الاثنين، 11 مايو 2026

بين رهانات الدولة وتحولات المرحلة: هل يصبح تأجيل الانتخابات التشريعية بالمغرب خيارًا دستوريًا وسياسيًا مطروحا ؟

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!


يشهد المغرب منذ سنوات تحولات عميقة على المستويات الدستورية والسياسية والجيوسياسية، في ظل إعادة تشكيل أولويات الدولة الوطنية وفق رؤية استراتيجية جديدة يقودها الملك محمد السادس، تقوم على ترسيخ النموذج التنموي الجديد، وتعزيز السيادة الوطنية، وتوسيع مكانة المغرب إقليميًا ودوليًا، مع اقتراب محطة مفصلية مرتبطة بتنزيل مشروع الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية باعتباره الحل الواقعي والنهائي لقضية الصحراء المغربية.

وفي خضم هذه التحولات، يثار نقاش سياسي وفكري حول مدى جاهزية المشهد الحزبي المغربي لمواكبة هذه المرحلة الدقيقة، وحول إمكانية تأجيل الانتخابات التشريعية المقبلة المقررة سنة 2026، باعتبار ذلك خيارًا دستوريًا وسياسيًا قد تفرضه ضرورات المصلحة العليا للدولة، أو متطلبات إعادة ترتيب الحياة السياسية بما ينسجم مع التحولات الكبرى التي تعرفها البلاد.

هذا النقاش لا يمكن مقاربته بمنطق الانفعال أو الاصطفاف السياسي الضيق، بل من خلال قراءة أكاديمية ودستورية تستحضر التجارب التاريخية المغربية، وطبيعة النظام الدستوري المغربي، والتحديات الجيوسياسية الراهنة.

أولًا: التحولات العميقة التي يعرفها المغرب

1. انتقال المغرب إلى مرحلة الدولة الاستراتيجية

لم يعد المغرب مجرد دولة تدبر الشأن الداخلي بمنطق التدبير الإداري التقليدي، بل أصبح يتحرك وفق تصور استراتيجي شامل يرتبط بالأمن القومي، والسيادة الاقتصادية، والتموقع الجيوسياسي، والشراكات الدولية الكبرى.

ويتجلى ذلك في عدة مؤشرات:

الاعترافات الدولية المتزايدة بمغربية الصحراء؛

تنامي الحضور المغربي في إفريقيا؛

التحول نحو اقتصاد استراتيجي قائم على الطاقات المتجددة والصناعة؛

تنزيل النموذج التنموي الجديد؛

تعزيز الصناعات الدفاعية والأمنية؛

مشروع الدولة الاجتماعية؛

التحولات المرتبطة بالأمن الغذائي والمائي.

كل هذه الأوراش تجعل الدولة تتحرك بمنطق “الدولة العميقة الاستراتيجية”، وليس فقط بمنطق التدبير الحكومي اليومي.

2. مشروع الحكم الذاتي كمرحلة مفصلية

يعتبر مشروع الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية أحد أكبر المشاريع السياسية والدستورية في تاريخ المغرب المعاصر، لأنه لا يرتبط فقط بقضية ترابية، بل بإعادة تشكيل هندسة الدولة الترابية والمؤسساتية.

ففي حال الانتقال إلى مرحلة تنزيل فعلي وواسع للحكم الذاتي، فإن ذلك سيفرض:

إعادة توزيع الاختصاصات؛

تطوير الجهوية المتقدمة؛

مراجعات قانونية ومؤسساتية؛

إدماج كفاءات جديدة؛

انفتاحًا على عودة عدد من أبناء مخيمات تندوف للمشاركة في البناء المؤسساتي والسياسي.

وهنا يطرح سؤال جوهري: هل النخب الحزبية الحالية مؤهلة فعلاً لمواكبة هذا التحول التاريخي؟

ثانيًا: أزمة الأحزاب السياسية بالمغرب

1. ضعف التأطير السياسي

رغم الأدوار الدستورية التي منحها دستور 2011 للأحزاب السياسية، إلا أن الواقع يكشف استمرار مجموعة من الاختلالات، من أبرزها:

غياب الديمقراطية الداخلية؛

هيمنة منطق الأعيان والمال الانتخابي؛

ضعف التكوين السياسي والفكري؛

غياب النخب الشابة والكفاءات؛

تحوّل بعض الأحزاب إلى آلات انتخابية موسمية.

وقد سبق لـ الملك محمد السادس أن وجّه في عدة خطب انتقادات مباشرة وغير مباشرة للنخب السياسية، داعيًا إلى تجديدها وربط المسؤولية بالكفاءة.

2. الفجوة بين الدولة والأحزاب

أصبح واضحًا لدى جزء من الرأي العام أن الدولة تتحرك بسرعة في ملفات استراتيجية كبرى، بينما ما تزال بعض الأحزاب غارقة في صراعات التزكيات والمقاعد والحسابات الانتخابية الضيقة.

وهذا ما خلق نوعًا من “الانفصال السياسي” بين:

مشروع الدولة الاستراتيجي؛

والممارسة الحزبية التقليدية.

وهو ما يفسر تنامي العزوف السياسي، وضعف الثقة في المؤسسات الوسيطة.

ثالثًا: هل يسمح الدستور المغربي بتأجيل الانتخابات؟

1. من الناحية الدستورية

الدستور المغربي لا ينص بشكل صريح على “تأجيل الانتخابات التشريعية” كخيار عادي، لكنه يتيح مجموعة من الآليات الاستثنائية المرتبطة بالظروف الوطنية الكبرى.

ومن بين المقتضيات التي يمكن أن تؤطر أي نقاش من هذا النوع:

الفصل 59 المتعلق بحالة الاستثناء؛

الفصل 49 المرتبط بالمجلس الوزاري والقضايا الاستراتيجية؛

إمكانية اللجوء إلى تشريعات أو ترتيبات استثنائية إذا اقتضت المصلحة العليا ذلك.

لكن أي تأجيل محتمل يحتاج إلى:

سند دستوري واضح؛

توافق سياسي ومؤسساتي؛

تبرير وطني قوي مرتبط بالاستقرار والمصلحة العليا.

2. التجربة التاريخية لسنة 1989

عرف المغرب خلال عهد الحسن الثاني محطة سياسية مهمة عندما تم تمديد الولاية التشريعية سنة 1989 عبر استفتاء شعبي، في سياق إقليمي ودولي خاص.

وقد بررت تلك الخطوة آنذاك بضرورات مرتبطة بالوحدة الترابية والظروف الوطنية.

لكن السياق الحالي يختلف من عدة جوانب:

المغرب اليوم يتوفر على دستور جديد؛

توجد مؤسسات دستورية أكثر تطورًا؛

هناك وعي حقوقي وسياسي أكبر؛

المجتمع أكثر ارتباطًا بالمسار الديمقراطي.

لذلك فإن أي سيناريو مشابه يجب أن يتم في إطار احترام الشرعية الدستورية والتوافق الوطني.

رابعًا: هل يمكن لحكومة وطنية أن تكون خيارًا مرحليًا؟

تطرح بعض القراءات السياسية فكرة تشكيل “حكومة وطنية” تضم كفاءات سياسية وتقنوقراطية لمواكبة المرحلة المقبلة، خاصة مع اقتراب تنزيل أوراش استراتيجية كبرى.

وقد يكون الهدف من ذلك:

توحيد الجبهة الداخلية؛

تسريع الإصلاحات؛

إعادة هيكلة المشهد الحزبي؛

إدماج الكفاءات الوطنية؛

مواكبة تنزيل الحكم الذاتي.

غير أن هذا الخيار بدوره يطرح عدة أسئلة:

هل ستقبل الأحزاب بالتنازل عن الحسابات الانتخابية؟

هل يمكن تحقيق إجماع سياسي واسع؟

هل سيُنظر إلى ذلك كتقوية للمسار الديمقراطي أم كتراجع عنه؟

خامسًا: بين ضرورات الاستقرار ومتطلبات الديمقراطية

إن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على اتخاذ القرارات الاستراتيجية، بل أيضًا بقدرتها على الحفاظ على التوازن بين:

الاستقرار؛

والشرعية الديمقراطية.

فالديمقراطية ليست مجرد انتخابات، لكنها أيضًا ليست قابلة للتجميد دون مبررات استثنائية قوية.

وفي المقابل، فإن استمرار الممارسة السياسية التقليدية دون إصلاح حقيقي قد يفرغ المؤسسات المنتخبة من مضمونها الاستراتيجي.

ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى:

إعادة تأهيل الأحزاب؛

ضخ نخب جديدة؛

ربط السياسة بالكفاءة؛

تجديد الثقة بين المواطن والمؤسسات.

إن النقاش حول احتمال تأجيل الانتخابات التشريعية لسنة 2026 بالمغرب يظل فرضية سياسية مرتبطة بقراءة مرحلة دقيقة من تاريخ الدولة المغربية، مرحلة تتسم بتحولات استراتيجية كبرى داخليًا وخارجيًا.

غير أن أي توجه من هذا النوع ينبغي أن يتم داخل إطار الشرعية الدستورية والتوافق الوطني، بعيدًا عن الحسابات الظرفية أو منطق التحكم السياسي.

فالمغرب اليوم يوجد أمام معادلة دقيقة: كيف يمكن مواصلة بناء “الدولة الاستراتيجية الجديدة” دون إضعاف المسار الديمقراطي؟

إن التحدي الحقيقي ليس فقط في تنظيم الانتخابات أو تأجيلها، بل في إنتاج نخب سياسية قادرة على مواكبة مغرب التحولات الكبرى، مغرب السيادة، والكفاءة، والعدالة المجالية، والدولة الاجتماعية.

وربما يكون السؤال الأهم اليوم: هل تحتاج المرحلة إلى انتخابات فقط، أم إلى إعادة تأسيس حقيقية للعقل السياسي والحزبي المغربي؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق