بقلم : خليفة مزضوضي باحث في علم الاجتماع والنفس مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!
مقدمة :
يُعدّ علم المقاصد أحد أهم العلوم المؤسِّسة للفكر الأصولي والفقهي في الحضارة الإسلامية، فهو العلم الذي يهدف إلى الكشف عن الغايات الكبرى والأهداف العميقة التي بُنيت عليها التشريعات. ومع تطور المجتمعات وتشابك القضايا المعاصرة، ازداد الاهتمام بهذا العلم لما يقدمه من أدوات تساعد على تحقيق الفقه الملائم للواقع مع الحفاظ على ثوابت الشريعة.
أولاً: مفهوم علم المقاصد
1. التعريف اللغوي :
المقاصد جمع مقصد، وهو ما يُقصد إليه ويُراد تحقيقه.
2. التعريف الاصطلاحي :
هو "العلم الذي يبحث في الحِكَم والغايات التي شرعها الله لتحقيق مصالح العباد ودفع المفاسد عنهم".
3. مكوّنات علم المقاصد
المصلحة: جلب المنافع.
المفسدة: دفع الضرر.
الضرورة والحاجة والتحسين: مراتب المقاصد الثلاث .
ثانياً: نشأة علم المقاصد وتطوره
1. في القرآن والسنة
القرآن مليء بتعليل الأحكام، مثل قوله تعالى: «لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ» (مقصد العدل).
السنة النبوية قدّمت نماذج مقاصدية مثل قوله ﷺ: "لا ضرر ولا ضرار".
2. عند الصحابة والتابعين
مارسوا فهماً مقاصدياً دون تدوين، مثل:
اجتهاد عمر رضي الله عنه في منع سهم المؤلفة قلوبهم لتحقيق مقصد أقوى.
3. مرحلة التأسيس والتدوين
الإمام الشافعي وضع أساس النظر الأصولي.
إمام الحرمين الجويني تحدّث عن "المصالح".
الإمام الغزالي وضع الضروريات الخمس.
ابن تيمية وابن القيم ركّزا على تحقيق مقاصد العدل والرحمة.
الإمام الشاطبي في الموافقات قدّم النظرية الأكثر نضجاً، مؤسساً علم المقاصد كعلم مستقل.
4. عصر النهضة والفقه المعاصر
أعاد العلماء المعاصرون إحياءه مثل: الطاهر ابن عاشور، الريسوني، القرضاوي، بن بيّه، لتعميق دور المقاصد في الاجتهاد المعاصر.
ثالثاً: أنواع المقاصد
1. المقاصد العامة
وهي الضروريات الخمس:
حفظ الدين
حفظ النفس
حفظ العقل
حفظ النسل
حفظ المال
2. المقاصد الخاصة
مقاصد مرتبطة بباب معين من أبواب الفقه:
مثل مقاصد الأسرة، مقاصد المعاملات، مقاصد الحدود…
3. المقاصد الجزئية
هي الحِكَم الخاصة بكل حكم، مثل:
تحريم الربا ⇒ منع الاستغلال.
فرض الحجاب ⇒ صيانة الكرامة.
رابعاً: علاقة المقاصد بالمصلحة
المصلحة محور أساسي في علم المقاصد، وهي تنقسم إلى:
مصلحة معتبرة: شهد لها الشرع.
مصلحة مرسلة: لم يشهد لها الشرع نصاً لكن توافق قواعده.
مصلحة ملغاة: تعارض الشرع.
علم المقاصد هو الذي يحدد ما إذا كانت المصلحة معتبرة أم لا، وفق قواعد الانضباط الشرعي.
خامساً: ضوابط العمل بالمقاصد
حتى لا يتحول المقاصد إلى باب للتسيّب، وضع العلماء عدة ضوابط منها:
1. عدم إلغاء النصوص القطعية.
2. أن تكون المصلحة حقيقية لا وهمية.
3. أن تكون عامة لا خاصة بنفس صاحب الفتوى.
4. أن تتوافق مع مقاصد الشريعة الكلية.
5. ترجيح مصلحة راجحة على مفسدة أعظم.
سادساً: تطبيقات المقاصد في القضايا المعاصرة
1. قضايا الأسرة
تشجيع الصلح والتحكيم قبل الطلاق ⇒ تحقيق مقصد حفظ الأسرة.
تجريم العنف الأسري ⇒ حفظ النفس والكرامة الإنسانية.
2. الاقتصاد والمعاملات
تنظيم البنوك التشاركية ⇒ تحقيق مقصد العدل المالي.
محاربة الاحتكار ⇒ حفظ المال ومنع الفساد الاقتصادي.
3. المجال الطبي
جواز نقل الأعضاء بشروط ⇒ حفظ النفس.
جواز التداوي بالمحرم عند الضرورة ⇒ مراعاة المقاصد والضرورات.
4. الحكم والسياسة
ترسيخ الشفافية والعدل ⇒ مقصد إقامة القسط.
حفظ الاستقرار الاجتماعي ⇒ مقصد حفظ النظام العام.
5. البيئة والتنمية
منع الإفساد البيئي ⇒ مقصد عمارة الأرض.
تشجيع الطاقات المتجددة ⇒ حفظ الثروات للأجيال القادمة.
سابعاً: أهمية علم المقاصد في الاجتهاد المعاصر
1. يربط بين النصوص ومقاصدها الكبرى.
2. يساعد على إيجاد حلول للقضايا الجديدة.
3. يوفر رؤية متوازنة بين الثوابت ومتطلبات العصر.
4. يحقق العدالة والرحمة كأساسين للتشريع.
5. يُسهم في تجديد الخطاب الديني.
خاتمة :
علم المقاصد ليس مجرد تنظير، بل هو روح الشريعة التي تجعل الأحكام الإسلامية متّسقة مع مصالح الإنسان وكرامته. وفي ظل التحولات الاجتماعية والقانونية والتكنولوجية المتسارعة، يظل هذا العلم أداة مركزية لضبط عملية الاجتهاد، وتحقيق الفقه القادر على مواكب العصر دون التفريط في ثوابت الدين.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق