بقلم : خليفة مزضوضي باحث في علم الاجتماع والنفس/مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات والاصلاح السلوكي/ المنسق العام للمرصد الوطني للإعلام والدبلوماسية الموازية.....!!
📈 مؤشرات وأرقام حديثة عن الطلاق في المغرب
بحسب تقرير المندوبية السامية للتخطيط (HCP)، ارتفعت حالات الطلاق من نحو 44,408 حالة سنة 2014 إلى حوالي 67,556 حالة سنة 2023، قبل أن تهبط قليلاً إلى حوالي 65,475 حالة في 2024.
كما أن الـ “المجلس الأعلى للسلطة القضائية” أشار إلى أنّ محاكم المملكة سجلت 40,214 قضية طلاق سنة 2024، بمعدل يقارب 110–400 طلاق/تطليق يومياً حسب المصدر.
تغيير نوع الطلاق: الطلاق بالتراضي (mutual consent) أصبح الشكل الغالب، إذ زاد من 63.1٪ في 2014 إلى نحو 89.3٪ في 2024.
كذلك تغيّرت تركيبة المطلقين حسب العمر والجنس: فمثلاً الفئة بين 45–49 سنة أصبحت تحتل نسبًا أكبر من المطلقين.
أيضاً هناك زيادة في عدد الأسر التي تتولى المرأة رئاستها (بسبب الطلاق أو الأرملة أو العزوبة) كما تشير HCP في تقريرها — ما يعكس تحوّل في البنية الأسرية.
🔎 ما الأسباب والعوامل التي تُفسر هذا الارتفاع؟
يبدو أن الظاهرة ليست مرتبطة بعامل واحد، بل بمجموعة من العوامل الاقتصادية، الاجتماعية، القانونية، والثقافية:
تغير القيم الاجتماعية والمعايير: في وقتٍ بات فيه الزواج يُنظر إليه أحيانًا كخيار اجتماعي أقل التزامًا مما كان عليه من قبل، وتقل الأولوية لقيم مثل "الصبر – التحمل – المودة" حسب بعض تحليلات المجتمع.
ضغوط اقتصادية والبطالة وارتفاع تكلفة المعيشة: هذه العوامل تؤدي إلى توتر داخل الأسرة، خصوصاً عندما لا توجد موارد مالية مستقرة، ما يزيد من صعوبة التفاهم والاستقرار.
قلة التوافق أو تفاهم ضعيف بين الزوجين: “عدم التفاهم، اختلاف أهداف أو توقعات الحياة، خيبات أمل بعد الزواج” غالبًا ما تُذكر بين الأسباب.
الوعي المتزايد بحقوق الفرد والمرأة: مع تطور التعليم، الحقوق، والوعي القانوني، بعض الأزواج قد يفضلون الانفصال بدل البقاء في زواج لا يوفر لهم الأمن أو الرضا.
تغيّر في أنماط الزواج (مثل تأخر الزواج، زواج لاحق في العمر، زواج غير رسمي/غير موثق) أحيانًا يؤدي إلى ضعف في التوافق أو توفير الضمانات اللازمة للاستقرار.
نقاط ضعف في آليات الصلح والمساندة الأسرية: بعض من يطالب بمراجعة القانون أو بدعم اجتماعي أكبر للعائلات للحد من الطلاق، وهي حاجة يبرزها الخبراء.
🧠 تبعات اجتماعية على الأسرة والمجتمع
ارتفاع الطلاق له آثار متعددة، منها:
تفكك الأسرة: مما يمكن أن يؤدي إلى مشاكل نفسية للأطفال، ضعف الروابط الأسرية، وزعزعة الاستقرار الاجتماعي.
زيادة الأسر تحت “رئاسة المرأة”: وهذا تحول مهم في البنية التقليدية للأسرة ويستلزم إعادة تنظيم الأدوار والحقوق والواجبات.
تزايد حالات “العزوبة” أو تأخر الزواج في أوساط الشباب، ما يؤثر بدوره على التركيبة السكانية والاستقرار المجتمعي.
ضغوط كبيرة على المؤسسات القضائية والاجتماعية: عدد القضايا، الحاجة إلى خدمات الصلح والمصالحة، ورعاية الأطفال والمطلقات… كل هذا يتطلب موارد تدعّم الأسرة بعد الطلاق.
🛠️ ما هي بعض الاقتراحات / الحلول المطروحة أو المطلوبة؟
من بين ما يُقترح لمعالجة الظاهرة أو التخفيف من آثارها:
تعزيز التوعية قبل الزواج: عبر دورات تحضير للزواج تشمل الجوانب النفسية، الاقتصادية، والتربوية — حتى تكون توقعات الزوجين واقعية ومبنية على تفاهم.
دعم آليات الصلح والمصالحة داخل الأسرة قبل اللجوء للطلاق: تفعيل دور الوساطة الأسرية، المساعدين الاجتماعيين، والمرشدين – خاصة في حالات الخلاف الأولية.
تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية: لأن الأزمات المادية تُعد عاملًا مهمًا في تقويض الزواج، وبالتالي لابد من سياسات اجتماعية واقتصادية تدعم الأسر (فرص شغل، دعم العائلات، تعليم).
دعم النفقة، الرعاية النفسية، وضمان حقوق الأطفال بعد الطلاق: لتقليل الأضرار الناتجة عن الانفصال، خصوصاً على الأجيال الجديدة.
إعادة النظر في القيم الاجتماعية والتنشئة الثقافية: تعزيز قيم الاحترام، الحوار، التضامن، التفاهم داخل الأسرة — وهو جزء من ما يمكن تسميته “تربية ناعمة” أيضاً.
💭 رأي/تحليل شخصي — نظرة تأملية
أرى أن ما يحدث في المغرب ليس فقط نتيجة أزمة قيم أو ضعف التقاليد، بل هو نتيجة طبيعية لتحولات عميقة في المجتمع: من ناحيتين — اجتماعية واقتصادية. التغيير في التعليم، الوعي، الأدوار، والظروف المعيشية يعني أن الأسرة ليست كما كانت قبل 20-30 سنة. لذلك من المهم أن نتعامل مع هذه الظاهرة بواقعية ووعي: لا كعار، ولكن كواقعة تستدعي منّا تفكيراً في كيف نبني أسرًا مستقرة، نفهم حقوقنا وواجباتنا، ونمكّن الأفراد (رجالًا ونساء) من اتخاذ قرارات سليمة.
كما أن هناك فرصة — إذا تعاملنا معها بحكمة — لنقل المجتمع نحو زواج مسؤول، قائم على تفاهم واحترام، وليس مجرد عرف اجتماعي. قد يكون هذا التحول صعب، لكنه ربما أهم من كل إحصائية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق