الخميس، 14 مايو 2026

خطاب الذكرى السبعين.. الملك يرسم معالم “جيش المغرب الجديد”

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

قراءة تحليلية صحفية في الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى السبعين لتأسيس القوات المسلحة الملكية

يشكل الخطاب الذي وجهه الملك محمد السادس إلى أفراد القوات المسلحة الملكية بمناسبة الذكرى السبعين لتأسيسها، وثيقة سياسية واستراتيجية ذات أبعاد متعددة، تتجاوز الطابع الاحتفالي أو البروتوكولي، لتؤكد مرة أخرى طبيعة التحولات التي يشهدها المغرب على مستوى العقيدة الأمنية والعسكرية والتنموية والاجتماعية.

فالخطاب الملكي جاء في سياق إقليمي ودولي شديد التعقيد، يتسم بتنامي التهديدات الأمنية، وتصاعد الحروب السيبرانية، وتغير طبيعة النزاعات الدولية، إلى جانب التحديات المناخية والاقتصادية، وهو ما جعل المؤسسة العسكرية المغربية تنتقل من مجرد مؤسسة دفاعية تقليدية إلى فاعل استراتيجي متعدد الوظائف والأدوار.

أولا: تثبيت العقيدة الوطنية للمؤسسة العسكرية

ركز الخطاب على البعد التاريخي والرمزي للقوات المسلحة الملكية باعتبارها مؤسسة وطنية ضاربة في العمق، ارتبط تأسيسها بمسار بناء الدولة المغربية الحديثة بعد الاستقلال. غير أن الرسالة الأبرز في هذا المحور هي التأكيد على استمرار العقيدة القائمة على:

حماية الوحدة الترابية للمملكة.

الدفاع عن الأمن القومي المغربي.

الارتباط العضوي بين العرش والشعب والقوات المسلحة.

ويلاحظ أن الخطاب أعاد التأكيد ضمنيًا على مركزية قضية الصحراء المغربية داخل العقيدة الدفاعية للمملكة، خاصة عبر الحديث عن حماية الحدود البرية والبحرية والجوية، وهو ما ينسجم مع التحولات الجيوسياسية التي تعرفها المنطقة، خصوصًا في ظل الاعترافات الدولية المتزايدة بمغربية الصحراء ودعم مبادرة الحكم الذاتي.

ثانيا: الجيش المغربي من القوة الصلبة إلى القوة الإنسانية

من أبرز التحولات التي عكسها الخطاب الملكي هو تكريس مفهوم “الجيش المواطن”، حيث لم يعد دور القوات المسلحة يقتصر على الوظيفة العسكرية التقليدية، بل أصبح فاعلًا إنسانيًا واجتماعيًا وتنمويًا.

فالملك أشاد بشكل واضح بتدخلات القوات المسلحة في:

عمليات الإنقاذ والإغاثة خلال الفيضانات.

دعم المناطق المتضررة من التقلبات المناخية.

إنشاء المستشفيات العسكرية الميدانية.

تقديم الخدمات الطبية بالمناطق الجبلية والنائية.

وهنا يظهر بوضوح أن المؤسسة العسكرية المغربية أصبحت جزءًا من منظومة الأمن الشامل، الذي لا يقتصر على الأمن العسكري فقط، بل يشمل الأمن الاجتماعي والإنساني والصحي والمجالي.

كما أن الإشادة بالتنسيق بين القوات المسلحة والدرك والأمن الوطني والوقاية المدنية يعكس توجهًا نحو بناء نموذج مغربي متكامل في تدبير الأزمات والكوارث.

ثالثا: الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني… انتقال نحو جيش المستقبل

الجزء الأكثر أهمية استراتيجيًا في الخطاب يتمثل في حديث الملك عن:

الذكاء الاصطناعي.

الرقمنة.

الأمن السيبراني.

البحث العلمي والتقني.

وهذا المعطى يعكس إدراكًا رسميًا بأن الحروب الحديثة لم تعد تُحسم فقط بالسلاح التقليدي، بل بالتكنولوجيا والمعلومة والتفوق الرقمي.

فالخطاب يعلن عمليًا دخول المغرب مرحلة بناء “الجيش الذكي”، القادر على:

مواكبة التحولات العسكرية العالمية.

مواجهة التهديدات الإلكترونية.

تطوير الصناعات الدفاعية والتكنولوجية.

الاستثمار في الرأسمال البشري العسكري.

وهو توجه ينسجم مع الدينامية التي يعرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة عبر تحديث الترسانة الدفاعية، وتنويع الشراكات العسكرية، والانفتاح على الصناعات الدفاعية المتقدمة.

رابعا: الخدمة العسكرية وإعادة تشكيل الوعي الوطني

الملك محمد السادس أعطى حيزًا مهمًا للخدمة العسكرية، ليس فقط باعتبارها برنامجًا للتكوين، بل باعتبارها مشروعًا لإعادة بناء القيم الوطنية لدى الشباب المغربي.

فالخطاب ربط الخدمة العسكرية بـ:

المواطنة.

الانضباط.

روح المسؤولية.

الاندماج المهني.

التكوين التقني.

وهنا يظهر أن الدولة المغربية تنظر إلى الخدمة العسكرية كآلية استراتيجية لإعادة تأهيل الشباب وربطهم بالدولة والمؤسسات، خاصة في ظل التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعرفها المجتمع.

كما أن الحديث عن التكوين في تخصصات تقنية ومهنية يؤكد أن الخدمة العسكرية أصبحت جزءًا من السياسات العمومية المرتبطة بالتشغيل والتأهيل.

خامسا: البعد الاجتماعي داخل المؤسسة العسكرية

لم يغفل الخطاب الجانب الاجتماعي، إذ أعلن الملك عن:

إنشاء وتجديد مستشفيات عسكرية.

تحسين الرعاية الصحية للعسكريين والمتقاعدين.

إطلاق برنامج سكني ضخم يشمل 60 ألف وحدة سكنية.

وهذا المعطى يحمل دلالتين أساسيتين:

تعزيز الاستقرار الاجتماعي داخل المؤسسة العسكرية.

الحفاظ على معنويات العنصر البشري باعتباره أساس القوة العسكرية.

فالخطاب يربط بوضوح بين تحديث الجيش وتحسين الوضع الاجتماعي للعسكريين، في إطار رؤية تعتبر أن الأمن الاجتماعي للعسكري جزء من الأمن القومي للدولة.

سادسا: المغرب وتعزيز موقعه العسكري والدبلوماسي إقليميا ودوليا

أكد الخطاب استمرار المغرب في:

تعزيز التعاون العسكري الدولي.

توسيع الشراكات الثنائية والمتعددة الأطراف.

الانخراط في جهود الأمن والاستقرار الدوليين.

وهذا يعكس المكانة المتزايدة التي أصبحت تحتلها القوات المسلحة الملكية على المستوى الدولي، سواء في إطار المناورات المشتركة أو التعاون الأمني والعسكري مع عدد من القوى الدولية والإقليمية.

كما أن الخطاب يكرس صورة المغرب كفاعل إقليمي موثوق في قضايا الأمن ومحاربة الإرهاب والهجرة غير النظامية والاستقرار الإقليمي.

خلاصة تحليلية

يمكن القول إن الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى السبعين لتأسيس القوات المسلحة الملكية لم يكن مجرد خطاب احتفالي، بل خارطة طريق استراتيجية لجيش مغربي جديد، يقوم على:

التحديث التكنولوجي والعسكري.

الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي.

البعد الإنساني والاجتماعي.

الاستثمار في العنصر البشري.

تعزيز الأمن القومي الشامل.

توسيع الحضور الإقليمي والدولي للمغرب.

إنه خطاب يؤكد أن المغرب دخل مرحلة إعادة صياغة مفهوم القوة الوطنية، حيث لم تعد المؤسسة العسكرية مجرد أداة دفاعية، بل ركيزة مركزية في مشروع الدولة المغربية الحديثة، أمنيا وتنمويا واستراتيجيا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق