بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!
مقدمة :
تشهد المجتمعات المعاصرة تحولاً جذرياً في أنماط التواصل والاستهلاك الإعلامي، نتيجة التطور المتسارع لمنصات التواصل الاجتماعي وانتشار الهواتف الذكية. ومن بين أبرز مظاهر هذا التحول بروز ظاهرة التراندات السريعة، وهي تلك المواضيع أو الأحداث التي تكتسب انتشاراً واسعاً وشعبية كبيرة في فترة زمنية قصيرة، ثم تختفي بسرعة لتحلّ محلها تراندات جديدة.
تثير هذه الظاهرة اهتمام الباحثين لما لها من تأثيرات ثقافية، اجتماعية، واقتصادية، ولارتباطها المباشر بالتحولات الذهنية والسلوكية للمستخدمين.
أولاً: مفهوم التراندات السريعة
يُقصد بالتراندات السريعة مجموعة المواضيع أو الأحداث الرقمية التي تنتشر بشكل فيروسي (Viral)، نتيجة تفاعل المستخدمين المكثف عبر منصات رقمية مثل تيك توك، إنستغرام، فيسبوك، ويوتيوب.
وتتميز هذه التراندات بـ:
1. الانتشار الآني: ظهور مفاجئ وتداول مكثف خلال ساعات.
2. العمر القصير: اختفاء سريع وعدم استمرار الاهتمام.
3. التكاثر والإعادة: قيام آلاف المستخدمين بتكرار المحتوى نفسه.
ثانياً: أسباب انتشار ظاهرة التراندات السريعة
1. التحولات التقنية والخوارزميات
تعتمد المنصات الرقمية على خوارزميات تدفع بالمحتوى الأكثر تفاعلاً إلى الواجهة، ما يجعل أي فيديو أو فكرة قابلة للنمو السريع إذا حصل على دفعة أولية من الإعجابات والمشاركات.
2. سرعة استهلاك المحتوى
انتقل المستخدم من المحتوى الطويل (المقالات، الفيديوهات المطولة) إلى المحتوى القصير جداً، مما جعل دورة حياة المعلومات أسرع من أي وقت مضى.
3. التنافس بين صناع المحتوى
رغبة المؤثرين في تحقيق الربح والشهرة تدفعهم إلى استغلال أي تراند، فتنشأ موجة ضخمة من المحتوى المكرر الذي يضخم انتشار الظاهرة.
4. طبيعة الإنسان النفسية
يُقبل الناس على المحتوى الذي يثير المشاعر (الضحك، الصدمة، الغضب)، ما يرفع من إمكانية انتشار التراندات التي تعتمد على الطرافة أو المفاجأة.
5. عامل الملل الرقمي
كثرة المنصات وتشابه المحتوى يجعل المستخدم يبحث دائماً عن الجديد، وهذا يغذي دينامية التجديد السريع للتراندات.
ثالثاً: الآثار الاجتماعية والثقافية للتراندات السريعة
1. تراجع الاهتمام بالقضايا الجوهرية
تغطي التراندات على القضايا الحقيقية مثل الفقر، التعليم، الصحة، والاقتصاد، لأنها تخلق ضجيجاً إعلامياً يصرف الانتباه.
2. إنتاج الثقافة السطحية
المحتوى المتداول غالباً بسيط وسريع ولا يستدعي تفكيراً عميقاً، مما يساهم في تقوية ثقافة الاستهلاك الخفيف.
3. التأثير في الوعي الجماعي
تشكّل التراندات قناعات جماعية لحظية قد لا تكون مبنية على معرفة أو تحليل.
مثال: انتشار إشاعة أو موقف معين ثم تبين لاحقاً أنه غير صحيح.
4. تحولات في سلوك الشباب
يسعى الكثير من الشباب إلى تقليد التراندات، وقد ينخرطون في سلوكيات خطرة أو غير لائقة فقط لمتابعة الموضة الرقمية.
رابعاً: الآثار الاقتصادية والإعلامية
1. صناعة المحتوى كاقتصاد مستقل
أصبحت التراندات مصدر ربح للمؤثرين والشركات، مما دفع إلى تحويل الظاهرة إلى “سوق” قائم بذاته
2. تغيير قواعد الإعلام التقليدي
لم تعد المؤسسات الإعلامية قادرة على تجاهل مواضيع التراند، بل صارت هي الأخرى تسعى إلى ركوب الموجة لجذب الجمهور.
3. التأثير على التسويق والإعلانات
تستغل الشركات التراندات لتحقيق انتشار سريع لمنتجاتها، عبر الإعلانات الموجهة والمحتوى المموّل.
خامساً: الجوانب النفسية للتراندات
1. رغبة المستخدم في الانتماء
اشتراك الفرد في التراند يمنحه إحساساً بأنه جزء من الجماعة.
هذا الإحساس بالانتماء الرقمي من أقوى دوافع المشاركة.
2. FOMO: الخوف من تفويت الجديد
يشعر المستخدم بالخوف من تفويت التراند أو الظهور “خارج السياق”، فيندفع للمشاركة دون تفكير.
3. التحفيز الدوباميني
المحتوى السريع والمضحك يحفّز الدوبامين، ما يجعل المستخدم يبحث عن جرعة جديدة كل فترة قصيرة.
سادساً: مخاطر ظاهرة التراندات السريعة
1. نشر الإشاعات والمعلومات الخاطئة بسرعة كبيرة.
2. فقدان الخصوصية عبر تصوير لحظات خاصة ونشرها لركوب التراند.
3. تشجيع السلوكيات الخطيرة لدى المراهقين.
4. التلاعب بالعقول عبر تنظيم تراندات مُوجهة سياسياً أو اقتصادياً.
5. دعم الشهرة الفارغة التي لا تقوم على إنجازات حقيقية.
سابعاً: سبل الحد من الآثار السلبية
1. تعزيز التربية الإعلامية الرقمية في المدارس والجامعات.
2. تشجيع المحتوى الهادف الذي يدمج بين الترفيه والفائدة.
3. عنونة الأكاذيب والإشاعات عبر هيئات مختصة في التحقق من الأخبار (Fact-checking).
4. استخدام المنصات بشكل مسؤول وعدم مشاركة المحتوى قبل التحقق.
5. دعم الباحثين والمؤسسات التي تدرس أثر وسائل التواصل على المجتمع.
خاتمة :
إن التراندات السريعة ليست مجرد ظاهرة ترفيهية، بل هي انعكاس للتحولات الاجتماعية والثقافية التي يعيشها العالم الرقمي. ورغم فوائدها في نشر المعلومات وتعزيز التفاعل، إلا أنها تحمل مخاطر كبيرة إذا لم تُواكب بوعي نقدي وبسياسات واضحة.
لذلك يُعدّ فهم هذه الظاهرة ضرورة ملحة لضمان استخدام صحي وفعّال لوسائل التواصل في بناء مجتمع واعٍ ومسؤول.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق