بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!
في كل مناسبة لعيد الأضحى المبارك، تعود إلى الذاكرة الجماعية للمغاربة واحدة من أكثر الصفحات الإنسانية إيلامًا في تاريخ العلاقات المغاربية الحديثة؛ صفحة التهجير القسري لآلاف الأسر المغربية من الأراضي الجزائرية أواخر سنة 1975، في ظرف سياسي وإقليمي شديد التوتر أعقب استرجاع المغرب لأقاليمه الجنوبية عبر المسيرة الخضراء.
لقد شكل ذلك القرار، الذي اتخذته السلطات الجزائرية آنذاك، صدمة إنسانية عميقة امتدت آثارها لعقود طويلة، بعدما وجد آلاف المغاربة أنفسهم بين ليلة وضحاها مجبرين على مغادرة بيوت استقروا فيها لسنوات طويلة، تاركين وراءهم ممتلكاتهم وأعمالهم وذكرياتهم الاجتماعية والعائلية، في واحدة من أكبر عمليات الترحيل الجماعي التي عرفتها المنطقة المغاربية في القرن العشرين.
ولم تقتصر تداعيات تلك الأحداث على الجانب المادي فقط، بل خلفت جراحًا نفسية واجتماعية عميقة، خاصة مع تفكك العديد من الأسر المختلطة وحرمان أطفال ونساء وشيوخ من أبسط شروط الاستقرار الإنساني. كما ظلت شهادات الضحايا شاهدة على حجم المعاناة التي عاشها المرحّلون وهم يعبرون الحدود في ظروف قاسية، بعيدًا عن روح التضامن والتآخي التي يفترض أن تجمع شعوب المنطقة.
وتكتسي هذه الذكرى أبعادًا رمزية خاصة، لأنها ارتبطت بفترة كان يُفترض فيها أن تتعزز فيها قيم الوحدة المغاربية والتكامل الإقليمي، غير أن الحسابات السياسية والصراعات الإيديولوجية آنذاك دفعت نحو تعميق القطيعة وزرع مزيد من التوتر بين الشعبين الشقيقين.
ورغم مرور عقود على تلك الأحداث، لا تزال العديد من الأسر المغربية المتضررة تطالب بفتح هذا الملف من منظور إنساني وحقوقي، يقوم على الإنصاف وحفظ الذاكرة الجماعية واحترام الكرامة الإنسانية، بعيدًا عن منطق التصعيد أو تأجيج الخلافات السياسية. فالمآسي الإنسانية لا ينبغي أن تُدفن بالنسيان، بل يجب أن تتحول إلى دروس تاريخية تعزز قيم العدالة والمصالحة وحسن الجوار.
وفي مقابل ذلك، ظل المغرب يؤكد في مختلف المراحل تمسكه بخيار الأخوة المغاربية وبناء مستقبل مشترك لشعوب المنطقة، قائم على الحوار والتعاون والاحترام المتبادل، باعتبار أن استقرار المغرب العربي لن يتحقق إلا بتجاوز إرث الأزمات والانتصار لمنطق الحكمة والتقارب.
إن استحضار هذه الذكرى اليوم لا يهدف إلى إعادة إنتاج الخصومات، بقدر ما يسعى إلى صون الذاكرة الوطنية والإنسانية، والتأكيد على أن معاناة الأسر التي تعرضت للتهجير القسري ستبقى جزءًا من التاريخ الاجتماعي للمغاربة، ودرسًا مؤلمًا حول خطورة توظيف الخلافات السياسية على حساب الروابط الإنسانية بين الشعوب.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق