بقلم : خليفة مزضوضي باحث في علم الاجتماع والنفس/مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات والاصلاح السلوكي/ المنسق العام للمرصد الوطني للإعلام والدبلوماسية الموازية.....!!!
مقدمة :
شهدت المجتمعات الحديثة تحوّلات عميقة أثّرت جذريًا على بنية الشخصية الفردية، خاصة لدى فئة الشباب. ومن بين الظواهر البارزة التي أثارت اهتمام الباحثين ظهور نزعة متنامية نحو حبّ الذات (Self-Love) وتضخم الأنا (Narcissism). لم يعد الأمر مجرد تقدير صحي للنفس، بل أصبح في كثير من الأحيان يعكس أنماطًا فردانية قد تصل إلى حدود الأنانية، التمركز حول الذات، والرغبة المستمرة في تسويق الذات وصناعة الصورة.
أولًا: مفهوم حبّ الذات والأنا
1. حبّ الذات الإيجابي
هو تقدير الذات، احترام النفس، الوعي بالقيمة الشخصية، والقدرة على حماية الحدود النفسية. هذا النوع مطلوب وصحي.
2. حبّ الذات السلبي (المتضخم)
هو حين تتحول الرغبة في تقدير الذات إلى:
إعجاب مبالغ به بالنفس
رفض النقد
الحاجة الدائمة للاهتمام
مقارنة مستمرة بالآخرين
شعور بالتفوق غير الواقعي
3. الأنا في علم النفس الاجتماعي
يعرّفها علماء النفس (فرويد، إريكسون، لاكان) بأنها جزء من الشخصية مسؤول عن:
الهوية
الإحساس بالذات
الرغبة في الاعتراف الاجتماعي
لكن تضخمها يؤدي إلى النرجسية الاجتماعية.
ثانيًا: العوامل المؤدية إلى تضخم الأنا لدى الشباب
1. تأثير وسائل التواصل الاجتماعي
السيلفي، الإعجابات، المتابعون… كلها أدوات تُغذي ثقافة الصورة.
مقارنة الذات بغيرها بطريقة مستمرة تؤدي إلى متلازمة النقص أو التفوق.
النجاح أصبح يقاس بـ"كمية التفاعل" وليس جودة الإنجاز.
2. التربية الأسرية الحديثة
التربية الناعمة المفرطة أحيانًا تخلق جيلاً حساسًا للنقد.
بعض الأسر تُعطي الطفل شعورًا بأنه “محور الكون”، مما يرسخ الأنانية.
غياب الحدود والقواعد الواضحة يساهم في خلق شخصية متمركزة حول ذاتها.
3. التغيرات الاقتصادية والاجتماعية
صعوبة الاندماج في سوق العمل
القلق الوجودي
غياب الأمان النفسي
→ تجعل الشباب يبحثون عن قيمة بديلة تعتمد على الذات وحدها بدل الانتماء للجماعة.
4. الثقافة المعاصرة (Culture Pop)
تمجيد فكرة “كُن نسخة نفسك” و“أنت أولاً”
رموز الفن والمشاهير يقدمون نموذج "النجومية الفردية"
ظهور مؤثرين يقدمون “الأنا” كسلعة وعلامة تجارية.
5. غياب القدوات الحقيقية
أزمة القدوة الأخلاقية والفكرية تجعل الشباب يخلقون لأنفسهم "صورة نموذجية" وهمية ترتكز على الإعجاب بالنفس.
ثالثًا: تجليات الظاهرة في الحياة اليومية للشباب
الاهتمام المبالغ بالمظهر والصورة الخارجية.
رفض النقد أو النصيحة مهما كانت بنّاءة.
الانعزال عن الجماعة وتفضيل العلاقات السطحية.
البحث عن الشهرة السريعة.
الحديث عن الذات باستمرار.
تضخيم الإنجازات الصغيرة.
ضعف مهارات التعاطف.
هذه السلوكيات تُعرف في الأدبيات الاجتماعية بـ Self-centric lifestyles.
رابعًا: الآثار النفسية والاجتماعية
1. الآثار النفسية
هشاشة الثقة بالنفس (رغم المظاهر).
القلق والاكتئاب عند عدم تلقي الاهتمام الكافي.
الاعتماد على الآخر لتثمين الذات.
فقدان المعنى الداخلي للحياة.
2. الآثار الاجتماعية
ضعف العلاقات الزوجية والعاطفية
تزايد الفردانية
صعوبة الاندماج في العمل الجماعي
صراع دائم في العلاقات الاجتماعية
تراجع قيم التضامن والغيرية
خامسًا: كيف يمكن الحد من الظاهرة؟
1. التربية على التوازن العاطفي
تعليم الشباب الفرق بين تقدير الذات والنرجسية.
غرس قيم التواضع والاحترام والمسؤولية.
2. تعزيز الذكاء العاطفي
فهم المشاعر
ضبطها
تطوير التعاطف
التواصل دون عدوانية
3. إعادة بناء ثقافة القدوة
خاصة القدوة الأخلاقية والعلمية والإنسانية.
4. تنظيم علاقة الشباب بالسوشيال ميديا
استخدام واعٍ لا قائم على المقارنة.
تقديم محتوى يعزز القيم وليس تضخيم الأنا.
5. دعم الشباب نفسيًا
عبر المرشدين النفسيين
المؤسسات التعليمية
الجمعيات
مراكز التكوین
برامج التنمية الذاتية الوازنة
خاتمة :
ظاهرة حبّ الذات المتضخم عند الشباب المعاصر ليست مجرد مشكلة شخصية، بل هي تحول بنيوي في الثقافة والسلوك الاجتماعي. يعيش الشباب اليوم في عالم سريع، ضاغط، بصري، ويتطلب إثبات الذات باستمرار. ومع غياب التوجيه وانهيار بعض القيم المشتركة، يصبح التمركز حول الذات وسيلة دفاعية لكنها تحمل مخاطر مستقبلية.
الحل يكمن في إعادة تربية المشاعر، إعادة بناء القيم، وتعزيز التوازن بين الذات والمجتمع..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق