بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!
يشكّل البلاغ الصادر عن الديوان الملكي يوم 2 ماي 2026 حدثًا ذا دلالات عميقة، سواء على مستوى تدبير المؤسسة العسكرية أو في سياق استمرارية الدولة المغربية، وهو ما يفتح المجال لقراءة تحليلية في أبعاده السياسية والمؤسساتية.
تعيين استراتيجي في لحظة دقيقة
في خطوة لافتة، أعلن الديوان الملكي أن محمد السادس، بصفته القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية، عيّن مولاي الحسن منسقًا لمكاتب ومصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية.
هذا القرار ليس إجراءً إداريًا عاديًا، بل يحمل أبعادًا استراتيجية واضحة، خاصة أنه يستحضر تجربة سابقة عاشها الملك نفسه عندما كان وليًا للعهد، حيث تولى نفس المهمة منذ سنة 1985 بتكليف من والده الراحل الحسن الثاني. وهو ما يعكس منطقًا مؤسساتيًا قائمًا على التدرج في تحمل المسؤوليات الكبرى داخل الدولة.
إعداد ملكي مبكر لقيادة مستقبلية
يمكن قراءة هذا التعيين في إطار إعداد ولي العهد لتحمل أدوار سيادية عليا، خصوصًا في مؤسسة تعتبر من ركائز الدولة، وهي القوات المسلحة الملكية. فمهمة “تنسيق مكاتب ومصالح القيادة العامة” ليست شكلية، بل تتيح الاطلاع المباشر على آليات اتخاذ القرار العسكري، والتدبير الاستراتيجي، والتنسيق بين مختلف الأجهزة.
وهذا يعكس فلسفة الحكم في المغرب، التي تقوم على التكوين الميداني والتدرج العملي، بدل الاكتفاء بالتأهيل النظري أو البروتوكولي.
رسائل داخلية: الاستمرارية والاستقرار
يحمل البلاغ رسائل واضحة للداخل، مفادها أن الدولة المغربية مستمرة في نهجها القائم على الاستقرار المؤسسي، وأن هناك حرصًا على ضمان انتقال سلس ومسؤول للمهام السيادية عبر الأجيال.
كما يعزز هذا القرار صورة المؤسسة العسكرية باعتبارها فضاءً للانضباط والكفاءة والولاء، وهي القيم التي شدد عليها البلاغ بشكل صريح، من خلال الإشارة إلى “الكفاءة والانضباط والاستقامة والغيرة الوطنية”.
أبعاد رمزية: استحضار الإرث وتكريس الشرعية
استحضار تجربة الملك محمد السادس عندما كان وليًا للعهد ليس مجرد إحالة تاريخية، بل هو تأكيد على استمرارية النموذج المغربي في الحكم، حيث يتم نقل الخبرة والتجربة داخل المؤسسة الملكية بشكل منظم.
كما يعكس هذا التعيين بعدًا رمزيًا مهمًا، يتمثل في تكريس شرعية المؤسسة الملكية كضامن لوحدة الدولة واستمراريتها، خاصة في ظل التحولات الإقليمية والدولية.
القوات المسلحة: بين الواجب الوطني والبعد الإنساني
البلاغ لم يقتصر على الإعلان عن التعيين، بل أعاد التأكيد على الأدوار المتعددة للقوات المسلحة الملكية، التي لا تقتصر على الدفاع عن الوحدة الترابية، بل تشمل أيضًا مهام إنسانية واجتماعية.
وهذا يعكس التحول في العقيدة العسكرية المغربية، التي أصبحت تجمع بين الأمن الصلب (الدفاع) والأمن الإنساني (الإغاثة، المساعدة، التدخل في الكوارث).
خلاصة
إن تعيين ولي العهد الأمير مولاي الحسن منسقًا لمكاتب ومصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية يمثل خطوة مدروسة في إطار استمرارية الدولة المغربية، وتكريسًا لمنهج التدرج في تحمل المسؤوليات العليا.
فهو قرار يجمع بين البعد العملي (التكوين والتأهيل)، والبعد الرمزي (استمرارية المؤسسة الملكية)، والبعد الاستراتيجي (ضمان الاستقرار المؤسسي)، ليؤكد مرة أخرى خصوصية النموذج المغربي في تدبير السلطة وبناء المستقبل.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق