السبت، 27 ديسمبر 2025

الصوفية في المذهب المالكي: الأبعاد الروحية وضوابطه الالتزام الشرعي ﴿2)

 

بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!

مقدمة

تُعدّ الصوفية أحد الأبعاد الروحية في الفكر الإسلامي، وقد ارتبطت تاريخيًا بالمذاهب الفقهية السنية، ومن بينها المذهب المالكي. ولم تكن الصوفية في السياق المالكي مذهبًا فقهيًا مستقلًا، بل كانت منهجًا تربويًا وسلوكيًا يهدف إلى تزكية النفس وتحقيق الإحسان، في إطار الالتزام بالكتاب والسنة وقواعد الفقه المالكي.

أولًا: مفهوم الصوفية في التصور المالكي

في المذهب المالكي، تُفهم الصوفية على أنها:

علم السلوك والإحسان، أي مراقبة الله تعالى في الظاهر والباطن.

ممارسة عملية لقوله ﷺ: «أن تعبد الله كأنك تراه».

التزام شرعي يُبنى على الفقه الصحيح والعقيدة السنية.

وقد عبّر علماء المالكية عن هذا التوازن بقولهم:

من تصوف ولم يتفقه فقد تزندق، ومن تفقه ولم يتصوف فقد تفسق، ومن جمع بينهما فقد تحقق.

ثانيًا: العلاقة بين الصوفية والفقه المالكي

لم ينشأ تعارض بين الصوفية والمذهب المالكي، بل كانت العلاقة تكاملية:

الفقه المالكي ينظم ظاهر السلوك (العبادات والمعاملات).

التصوف يزكّي باطن السلوك (النية، الإخلاص، الأخلاق).

ولهذا كان كبار علماء المالكية يجمعون بين الفقه والتصوف، ويرفضون أي ممارسة صوفية تخالف الشريعة.

ثالثًا: أعلام الصوفية في المذهب المالكي

برز في التاريخ الإسلامي عدد من العلماء الذين جمعوا بين المالكية والتصوف، من أبرزهم:

الإمام مالك بن أنس: نُقلت عنه أقوال تؤكد أهمية العمل بالعلم والأدب مع الله.

أبو الحسن الشاذلي (مالكي المذهب): مؤسس الطريقة الشاذلية القائمة على الذكر المشروع والعمل.

الإمام القرافي: أكّد على ضبط الأحوال والمقامات بالشرع.

أبو عبد الله محمد بن الحاج: انتقد البدع الصوفية المخالفة للسنة.

رابعًا: خصائص الصوفية المالكية

تتميز الصوفية في المذهب المالكي بـ:

الالتزام الصارم بالشريعة.

رفض الخوارق والدعاوى الباطنية غير المنضبطة.

التركيز على الأخلاق (الصدق، التواضع، الصبر).

الجمع بين العبادة والعمل والإصلاح الاجتماعي.

اعتماد الذكر المشروع دون أعداد مخترعة أو طقوس غامضة.

خامسًا: موقف المالكية من الانحرافات الصوفية

فرّق علماء المالكية بين:

التصوف السني: القائم على الكتاب والسنة.

التصوف المنحرف: الذي يقوم على الحلول، أو وحدة الوجود، أو إسقاط التكاليف.

وقد حذّروا من:

الغلو في المشايخ.

ادعاء الكشف المطلق.

الذكر غير المشروع والأعداد غير الثابتة.

خاتمة

الصوفية في المذهب المالكي ليست مذهبًا فقهيًا مستقلًا، بل هي بعدٌ روحيٌ أخلاقي يُكمّل الفقه، ويهدف إلى تحقيق مقام الإحسان دون الخروج عن الشريعة. وقد شكّل هذا التوازن أحد أسباب انتشار التصوف المالكي في بلاد المغرب والأندلس، حيث اقترن بالعلم والعمل والإصلاح.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق