تفسير الأحداث المعقدة
عندما يعيش المجتمع مرحلة من الاضطراب، يبحث الإنسان عن تفسير شامل للأحداث.
فتصبح نظرية "الدجال" أحيانًا إطارًا يفسر:
الإعلام،
العولمة،
التكنولوجيا،
الانحلال الأخلاقي،
الصراعات السياسية،
التحولات الثقافية.
لكن التفسير الديني لا ينبغي أن يتحول إلى نظرية مؤامرة شاملة تبتلع كل الوقائع.
2. تأثير الشخصيات الجماهيرية
الشخصية التي تمتلك جمهورًا واسعًا يمكن أن تصبح مؤثرة في تشكيل التصورات العامة.
وهنا يمكن دراسة الشخصية سوسيولوجيًا باعتبارها:
فاعلًا في صناعة الرأي العام.
لكن هذا لا يعني أنها بالضرورة مرتبطة بالغيب أو بالدجال.
3. الخلط بين النبوءة والتفسير السياسي
الأحاديث النبوية تخبر عن الغيب فيما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم.
أما إسقاطها على الأحداث المعاصرة فهو اجتهاد بشري.
والاجتهاد البشري يحتمل الصواب والخطأ.
تاسعًا: أخطر ما في فتنة الدهيماء: انقلاب المعايير
إذا أردنا قراءة الحديث قراءة عميقة، فإن أخطر عنصر فيه ليس مجرد الحرب أو الاضطراب، وإنما:
اضطراب معيار الحق والباطل.
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا».
فالمشكلة إذن ليست فقط في وجود دعاة إلى الباطل، وإنما في استعداد الإنسان لتغيير قناعاته بسرعة تحت تأثير:
الخوف،
المصلحة،
الجماعة،
الشهرة،
السلطة،
المال،
الإعلام،
العاطفة.
ومن هنا يمكن للباحث الاجتماعي أن يرى في الحديث وصفًا بالغ العمق لآلية من آليات الفتنة:
حين يصبح الانتماء للجماعة أقوى من الانتماء للحقيقة.
عاشرًا: الدجال نموذج للفتنة الإعلامية القصوى
الأحاديث الصحيحة تصف الدجال بأنه يمتلك وسائل خارقة للفتنة والإغراء، وأنه يأتي الناس بما يشبه النعيم والعذاب.
ففي حديث النواس بن سمعان في صحيح مسلم تظهر قدرته على إبهار الناس والتأثير فيهم، حتى يؤمن به بعضهم ويرده آخرون.
ومن الناحية التحليلية يمكن أن نرى أن جوهر فتنة الدجال هو قلب الحقيقة وإرباك الإدراك.
وهذا لا يعني أن كل وسيلة إعلامية أو شخصية مؤثرة هي "دجالية"، وإنما يعني أن المسلم مطالب بتكوين مناعة فكرية وعقدية أمام التضليل.
حادي عشر: لماذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الدجال بهذا الشكل؟
ورد في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم وصف فتنة الدجال بأنها من أعظم الفتن التي تقع منذ خلق آدم عليه السلام. كما حذر الأنبياء أممهم منه.
والسبب ليس مجرد وجود رجل كذاب، وإنما لأن الدجال سيستخدم الإغراء والإرباك والخداع في اختبار إيمان الناس.
ولهذا جاءت السنة بتوجيهات عملية، ومنها الاستعاذة من فتنة المسيح الدجال، وقراءة فواتح سورة الكهف لمن أدركه، كما جاء في حديث النواس بن سمعان.
ثاني عشر: هل نحن اليوم في فتنة الدهيماء؟
هذا سؤال لا ينبغي الإجابة عنه بالقطع.
يمكن القول:
هناك في العالم المعاصر مظاهر من الفتن الفكرية والسياسية والأخلاقية والإعلامية تتشابه في بعض الجوانب مع الأوصاف العامة للفتن الواردة في السنة.
لكن:
التشابه لا يساوي التطابق.
والقول:
"نحن قطعًا في الدهيماء"
يحتاج إلى دليل لا نملكه.
والأدق علميًا أن نقول:
"يمكن دراسة بعض مظاهر عصرنا في ضوء التحذيرات النبوية من الفتن، دون الجزم بأنها تحقق فتنة الدهيماء بكل تفاصيلها."
وهذا أكثر احتياطًا وأقرب إلى المنهج العلمي.
ثالث عشر: المنهج الصحيح في إسقاط أحاديث الفتن على الواقع
يمكن وضع خمس قواعد:
القاعدة الأولى
لا نثبت الغيب بالظنون.
القاعدة الثانية
لا نحول التشابه إلى يقين.
القاعدة الثالثة
نفرق بين وصف الفكرة والحكم على الشخص.
القاعدة الرابعة
لا ننسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقله.
القاعدة الخامسة
كلما كان الأمر متعلقًا بأشراط الساعة والغيب، وجب أن تكون درجة الاحتياط أعلى.
رابع عشر: محمد الفايد نموذج لدراسة "الشخصية المؤثرة" لا "رسول الدجال"
إذا أردنا تناول محمد الفايد أكاديميًا، فالأفضل أن نضعه ضمن إطار:
"الشخصية الفكرية والإعلامية المؤثرة وإشكالية الخطاب الديني والعلمي في العصر الرقمي".
ثم ندرس:
مضمون خطاباته.
مصادر أفكاره.
مواقفه من القرآن والسنة.
علاقته بالعلوم الحديثة.
أثره في الجمهور.
طبيعة الانتقادات الموجهة إليه.
مدى توافق آرائه أو تعارضها مع أصول العقيدة الإسلامية.
أثر وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار أفكاره.
بعد ذلك يستطيع الباحث إصدار حكم علمي على الأفكار، لا ادعاء علم الغيب بشأن الشخص.
خامس عشر: من "رسول الدجال" إلى "صناعة الدجالية"
ربما تكون المسألة الأهم أكاديميًا ليست:
من هو رسول الدجال؟
وإنما:
كيف يمكن أن تنتج المجتمعات الحديثة أشكالًا من الخطاب الدجالي؟
والدجالية – بالمعنى التحليلي لا العقدي – يمكن أن تتمثل في:
ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة.
استغلال جهل الجمهور.
تقديم الوهم على أنه علم.
استغلال الخوف.
صناعة العدو.
تحويل الشخصية إلى مرجعية لا تخطئ.
إقصاء النقد.
استغلال الدين لتحقيق الشهرة.
تقديم النظريات غير المثبتة كحقائق نهائية.
وهنا يتحول البحث من اتهام الأشخاص إلى دراسة آليات التضليل وصناعة التأثير.
سادس عشر: الدهيماء كاختبار للثبات
من أعمق ما يمكن استخلاصه من الحديث أن الفتنة لا تختبر معرفة الإنسان فقط، وإنما تختبر ثباته.
فالإنسان قد يعرف الحق، لكنه يتخلى عنه عندما:
يخاف.
يطمع.
يتبع الجماعة.
يخشى العزلة.
ينجذب إلى الشهرة.
ينبهر بالقوة.
يصدق كل ما يسمعه.
ولهذا فإن مواجهة الفتن ليست بكثرة الحديث عنها فقط، وإنما ببناء:
العلم + التقوى + التثبت + العقل + البصيرة.
خاتمة
إن فتنة الدهيماء من الأحاديث العظيمة التي تستحق دراسة حديثية وعقدية واجتماعية متأنية. فهي تصف فتنة شديدة التأثير، تمتد آثارها إلى عموم الأمة، وتتميز بسرعة التحول واضطراب المواقف، وتنتهي – بحسب الحديث – إلى انقسام واضح بين الإيمان والنفاق، ثم يرتبط ذلك بسياق ظهور الدجال.
أما القول بأن محمد الفايد أو غيره من الشخصيات المعاصرة هو "رسول للدجال"، فلا يمكن إثباته بمجرد التشابه في بعض الأفكار أو التصريحات، ولا يوجد نص صحيح صريح يعيّن هذه الشخصية بهذا الوصف.
والمنهج العلمي يقتضي أن نقول:
قد يكون الإنسان ناشرًا لفكرة خاطئة، أو مؤثرًا في فتنة فكرية، أو سببًا في تضليل بعض الناس، لكن ذلك لا يجعله تلقائيًا "رسولًا للدجال".
فالدهيماء في الحديث فتنة وليست شخصًا، والدجال شخصية غيبية أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم، وأما إسقاط أحداث آخر الزمان على أشخاص معاصرين فهو اجتهاد بشري لا يجوز تحويله إلى عقيدة.
ومن هنا فإن السؤال الأكثر أهمية ليس:
"من هو رسول الدجال؟"
بل:
"كيف نحمي الإنسان من أن يتحول إلى تابع للباطل في زمن تختلط فيه الحقيقة بالوهم؟"
وهنا تتجلى الحكمة الكبرى من أحاديث الفتن:
أن النجاة لا تكون بالانشغال بتعيين الأشخاص، وإنما بمعرفة الحق والثبات عليه، والتحقق من الأخبار، وعدم الانقياد وراء كل صاحب تأثير أو شهرة أو خطاب مثير.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم نفسه يحذر من فتنة الدجال تحذيرًا شديدًا، ويعلّم الأمة وسائل الوقاية منها، بدل أن يجعلها منشغلة بتسمية أشخاص لم يسمهم الوحي.