بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!
مقدمة :
يمثل علم المقاصد أحد أهم الأسس التي يقوم عليها الفقه الإسلامي المعاصر، إذ يقدّم إطاراً منهجياً لفهم الغاية من التشريعات وتوجيهها نحو تحقيق مصالح الفرد والمجتمع. ومع تنامي الاهتمام بالحقوق الإنسانية، أصبح علم المقاصد مرجعاً أساسياً في تفسير النصوص وتوجيه الاجتهاد بما يضمن حماية الحقوق وصيانة الكرامة الإنسانية في ضوء الشريعة.
أولاً: مفهوم علم المقاصد ومنهج الاشتغال به
علم المقاصد هو العلم الذي يدرس الغايات الكبرى والأهداف العليا التي قصدها الشارع الحكيم من تشريع الأحكام. وهو يقوم على مبدأ أن كل حكم شرعي إنما وضع لتحقيق مصلحة أو دفع مفسدة.
وقد تطور هذا العلم ليصبح أساساً لفهم التشريع بصورة تتجاوز ظاهر النص إلى معناه وروحه، مما يعزز حماية الحقوق ويجعل الشريعة قادرة على مواكبة التطورات.
ثانياً: المقاصد الشرعية العليا وحقوق الإنسان
أجمع العلماء على أن الشريعة جاءت لحفظ خمسة حقوق كبرى تُعد أساس كل الحقوق المعاصرة:
1. حفظ الدين
ضمان حرية الاعتقاد في إطار عدم الاعتداء.
حماية الفرد من الإكراه الديني.
تعزيز قيم التسامح بين أفراد المجتمع.
2. حفظ النفس :
تجريم الاعتداء على حق الحياة.
توفير الأمن الجسدي والصحي.
تشريع القصاص والديات لردع الاعتداء.
3. حفظ العقل
تحريم كل ما يؤثر على سلامة التفكير مثل المخدرات والخمر.
تشجيع التعليم والمعرفة والبحث العلمي.
صيانة حرية الفكر ضمن الضوابط الأخلاقية.
4. حفظ النسل والأسرة
حماية الأسرة باعتبارها أساس المجتمع.
تنظيم العلاقات الزوجية والحقوق المتبادلة.
حماية الأطفال وضمان حقوقهم.
5. حفظ المال
حماية الملكية الفردية.
محاربة السرقة والغش والاحتيال والربا.
تنظيم المعاملات الاقتصادية بما يضمن العدل والاستقرار.
هذه المقاصد ليست منفصلة، بل تكوّن شبكة حقوقية متكاملة تصون الفرد والمجتمع.
ثالثاً: علم المقاصد ودوره في حماية حقوق الفرد
1. صيانة كرامة الإنسان
الشريعة تؤكد أن الإنسان مكرم، وعلم المقاصد يجعل الكرامة محوراً لكل التشريعات.
ومن أمثلة ذلك:
منع التعذيب والإيذاء.
حماية خصوصية الفرد.
تحريم الاستهزاء والغيبة والقذف.
2. ضمان العدالة الفردية
علم المقاصد يجعل العدل قيمة مركزية:
> "لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ"
ويتجلى ذلك في:
استقلالية القضاء.
ضمان حق الدفاع.
عدم العقاب بدون بيّنة.
3. الحرية المسؤولة
يوازن علم المقاصد بين حرية الفرد والمصلحة العامة، فيضمن:
حرية التعبير المنضبطة.
حرية التملك والعمل.
حرية التفكير دون اعتداء أو فوضى.
رابعاً: حماية حقوق المجتمع في إطار المقاصد .
1. حفظ النظام العام
تجريم الإفساد في الأرض.
تنظيم العلاقات العامة.
منع نشر الفوضى أو التحريض أو العنف.
2. حماية الهوية الجماعية
المقاصد تحمي القيم الأخلاقية والروحية التي تشكل انسجام المجتمع، مثل:
حفظ الأخلاق العامة.
تعزيز التضامن الاجتماعي.
حماية الروابط الأسرية.
3. تحقيق التوازن بين الحقوق والواجبات
علم المقاصد يرى أن المجتمع المتوازن يقوم على:
حماية الحقوق (ما للفرد).
تكريس الواجبات (ما على الفرد).
فلا حقوق بلا مسؤولية.
خامساً: التطبيقات المعاصرة لعلم المقاصد في حماية الحقوق
1. في التشريع الحديث
أصبح علم المقاصد أساساً للعديد من القوانين المعاصرة المتعلقة بـ:
مكافحة العنف ضد النساء.
حماية الطفولة.
محاربة الفساد المالي.
ضمان الحق في التعليم والصحة.
2. في الفتاوى والقضايا المستجدة
مثل:
حكم التعامل الإلكتروني.
حماية البيانات الشخصية.
حقوق المرضى.
قضايا البيئة والطاقة.
3. في المجال الاجتماعي
يُستخدم علم المقاصد لدعم:
مبادئ التضامن الأسري.
العدالة الاجتماعية.
احترام الخصوصيات الثقافية والروحية.
سادساً: التحديات التي تواجه توظيف المقاصد في حماية الحقوق
1. سوء الفهم الذي يؤدي إلى استعمال المقاصد لتجاوز النصوص.
2. الخلط بين المصلحة الحقيقية والمصلحة المتوهمة.
3. الحاجة إلى مجتهدين مؤهلين يجمعون بين الفقه والواقع.
4. الصراع بين الحقوق الفردية والمصلحة العامة في بعض القضايا.
خاتمة :
يمثّل علم المقاصد إطاراً حضارياً يعزز حماية حقوق الفرد والمجتمع في الشريعة الإسلامية. فهو يربط بين نصوص الوحي ومتطلبات العصر، ويؤكد أن الإسلام جاء ليحقق العدل والرحمة والحرية المسؤولة وصيانة الكرامة الإنسانية. ومع التحديات المتسارعة، يظل هذا العلم ضرورة أساسية لضبط الاجتهاد وبناء مجتمع متوازن يحترم الإنسان ويصون مصالح الأمة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق