الخميس، 25 ديسمبر 2025

إشكالية التصوف في الفكر الإسلامي(1)


 بقلم : خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والإصلاح السلوكي .منسق المرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية لجهة مراكش أسفي...!!!

مقدمة

يُعدّ التصوف أحد التيارات الروحية والفكرية التي ظهرت في الحضارة الإسلامية، ويهدف أساسًا إلى تزكية النفس، وتهذيب الأخلاق، وتحقيق مقام الإحسان كما ورد في الحديث النبوي الشريف. وقد اختلفت المواقف العلمية تجاه التصوف بين مؤيدٍ يرى فيه بعدًا أخلاقيًا وروحيًا أصيلًا في الإسلام، وناقدٍ يرفض بعض ممارساته التي انحرفت عن أصول الشريعة. تهدف هذه الدراسة إلى تقديم معالجة أكاديمية متوازنة للتصوف من حيث نشأته، مفاهيمه، مدارسه، أعلامه، وأبرز الإشكالات المرتبطة به.

أولًا: مفهوم التصوف

1. التعريف اللغوي

اختلف العلماء في أصل كلمة «تصوف»، ومن أبرز الأقوال:

من الصوف: لِما اشتهر به الزهاد من لبس الصوف.

من الصفاء: إشارة إلى صفاء القلب.

من أهل الصُّفّة: وهم فقراء الصحابة في مسجد النبي ﷺ.

2. التعريف الاصطلاحي

التصوف هو:

«علم يُعنى بتزكية النفس، وتصفية القلب، والسير إلى الله تعالى وفق الكتاب والسنة، مع الالتزام بالأخلاق الإسلامية»

(الجنيد البغدادي).

ثانيًا: نشأة التصوف وتطوره التاريخي

1. المرحلة الأولى: الزهد (القرنان 1–2 هـ)

تميزت هذه المرحلة بالزهد في الدنيا والخوف من الآخرة، دون تنظيمٍ طرقي، ومن أعلامها:

الحسن البصري

إبراهيم بن أدهم

2. المرحلة الثانية: التأسيس العلمي (القرنان 3–4 هـ)

بدأ التصوف يتبلور كعلم له مصطلحاته، مع الالتزام الظاهري بالشريعة.

الجنيد البغدادي

السري السقطي

3. المرحلة الثالثة: الطرق الصوفية (من القرن 6 هـ)

ظهرت الطرق المنظمة مثل:

القادرية

الشاذلية

النقشبندية

التيجانية

ثالثًا: مصادر التصوف

القرآن الكريم: آيات التزكية والإحسان.

السنة النبوية: حديث الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه…».

آثار الصحابة والتابعين.

الاجتهادات الروحية (بشرط عدم مخالفة الشريعة).

رابعًا: المفاهيم الأساسية في التصوف

التزكية: تطهير النفس من الرذائل.

المقامات: مثل التوبة، الزهد، الصبر، التوكل.

الأحوال: كالخشوع، المحبة، الطمأنينة.

الذكر: فردي وجماعي (مع الخلاف الفقهي حول هيئاته).

الشيخ والمريد: علاقة تربوية مشروطة بالعلم والاستقامة.

خامسًا: أعلام التصوف

الجنيد البغدادي (تصوف سنّي منضبط)

أبو حامد الغزالي

عبد القادر الجيلاني

أحمد زروق

أبو الحسن الشاذلي

سادسًا: التصوف بين القبول والرفض

1. مواقف المؤيدين

يرى مؤيدو التصوف أنه:

يحقق مقام الإحسان

يوازن بين الظاهر والباطن

يسهم في تهذيب الأخلاق

2. مواقف المعارضين

ينتقد بعض العلماء:

الغلو في الأولياء

البدع في الأذكار

عقائد الحلول ووحدة الوجود

3. الموقف العلمي الوسطي

يرى جمهور المحققين أن:

«التصوف منه مشروع ومنه منحرف، ويُقبل ما وافق الكتاب والسنة، ويُرد ما خالفهما»

(ابن تيمية).

سابعًا: التصوف في العالم الإسلامي

المغرب: الزوايا الشاذلية، الدلائية، التيجانية.

المشرق: القادرية والنقشبندية.

إفريقيا وآسيا: دور دعوي واجتماعي بارز.

ثامنًا: الإشكالات المعاصرة للتصوف

العلاقة مع السلفية

توظيف التصوف سياسيًا

خلط التصوف بالروحانيات غير الإسلامية

غياب المنهج العلمي لدى بعض الطرق

خاتمة

يمثل التصوف جزءًا مهمًا من التراث الإسلامي، ولا يمكن الحكم عليه حكمًا واحدًا مطلقًا، بل يجب دراسته دراسة علمية نقدية تُفرّق بين التصوف السني القائم على الكتاب والسنة، وبين الممارسات الدخيلة التي لا تمتّ إلى الإسلام بصلة.

المراجع :

أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين

عبد الرحمن بدوي، التصوف الإسلامي

ابن تيمية، الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان

أحمد زروق، قواعد التصوف

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق