السبت، 9 مايو 2026

تصاعد خطاب التخوين والوصاية الدينية في الفضاء الرقمي: قراءة سوسيولوجية-قانونية في السياق المغربي

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

يشهد الفضاء الرقمي المغربي في السنوات الأخيرة تحولات عميقة على مستوى أنماط التعبير والتفاعل، حيث أتاح الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي إمكانيات غير مسبوقة للتعبير الحر وتبادل الآراء. غير أن هذا الاتساع رافقه، في المقابل، بروز أنماط خطابية مقلقة، أبرزها تصاعد خطاب التخوين والوصاية الدينية، الذي يقوم على نزع الشرعية الأخلاقية أو الدينية عن المخالف، وتحويل الاختلاف الفكري إلى صراع هوياتي مغلق. هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن تحولات أوسع تمس البنية القيمية والاجتماعية، وتفرض إعادة التفكير في حدود الحرية الرقمية ومسؤولياتها.

أولاً: الإطار المفاهيمي للظاهرة

يمكن تعريف خطاب التخوين بأنه نمط تواصلي يقوم على إسناد نوايا سلبية أو خيانة رمزية للآخر، دون سند موضوعي، بهدف إقصائه من دائرة الشرعية الاجتماعية أو الوطنية. أما الوصاية الدينية فتعني ادعاء امتلاك الحقيقة الدينية المطلقة، وتوظيفها لفرض سلطة رمزية على الآخرين، بما يحد من حقهم في التأويل أو الاختلاف.

من منظور علم الاجتماع، يرتبط هذا النمط بما يُعرف بـ"العنف الرمزي"، حيث يتم استخدام اللغة كأداة للهيمنة والإقصاء. كما يمكن قراءته ضمن نظريات الهوية والصراع، التي تفسر كيف تتحول الاختلافات الفكرية إلى أدوات لإعادة إنتاج التمايز الاجتماعي.

ثانياً: العوامل المفسرة لتصاعد الظاهرة

لا يمكن إرجاع انتشار هذا الخطاب إلى عامل واحد، بل هو نتيجة تفاعل عدة محددات:

العامل الرقمي والتقني

تُسهم خوارزميات المنصات الرقمية في تعزيز ما يسمى "فقاعات الرأي"، حيث يتعرض المستخدم لمحتوى يوافق قناعاته، مما يعزز الانغلاق الفكري ويغذي نزعات التطرف في الحكم على الآخر.

الهشاشة المعرفية والدينية

غياب التكوين الرصين في القضايا الدينية يدفع بعض الأفراد إلى تبني قراءات سطحية أو انتقائية، تُوظف في إصدار أحكام جاهزة، وهو ما يفتح الباب أمام التوظيف الأيديولوجي للدين.

التوترات الاجتماعية والسياسية

في سياقات التحول، يميل بعض الفاعلين إلى توظيف الدين كأداة للشرعنة أو التعبئة، مما يؤدي إلى تسييس الخطاب الديني وتحويله إلى أداة صراع.

أزمة الثقة في الوسائط والمؤسسات

حين تتراجع الثقة في المؤسسات الوسيطة، يلجأ الأفراد إلى التعبير المباشر وغير المؤطر، مما يزيد من حدة الخطاب ويضعف آليات الضبط الذاتي.

ثالثاً: تجليات الخطاب في الفضاء الرقمي

يتخذ خطاب التخوين والوصاية الدينية أشكالاً متعددة، من أبرزها:

التشكيك في إيمان الأفراد أو وطنيتهم بناءً على مواقف فكرية.

استعمال نعوت قدحية ذات حمولة أيديولوجية أو دينية.

اختزال الدين في تمثلات ضيقة تُقصي التنوع الفقهي والفكري.

توظيف الرموز الدينية كغطاء لخطاب إقصائي.

هذه الممارسات تندرج ضمن ما يُعرف في علم النفس الاجتماعي بآليات "التصنيف الثنائي" (نحن/هم)، التي تُبسط الواقع وتُقصي التعقيد.

رابعاً: الآثار المجتمعية والقيمية

إن استمرار هذا النمط من الخطاب يحمل تداعيات عميقة:

تقويض قيم التعدد والاختلاف التي تُعد من ركائز المجتمع المغربي.

إضعاف الثقة الاجتماعية عبر نشر الشك والريبة بين الأفراد.

تشويه صورة الدين عبر اختزاله في خطاب إقصائي متوتر.

تهديد السلم الرقمي وتحويل الفضاء الافتراضي إلى مجال صراع بدل الحوار.

خامساً: الإطار الدستوري والمؤسساتي في المغرب

يتميز المغرب بخصوصية في تدبير الشأن الديني، حيث يُؤطر دستورياً ضمن إمارة المؤمنين، بما يضمن وحدة المرجعية الدينية وحمايتها من التوظيف السياسي أو الفوضى التأويلية. ويضطلع المجلس العلمي الأعلى بدور أساسي في تأطير الفتوى وتوجيه الخطاب الديني، إلى جانب وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.

إن أي محاولة لادعاء الوصاية الدينية خارج هذه الأطر لا تُعد فقط انحرافاً معرفياً، بل تمثل أيضاً مساساً بالتوازن المؤسسي الذي يضمن الأمن الروحي للمجتمع.

سادساً: نحو مقاربة علاجية متكاملة

لمواجهة هذه الظاهرة، يقتضي الأمر اعتماد مقاربة متعددة الأبعاد:

تعزيز التربية الرقمية: ترسيخ ثقافة الحوار واحترام الاختلاف داخل الفضاء الرقمي.

تأهيل الخطاب الديني: دعم المبادرات التي تقدم فهماً وسطياً منفتحاً للدين.

تفعيل القوانين: مواجهة خطاب الكراهية والتشهير وفق الضوابط القانونية.

تقوية الوساطة المجتمعية: عبر مؤسسات التربية والإعلام والمجتمع المدني.

تشجيع التفكير النقدي: بما يمكن الأفراد من التمييز بين الرأي والحكم القيمي.

إن تصاعد خطاب التخوين والوصاية الدينية في الفضاء الرقمي ليس مجرد انحراف لغوي عابر، بل هو مؤشر على تحولات أعمق في بنية الوعي الجماعي. ومع أن الفضاء الرقمي يتيح حرية التعبير، فإن هذه الحرية تظل مشروطة بالمسؤولية الأخلاقية والقانونية. إن حماية التعدد والاختلاف، وصون كرامة الأفراد، يقتضيان إعادة الاعتبار لمنطق الحجة، وترسيخ ثقافة الحوار، بما ينسجم مع الخصوصية الدينية والمؤسساتية للمغرب، ويحصن المجتمع من الانزلاق نحو الانقسام الرمزي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق