بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!
مرة أخرى، تعود ظاهرة الترحال السياسي والتهافت على التزكيات لتضع المشهد الحزبي المغربي أمام أسئلة محرجة تتعلق بمصداقية العمل السياسي وحدود الأخلاق الحزبية في مرحلة يفترض أنها تؤسس لاستحقاقات ديمقراطية حقيقية. فالواقعة التي تفجرت مؤخرًا، والمتعلقة بظهور مرشح واحد باسم حزبين مختلفين وفي الدائرة الانتخابية نفسها خلال فترة زمنية قصيرة، ليست مجرد حادث عابر أو خطأ في التواصل، بل تعكس أزمة عميقة تضرب البنية السياسية والحزبية بالمغرب.
إن ما حدث بدائرة مولاي رشيد بمدينة الدار البيضاء، بعدما ظهر محمد عدناني أولًا إلى جانب الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية نبيل بنعبد الله كمرشح باسم الحزب، ثم ظهر بعدها بساعات فقط إلى جانب الأمين العام للحركة الشعبية محمد أوزين باعتباره مرشحًا للحزب نفسه في الدائرة ذاتها، يكشف بوضوح حجم الارتباك والانحدار الذي وصلت إليه بعض الممارسات السياسية والحزبية.
الأخطر من الواقعة نفسها، هو الرسالة السياسية التي تُبعث إلى الرأي العام، ومفادها أن الانتماء الحزبي لم يعد قائمًا على القناعة الفكرية أو المشروع المجتمعي أو التراكم النضالي، بل أصبح في كثير من الأحيان مجرد “قنطرة انتخابية” للوصول إلى المؤسسات المنتخبة، بأي لون سياسي كان، وفي أي اتجاه كانت الرياح الانتخابية تهب.
لقد تحولت بعض الأحزاب، للأسف، من مؤسسات للتأطير السياسي وصناعة النخب إلى فضاءات مفتوحة لاستقطاب “الأعيان الانتخابيين” وأصحاب النفوذ والقدرة على حشد الأصوات، بغض النظر عن الخلفية السياسية أو الانسجام الإيديولوجي أو حتى التاريخ الحزبي للشخص المعني. وأصبح منطق “من يربح المقعد” يتفوق على منطق “من يمثل المشروع السياسي”.
هذه الممارسات لا تسيء فقط لصورة الأحزاب، بل تضرب في العمق مفهوم الديمقراطية التمثيلية، لأن المواطن حين يرى مرشحًا ينتقل بين حزبين في ساعات معدودة، فإنه يقتنع تدريجيًا بأن الصراع الحزبي ليس صراع برامج ورؤى، وإنما مجرد صراع حول المواقع والنفوذ وتقاسم “الكعكة الانتخابية”.
كما أن هذه السلوكيات تفضح التناقض الصارخ بين الخطاب الرسمي للأحزاب وبين واقع ممارساتها اليومية. فالأحزاب التي تتحدث عن تخليق الحياة السياسية وربط المسؤولية بالمحاسبة وتجديد النخب، هي نفسها التي تفتح أبوابها في اللحظات الأخيرة لكل من يملك وزنًا انتخابيًا، حتى وإن كان بلا امتداد نضالي أو تصور سياسي واضح.
والنتيجة الطبيعية لكل هذا، هي تعميق أزمة الثقة بين المواطن والسياسة. فكيف يمكن إقناع الشباب بالانخراط في العمل الحزبي، في وقت أصبحت فيه سنوات النضال والعمل التنظيمي أقل قيمة من القدرة على جلب الأصوات أو النفوذ المالي والانتخابي؟ وكيف يمكن الحديث عن ديمقراطية قوية في ظل استمرار منطق الولاءات الظرفية والتزكيات الموسمية؟
إن المغرب اليوم، وهو مقبل على استحقاقات سياسية مهمة، بحاجة إلى إعادة الاعتبار الحقيقي للفعل السياسي، عبر القطع مع منطق “الترحال الانتخابي المقنع”، وتشديد معايير التزكية، وربط المسؤولية الحزبية بالكفاءة والنزاهة والتراكم النضالي، لا بمنطق المصالح العابرة والتحالفات المناسبة.
لأن استمرار هذا العبث السياسي لن يؤدي إلا إلى مزيد من العزوف الشعبي، وإلى اتساع الهوة بين المواطن والمؤسسات الحزبية، وهو ما يشكل خطرًا حقيقيًا على الثقة في المسار الديمقراطي برمته.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق