الثلاثاء، 2 ديسمبر 2025

ظاهرة من الواقعي الى الافتراضي : كيف أصبحت المنصات الرقمية محركات مركزيا للسلوك الإجتماعي


 

بقلم : خليفة مزضوضي باحث في علم الاجتماع والنفس/مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات والاصلاح السلوكي/ المنسق العام للمرصد الوطني للإعلام والدبلوماسية الموازية.....!!

مقدمة : 

يشهد العالم خلال العقود الأخيرة تحولات عميقة في البنى الاجتماعية والسلوكية، نتيجة الثورة التكنولوجية وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي. فقد أصبحت هذه المنصات فضاءً مفتوحًا للتعبير، وتبادل المعرفة، وبناء العلاقات، لكنها في الآن نفسه تحولت إلى قوة مؤثرة تعيد تشكيل السلوك الفردي والجماعي، وتعيد صياغة الهوية الاجتماعية والثقافية. إن تأثير التواصل الاجتماعي لم يعد مقتصرًا على الجانب الترفيهي أو المعلوماتي، بل أصبح عنصرًا بنيويًا في الحياة اليومية، بل والمحرك الأكبر للتغيرات السلوكية المعاصرة.

أولاً: مفهوم التواصل الاجتماعي وتحولاته

يشير التواصل الاجتماعي إلى استخدام الوسائط الرقمية لإنشاء شبكات تفاعلية تسمح للأفراد بتبادل المعلومات والآراء والصور والفيديوهات. ومع تطور التكنولوجيا، انتقل التواصل من المستوى الفردي إلى مستوى شبكات عملاقة تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية، مما أدى إلى:

تسريع نقل الأفكار والقيم.

خلق ثقافة رقمية جديدة.

تعزيز المشاركة والتأثير الجماعي.

إعادة تشكيل مفهوم الزمن والمكان في عملية التواصل.

ثانياً: العوامل التي تمنح التواصل الاجتماعي قوة التأثير السلوكي

1. الانتشار الواسع: الوصول إلى ملايين المستخدمين في لحظات.

2. التفاعل الفوري: القدرة على تشكيل ردود الأفعال فورًا وبشكل جماعي.

3. التأثير البصري: الصور والفيديوهات القصيرة أصبحت أدوات قوية لتحفيز السلوك.

4. خوارزميات الاستهداف: منصات التواصل تعزز المحتوى الأقرب لميول المستخدم، مما يزيد من تأثيره عليه ويعيد تشكيل قناعاته.

5. صناعة النماذج والقدوات المُؤثرة: مثل المؤثرين واليوتيوبرز.

ثالثاً: التأثيرات السلوكية لوسائل التواصل الاجتماعي

1. التأثير على السلوك الفردي

تغيّر القيم والاهتمامات: خاصة لدى الشباب الذين أصبحوا أكثر انجذابًا للمحتويات السريعة والسطحية.

تعزيز النزعة الاستهلاكية عبر الإعلانات الموجهة والتقليد.

ضعف التركيز والانتباه بسبب كثرة المنبهات الرقمية.

ظهور أنماط جديدة للتعبير عن الذات مثل الصور المعدّلة، وصناعة الهوية الافتراضية.

2. التأثير على السلوك الاجتماعي

إعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية: الانتقال من العلاقات الواقعية إلى العلاقات الافتراضية.

تنميط السلوك الجماعي عبر الترندات والتحديات.

انتشار القيم الفردانية مقابل تراجع القيم الجماعية والتضامنية.

تنامي الخطاب الانفعالي بسبب سهولة التعبير وردود الفعل السريعة.

3. التأثير على السلوك الثقافي

انتشار الثقافة العالمية وذوبان بعض الخصوصيات الثقافية.

صعود ثقافة الصورة بدل ثقافة القراءة والتحليل.

تغيير آليات التعلم والتكوين من خلال المحتوى الرقمي القصير.

رابعاً: الجوانب الإيجابية للتواصل الاجتماعي

رغم الانتقادات، يظل للتواصل الاجتماعي إيجابيات مهمة:

تعزيز الوعي الاجتماعي والسياسي.

خلق فرص اقتصادية جديدة (التجارة الإلكترونية – العمل الحر).

دعم التعليم الرقمي وتبادل الخبرات.

تسهيل التضامن الإنساني في الأزمات.

خامساً: الجوانب السلبية للتواصل الاجتماعي.

انتشار الإشاعة وسرعة تداول الأخبار الزائفة.

ارتفاع معدلات الإدمان الرقمي.

التمرد على القيم التقليدية دون وعي.

التأثير على الصحة النفسية (القلق، المقارنة الاجتماعية، العزلة).

اختراق الخصوصية.

سادساً: التواصل الاجتماعي وتغير السلوك في المجتمع المغربي

في المغرب، يمكن ملاحظة تأثير التواصل الاجتماعي في:

التحولات السلوكية لدى الشباب من حيث اللباس، اللغة، الاهتمامات.

صعود مؤثرين أصبحوا مرجعًا ثقافيًا وسلوكيًا للعديد من الفئات.

تغير قيم الأسرة نتيجة الاحتكاك اليومي بأنماط عيش عالمية.

انتشار الحملات الرقمية التي تؤثر على القرارات العمومية والسلوك الاجتماعي.

سابعاً: آليات الحد من الآثار السلبية للتواصل الاجتماعي

1. التربية الرقمية داخل الأسرة والمدرسة.

2. تعزيز التفكير النقدي لدى الأجيال الصاعدة.

3. تشجيع الإنتاج الرقمي الهادف بدل الاستهلاك السلبي.

4. وضع أطر قانونية لحماية الأطفال والمراهقين.

5. تنمية الوعي الثقافي والاجتماعي لمواجهة الذوبان الثقافي.

خاتمة : 

لقد أصبح التواصل الاجتماعي محركًا أساسيًا للتغيرات السلوكية في العالم والمغرب على حد سواء. فهو يشكل العقول، ويغير القيم، ويعيد هندسة العلاقات، ويؤثر بعمق في أنماط التفكير والاختيار. وبينما يحمل هذا التحول فرصًا واعدة، فإنه يتطلب إطارًا تربويًا وقيميًا لحماية المجتمع من الانزلاق نحو التفكك والسطحية، وضمان استثمار إيجابي لهذه القوة الجديدة التي تصوغ المستقبل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق