الاثنين، 8 ديسمبر 2025

ظاهرة :عزوف الشباب عن الزواج بالمغرب: دراسة سوسيولوجية في الأسباب والامتدادات والرهانات المستقبلية


 بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!

يشهد المغرب خلال العقدين الأخيرين ارتفاعاً لافتاً في معدلات العزوف أو التأجيل المفرط للزواج لدى فئة الشباب، وهي ظاهرة معقدة تعكس تحولات اقتصادية وثقافية وقيمية عميقة داخل المجتمع المغربي. تتناول هذه الدراسة تحليل العوامل البنيوية المؤثرة في الظاهرة، إلى جانب انعكاساتها الديموغرافية والاجتماعية والنفسية، مع تقديم رؤية تفسيرية من منظور علم الاجتماع والنفس الاجتماعي، واقتراح تدخلات وسياسات عامة للحد من تفاقمها.

1. مقدمة ،: 

يمثل الزواج في البنية الاجتماعية المغربية مؤسسة مركزية في الإنتاج الرمزي والاجتماعي؛ إلا أن العقدين الأخيرين شهدا تحولاً واضحاً في تمثلات الشباب للعلاقات العاطفية وللأسرة، بارتباط وثيق بتغيرات اقتصادية وثقافية وعالمية.

هذه الظاهرة لم تعد مجرد سلوك فردي، بل تحوّلت إلى اتجاه سوسيولوجي عام يهدد التماسك الاجتماعي، ويعيد تشكيل بنية الأسرة المغربية، ويؤثر على الخصوبة، والهجرة، وأنماط العيش.

تطرح هذه الدراسة السؤال المركزي:

ما العوامل التي تدفع الشباب المغربي إلى العزوف عن الزواج؟ وما نتائج ذلك على البنية الاجتماعية؟ وكيف يمكن للمجتمع والدولة التعامل مع الظاهرة؟

2. الإطار النظري

تستند الدراسة إلى ثلاثة مقاربات تحليلية:

2.1 المقاربة البنيوية

ترى أن السلوك الفردي نتاج للظروف الاقتصادية، وفرص الشغل، والقدرة المادية، والسياسات العامة.

2.2 المقاربة الثقافية-القيمية

تربط الظاهرة بتحولات منظومة القيم والتمثلات حول الحب، الاستقلالية، والحرية الفردية.

2.3 مقاربة التحول الديموغرافي

تدرس أثر تأخر سن الزواج على الخصوبة، والشيخوخة، وأنماط الأسرة.

3. أسباب عزوف الشباب عن الزواج في المغرب

3.1 الأسباب الاقتصادية (السبب الأبرز)

1. البطالة وصعوبة الولوج إلى سوق الشغل، خاصة لدى الفئة العمرية 18–35 سنة.

2. ارتفاع تكاليف الزواج (مراسم، تجهيز سكن، تنقل، مهر...).

3. محدودية القدرة على توفير سكن مستقل، مع غلاء أسعار العقار والكراء.

4. ضعف الاستقرار المهني الناجم عن العمل الهش (freelance، عقود محدودة، الاقتصاد غير المهيكل).

> إن العجز الاقتصادي يخلق شعوراً بالعجز الاجتماعي، ويقود إلى تأجيل الزواج باعتباره التزاماً طويل المدى يحتاج إلى ضمانات مادية قوية.

3.2 الأسباب الاجتماعية والثقافية

1. تغير صورة الزواج من كونه استقراراً وبناءً إلى كونه عبئاً ومسؤوليات.

2. هيمنة نمط الحياة الفردانية، وارتفاع النزعة نحو الاستقلال الشخصي.

3. انفتاح الشباب على نماذج حياة جديدة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

4. تطور أدوار المرأة وتزايد تطلعاتها المهنية والتعليمية، مما يغيّر موازين الاختيار.

5. تراجع سلطة العائلة في فرض الزواج أو تسريعه، كما كان سابقاً.

3.3 الأسباب النفسية

1. الخوف من الفشل في العلاقة الزوجية بسبب ارتفاع نسب الطلاق.

2. تزايد الضغط النفسي والمعيشي الذي يجعل الشباب يفضلون تأجيل الالتزامات .

3. صعوبة بناء الثقة بين الجنسين في ظل تأثير مواقع التواصل على العلاقات.

3.4 الأسباب المتعلقة بالتحولات الجندرية

1. اختلاف توقعات كل طرف عن الآخر (دور الرجل، دور المرأة).

2. تصادم بين النموذج التقليدي والنموذج المعاصر للعلاقة.

3. ارتفاع سقف الطلبات المتبادلة، سواء مادياً أو قيمياً.

3.5 التحولات الرقمية

1. البدائل الرقمية للعلاقات الاجتماعية (تطبيقات المواعدة).

2. المقارنة المستمرة التي يولدها الفضاء الرقمي بين الشباب، مما يرفع سقف التوقعات.

3. انتشار ظاهرة العلاقات العابرة أو غير الرسمية، ما يؤثر على التفكير في الزواج.

4. الآثار الاجتماعية والديموغرافية للعزوف عن الزواج

4.1 الآثار الديموغرافية

1. انخفاض معدل الخصوبة، واقتراب المغرب من عتبة شيخوخة سكانية خلال العقود القادمة.

2. تقلص حجم الأسرة وارتفاع عدد الأفراد غير المتزوجين.

4.2 الآثار الاجتماعية

1. تصاعد مشاعر الوحدة والعزلة لدى بعض فئات الشباب.

2. ارتفاع الطلب على نمط «العيش الفردي».

3. اهتزاز منظومة التكافل الأسري التقليدية.

4.3 الآثار الاقتصادية

1. انخفاض الاستهلاك المرتبط بالأسرة (سكن، تجهيز، تعليم).

2. تغير سوق العمل نتيجة تأخر ولوج الشباب للاستقرار الأسري.

5. منهجية بحثية مقترحة

5.1 تصميم البحث

دراسة مختلطة (Mixed Methods) تجمع بين:

المنهج الوصفي التحليلي

المقاربة الكمية عبر استبيان

المقاربة النوعية عبر مقابلات معمقة

5.2 عينة الدراسة

شباب: 18–35 سنة

مجالات حضرية وقروية

مستويات تعليمية مختلفة

5.3 أدوات البحث

1. استبيان لقياس:

نية الزواج

الأسباب الاقتصادية

التمثلات الثقافية

القدرة الذاتية على تحمل المسؤولية

2. مقابلات مع:

شباب من الجنسين

خبراء اجتماعيين

جمعيات أسرية

6. توصيات عملية وسياسات عمومية مقترحة

6.1 سياسات اقتصادية

1. تحفيز التشغيل عبر دعم المقاولات الصغرى للشباب.

2. إطلاق قروض زواج وسكن بشروط ميسرة.

3. توفير سكن اقتصادي مخصص للشباب المقبلين على الزواج.

6.2 سياسات اجتماعية

1. حملات وطنية لإعادة الثقة في مؤسسة الزواج.

2. مراكز تأهيل للمقبلين على الزواج لتدريبهم على المهارات الزوجية.

3. إشراك الإعلام في تصحيح صورة الزواج.

6.3 سياسات تعليمية وثقافية

1. إدراج التربية الأسرية في المناهج الدراسية.

2. تعزيز دور الأسرة في مواكبة شبابها نفسياً واجتماعياً.

6.4 دور المجتمع المدني

إطلاق مبادرات “تمكين الشباب”

برامج مصاحبة نفسية

ورشات تواصل وتدريب على مهارات الحياة الزوجية

7. خاتمة : 

إن ظاهرة عزوف الشباب عن الزواج في المغرب ليست نتاج عامل واحد، بل هي حصيلة بنية اجتماعية واقتصادية وثقافية تتغير بشكل متسارع.

ومع أن الظاهرة تحمل بعداً عالمياً، إلا أن خصوصية المجتمع المغربي تفرض معالجات وطنية شمولية، تقوم على:

تعزيز الاستقرار الاقتصادي

ترميم الثقة بين الجنسين

دعم الاستقلال السكني

مرافقة الشباب تربوياً ونفسياً

إن مستقبل الأسرة المغربية، ومعدل الخصوبة، والتماسك الاجتماعي، كلها رهينة بمدى قدرة الدولة والمجتمع على التعامل العميق والواقعي مع هذه الظاهرة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق