الأحد، 25 أكتوبر 2026

رئيس أم رئيسة الحكومة؟ حين تتحوّل اللغة العربية إلى ساحة للجدل السياسي وتغيب الحُجّة النحوية عن قاعة البرلمان

 

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

قراءة لغوية أكاديمية في تأنيث الألقاب والمناصب بين القاعدة النحوية والاستعمال المعاصر
ليس كل اختلاف في التعبير اللغوي خطأً، وليس كل خروج عن المألوف النحوي دليلًا على الجهل باللغة. فالعربية، بما تمتلكه من ثراء صرفي ومرونة تركيبية وتاريخ طويل من التطور، تتيح في بعض السياقات أكثر من صيغة للتعبير عن المعنى الواحد. غير أن الإشكال يبدأ حين تتحول مسألة لغوية قابلة للنقاش العلمي إلى وسيلة لإصدار أحكام قاطعة، أو حين يُقدَّم أحد أوجه الاستعمال باعتباره خطأً فادحًا دون الاستناد إلى حجة لغوية دقيقة.
ومن هذا المنطلق، يبرز الجدل الذي أُثير حول استعمال عبارة «رئيس الحكومة» في الإشارة إلى امرأة تشغل موقعًا سياسيًا، وما إذا كان الأصح أن يقال «رئيس الحكومة» أم «رئيسة الحكومة». وهو نقاش يستحق أن يُتناول بعيدًا عن الانفعال السياسي، وبالعودة إلى أصول العربية وقواعدها الصرفية والنحوية وتطور استعمالها في المؤسسات الحديثة.
أولًا: هل التذكير في أسماء المناصب قاعدة مطلقة؟
تُظهر العربية في بعض الأوصاف التي تختص بالإناث ميلًا إلى استعمال الصيغة غير المؤنثة، كما في قولنا: امرأة حامل، وامرأة حائض، وامرأة طالق. وقد تناول النحاة هذه الأوصاف ضمن أبواب التذكير والتأنيث، مع مراعاة طبيعة الصفة ودلالتها والاستعمال العربي الموروث.
لكن تعميم هذه الظاهرة على أسماء المناصب والوظائف تعميم يحتاج إلى تدقيق؛ إذ لا يصح اعتبار كل اسم يدل على وظيفة أو منصب مستثنى من التأنيث لمجرد أن المنصب، من حيث المفهوم الإداري، شيء مجرد.
فاللغة لا تصف المفاهيم المجردة وحدها، بل تصف الأشخاص الذين يشغلون المناصب أيضًا. وعندما نقول: «فلانة رئيسة الحكومة»، فإننا لا نؤنث المنصب في ذاته، وإنما نؤنث اسم الفاعل أو اللقب الوظيفي باعتبار شاغلته امرأة.
ومن هنا، فإن القول إن المنصب مذكر بالضرورة، ولذلك يجب أن يبقى اللقب مذكرًا، ليس قاعدة نحوية عامة ملزمة، بل هو توجّه اصطلاحي قد تتبناه بعض المؤسسات في سياقات معينة.
ثانيًا: بين «رئيس» و«رئيسة»؛ ماذا تقول القواعد الصرفية؟
تُعد كلمة «رئيس» من الأسماء التي يصح تأنيثها بإلحاق تاء التأنيث، فنقول: رئيس ورئيسة، ومدير ومديرة، ووزير ووزيرة، ومفتش ومفتشة، وقاضٍ وقاضية.
وتأنيث هذه الأسماء ليس خروجًا عن العربية الفصحى، بل يجري وفق أنماط صرفية معروفة ومستعملة في العربية قديمًا وحديثًا.
والأهم أن التأنيث هنا لا يعني الانتقاص من المنصب أو تقليل هيبته؛ فالتاء المربوطة علامة صرفية تؤدي وظيفة لغوية، وليست حكمًا على مكانة صاحب المنصب أو شاغلته.
وعليه، فإن عبارة «رئيسة الحكومة» سليمة من الناحية اللغوية، كما أن استعمال «رئيس الحكومة» في بعض السياقات المؤسسية يمكن أن يُفهم بوصفه اصطلاحًا وظيفيًا لا يراعي جنس شاغل المنصب في صياغة اللقب.
غير أن سلامة الصيغة المذكرة في بعض الاستعمالات لا تعني أن تأنيثها خطأ، كما أن شيوع صيغة معينة في الإدارة لا يجعلها وحدها الصيغة الصحيحة التي لا يجوز سواها.
ثالثًا: هل التأنيث اللغوي انتقاص من الهيبة البروتوكولية؟
من الحجج التي تُستحضر في هذا النقاش أن بعض البيئات الإدارية كانت تميل إلى إبقاء ألقاب مثل «الدكتور» و«الوزير» و«الرئيس» في صيغة المذكر، حتى عند الإشارة إلى امرأة، بحجة الحفاظ على الصفة الرسمية أو هيبة المنصب.
وقد تأثرت بعض الاستعمالات الإدارية في البلدان المغاربية بالتقاليد الفرنسية، التي عرفت بدورها نقاشًا طويلًا حول تأنيث أسماء المهن والوظائف والألقاب الرسمية.
لكن ينبغي التمييز هنا بين ثلاثة مستويات:
المستوى النحوي: ما تسمح به قواعد العربية في التأنيث والتذكير.
المستوى الاصطلاحي والمؤسساتي: الصيغة التي تعتمدها إدارة أو مؤسسة في وثائقها ومراسلاتها.
المستوى الاجتماعي والثقافي: التصورات المرتبطة بمكانة المرأة واللغة المستعملة في وصفها.
ولا يجوز الخلط بين هذه المستويات، لأن اعتماد مؤسسة لصيغة معينة لا يجعل الصيغ الأخرى خاطئة بالضرورة، كما أن التحفظ الثقافي تجاه التأنيث لا يشكل حجة نحوية.
فالهيبة لا تصنعها التاء المربوطة ولا يلغيها غيابها؛ وإنما تصنعها المسؤولية والكفاءة واحترام القانون وأداء المهام.
رابعًا: هل حسم مجمع اللغة العربية بالقاهرة المسألة سنة 1998؟
من الضروري، في أي معالجة أكاديمية، التعامل بحذر مع نسبة القرارات اللغوية إلى المجامع العربية، ولا سيما حين يتعلق الأمر بتاريخ محدد أو بعبارة من قبيل «حُسم الأمر نهائيًا».
فلا يصح الجزم بأن مجمع اللغة العربية بالقاهرة أصدر سنة 1998 قرارًا يجعل التأنيث أولى وأفصح في جميع أسماء المناصب، ما لم يُستند إلى نص القرار الأصلي أو إلى مرجع موثوق يورد رقمه ومضمونه.
ومع ذلك، فإن المبدأ اللغوي العام واضح: تأنيث أسماء المهن والوظائف التي تقبل التأنيث أمر سائغ في العربية المعاصرة، ولا يحتاج إثبات صحته إلى الاستناد إلى قرار غير موثق.
أما المفاضلة بين الصيغتين من حيث الأفصحية، فتحتاج إلى مراعاة نوع الاسم، والسياق، والاستعمال العربي، والمعيار الذي تعتمده المؤسسة المعنية. ولا ينبغي تحويل حكم جزئي أو اجتهاد لغوي إلى قاعدة عامة دون دليل.
خامسًا: ما الصيغة الأرجح في العربية المعاصرة؟
إذا كان المقصود هو الإشارة إلى امرأة تتولى رئاسة الحكومة، فإن عبارة «رئيسة الحكومة» تتمتع بوضوح دلالي، وتنسجم مع القياس الصرفي العربي ومع الاتجاه المعاصر إلى تأنيث الألقاب الوظيفية بحسب جنس شاغل المنصب.
كما أن قولنا «السيدة الوزيرة» و«السيدة المديرة» و«السيدة القاضية» تعبيرات سليمة ومفهومة، ولا ينتقص استعمالها من مكانة الوظيفة أو من قيمة المسؤولية التي تتضمنها.
أما استعمال «السيدة الوزير» أو «رئيس الحكومة» للإشارة إلى امرأة، فيمكن أن يرد في سياقات تتبنى فيها المؤسسة صيغة موحدة غير مرتبطة بجنس شاغل المنصب. غير أن هذا الاختيار الاصطلاحي لا يمنح الصيغة المذكرة حصانة نحوية، ولا يجعل التأنيث خروجًا عن الفصحى.
والأدق أكاديميًا هو القول إن التأنيث هنا اختيار لغوي صحيح، في حين أن الإبقاء على التذكير قد يكون اختيارًا اصطلاحيًا أو مؤسساتيًا، تبعًا للسياق المعتمد.
سادسًا: ماذا كان ينبغي أن يكون عليه الرد داخل البرلمان؟
حين يُثار نقاش من هذا النوع داخل مؤسسة تشريعية، فإن المطلوب ليس الانتصار للغة عبر إطلاق الأحكام، بل تقديم جواب يستند إلى المعرفة اللغوية الدقيقة، ويفصل بين الخطأ النحوي والاختلاف الاصطلاحي.
فإذا اعتُبر استعمال «رئيس الحكومة» في الإشارة إلى امرأة خطأً فادحًا، فإن الرد العلمي المناسب كان يمكن أن يوضح أن العربية تجيز تأنيث كثير من أسماء الوظائف والمناصب، وأن «رئيسة الحكومة» صيغة صحيحة لا غبار عليها، وأن اعتماد صيغة المذكر في بعض المؤسسات لا يكفي للحكم بخطأ الصيغة المؤنثة.
وفي المقابل، فإن الرد العلمي الرصين لا يقتضي اتهام الطرف الآخر بالجهل باللغة، بل يقتضي بيان موضع الخلاف، والاستدلال بالقواعد والشواهد، ثم التمييز بين ما هو جائز نحويًا وما هو معتمد إداريًا.
وهنا تحديدًا تظهر أهمية الحضور اللغوي وسرعة البديهة في النقاش السياسي؛ فالنائب الذي يمتلك أدوات المعرفة لا يحتاج إلى المبالغة في الاتهام، لأن قوة حجته تكفي لإبراز موقفه.
 هل الأقوى هيبة المنصب أم دقة اللغة؟
السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس: هل نؤنث المنصب أم نحافظ على هيبته؟ بل: هل نستعمل اللغة وفق قواعدها، أم نحمّل العلامات الصرفية دلالات ثقافية لا تقتضيها القاعدة النحوية؟
إن منصب رئاسة الحكومة لا يفقد شيئًا من هيبته حين نقول «رئيسة الحكومة»، كما أن سلامة اللغة لا تتحقق بمجرد الإصرار على صيغة المذكر. فاللغة العربية أوسع من أن تُختزل في أعراف إدارية، وأدق من أن تُحسم قضاياها بالشعارات أو بالمواقف الانفعالية.
وإذا كان البرلمان مؤسسة للتشريع والرقابة والحوار، فمن الأولى أن يكون فضاءً للمعرفة اللغوية الرصينة، لا ساحةً لتبادل الاتهامات بشأن مسائل تسمح قواعد العربية فيها بالتفصيل والتمييز.
فالمنصب يستمد هيبته من قيمة المسؤولية، واللغة تستمد قوتها من دقة الاستعمال، أما الحجة الأقوى فهي التي تقوم على العلم لا على الادعاء.
وبين «رئيس» و«رئيسة»، لا تنتصر العربية بإقصاء إحدى الصيغتين دون دليل، وإنما تنتصر حين نحسن فهم قواعدها، ونحترم تطورها، ونحتكم إلى العلم كلما اختلفنا في استعمالها.

الأربعاء، 21 أكتوبر 2026

طنّاز، كيطنز، الطَّنْز.. رحلة كلمة من المعاجم إلى المقاهي المغربية

 

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

الطَّنْز.. حين تتحول السخرية إلى لغة يومية في المجتمع المغربي

تحتفظ الدارجة المغربية بالكثير من الكلمات والتعابير التي تبدو للوهلة الأولى محلية خالصة، بينما يكشف البحث في أصولها اللغوية عن جذور عربية قديمة. ومن بين هذه الكلمات كلمة «الطَّنْز»، وهي من المفردات المتداولة على نطاق واسع في الحياة اليومية للمغاربة، للدلالة على السخرية والاستهزاء أو التعامل مع شخص أو موقف بطريقة ساخرة.

يقول المغربي: «فلان كَيَطْنَز»، أي إنه يسخر أو يستهزئ، كما يقال: «فلان طَنَّاز»، في وصف الشخص الذي يكثر من السخرية والتعليق اللاذع. وقد تستعمل الكلمة أحيانًا في سياق مرح لا يقصد منه الإساءة، بينما قد تتحول في سياقات أخرى إلى وسيلة للتقليل من شأن الآخرين أو إحراجهم.

كلمة ليست دخيلة على العربية

اللافت في كلمة «الطَّنْز» أن جذورها ليست حديثة ولا مرتبطة فقط بالدارجة المغربية، بل وردت في المعاجم العربية القديمة. فقد أورد لسان العرب الفعل «طَنَزَ»، بمعنى السخرية والاستهزاء، ومنه «طَنَّاز» لمن يكثر من الطَّنْز.

كما ترد مشتقات الكلمة في المعاجم العربية الحديثة بالمعنى نفسه تقريبًا، بما يؤكد أن استعمال المغاربة لها ليس خروجًا عن العربية، وإنما هو استمرار، بصيغة مغربية، لكلمة ذات أصل عربي.

وهنا تظهر إحدى خصائص الدارجة المغربية؛ فهي ليست مجرد مجموعة من الكلمات العشوائية، بل تحمل في داخلها طبقات لغوية متعددة، بعضها عربي قديم، وبعضها أمازيغي، وبعضها تأثر بلغات أخرى نتيجة التفاعل التاريخي والحضاري للمغرب.

من السخرية إلى «الطَّنْز» الاجتماعي

لم تعد كلمة «الطَّنْز» مجرد مصطلح لغوي يصف فعل السخرية، بل أصبحت جزءًا من الثقافة اليومية في التواصل بين المغاربة.

فقد يقول شخص لصديقه: «ما تطنزش عليّ»، أي لا تسخر مني أو لا تتعامل مع كلامي باستخفاف.

وقد يقول آخر: «راه غير كيطنز»، بمعنى أن الكلام الذي صدر عنه لا ينبغي أخذه على محمل الجد، لأنه قيل على سبيل المزاح أو السخرية.

وهذا الاستعمال يكشف عن مرونة الكلمة؛ فهي قد تعبر عن المزاح الخفيف بين الأصدقاء، وقد تحمل في سياق آخر معنى الاستهزاء الجارح.

الطَّنْز بين الفكاهة والإساءة

السخرية في المجتمع ليست دائمًا سلبية. فكثير من المغاربة يتميزون بروح فكاهية تجعلهم يستخدمون النكتة والتعليق الساخر للتعبير عن مواقفهم تجاه الحياة والمجتمع.

لكن الفارق كبير بين الفكاهة التي تصنع الابتسامة وبين السخرية التي تجرح كرامة الإنسان.

فحين يكون «الطَّنْز» متبادلًا بين أشخاص يعرفون حدود المزاح، فإنه قد يكون وسيلة للترويح والتقارب. أما حين يستهدف شخصًا بسبب شكله أو فقره أو أصله أو وضعه الاجتماعي، فإنه يفقد طابعه المرح ويتحول إلى نوع من الإهانة الاجتماعية.

ومن هنا يمكن القول إن المشكلة ليست في الكلمة نفسها، وإنما في السياق والنية والحدود التي تقف عندها السخرية.

الطَّنْز في زمن مواقع التواصل الاجتماعي

مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أخذ «الطَّنْز» أشكالًا جديدة. فالتعليق الساخر، والصورة المعدلة، والمقطع القصير، أصبحت أدوات للتعبير السريع عن السخرية.

وأحيانًا يتحول الأمر إلى ما يشبه المنافسة في صناعة التعليق الأكثر إثارة للضحك، حتى أصبح بعض المستخدمين معروفين بأسلوبهم الساخر في تناول الأحداث والشخصيات والمواقف اليومية.

غير أن العالم الرقمي يطرح تحديًا جديدًا: فالكلمة التي كانت تُقال في مجلس محدود أصبحت قادرة على الانتشار أمام آلاف الأشخاص، وقد تتحول من مزحة عابرة إلى إساءة واسعة الانتشار.

كلمة قديمة في ثوب مغربي جديد

تكشف كلمة «الطَّنْز» عن جانب مهم من ثراء الدارجة المغربية؛ فالكلمة التي يسمعها المغربي في الشارع والمقهى والبيت، ويستعملها بصورة عفوية، تحمل وراءها تاريخًا لغويًا أقدم بكثير من الاستعمال اليومي المعاصر.

وهكذا تستمر اللغة في الحياة من خلال الناس. فقد تتغير طريقة النطق، وتتغير الصيغة، وتتوسع الدلالة، لكن الكلمة تحتفظ بجزء من ذاكرتها القديمة.

ولعل أجمل ما في دراسة مثل هذه الكلمات أن الباحث لا يكتشف معنى لفظة فحسب، بل يكتشف معها جزءًا من ذاكرة المجتمع المغربي ولسانه وثقافته وطريقته الخاصة في التعبير عن الفرح والغضب والمزاح والسخرية.

فالطَّنْز كلمة مغربية في الاستعمال، عربية الجذور في أصلها، واجتماعية الدلالة في حضورها اليومي؛ وبين الماضي والحاضر تواصل اللغة المغربية كتابة تاريخها بكلمات تبدو بسيطة، لكنها تحمل وراءها حكايات طويلة.

الخميس، 15 أكتوبر 2026

إلى ملك إسبانيا: احتفل فوق الأرض التي تزعم امتلاكها.. فالتاريخ لا يُمحى بالأعلام، والاستعمار لا يصنع حقًّا أبديًّا!


 بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

رسالة مفتوحة إلى العاهل الإسباني: من سبتة ومليلية إلى ذاكرة الاستعمار.. كفى استعراضًا فوق جراح المغرب!
يا ملك إسبانيا، هل تعتقد أن دخولك إلى سبتة ومليلية وسط المواكب العسكرية، وتحت حماية جيشك، وبين أعلام بلادك وهتافات أنصارك، سيجعل المدينتين إسبانيتين في ذاكرة المغاربة؟ وهل تظن أن الكاميرات التي تلاحق خطواتك، والعناوين التي تتصدر صحفك، قادرة على منحك شرعية تاريخية لا يحسمها الاستعراض، ولا تفرضها القوة؟
إن كنت تريد أن تصنع من زيارتك انتصارًا سياسيًا، فاعلم أن هناك فرقًا شاسعًا بين أن تدخل أرضًا تحت حماية جيشك، وبين أن تمتلك الحق التاريخي والسياسي في السيادة عليها. وبين الأمرين تقف ذاكرة شعب لا ينسى، وتاريخ لا يمكن اختزاله في صور احتفالية، وقضية وطنية لا تسقط من الحسابات المغربية بمجرد أن يقرر الطرف الآخر تجاهلها.
يا ملك إسبانيا، يمكنك أن ترفع علمك، وأن تتجول في شوارع المدينتين، وأن تحيط نفسك بالحرس والمواكب، لكنك لن تستطيع أن تجعل الاستعراض العسكري بديلًا عن الحوار السياسي، ولا أن تحوّل الأمر الواقع إلى حقيقة لا تقبل النقاش.
إن سبتة ومليلية ليستا مجرد عنوانين في نشرة إخبارية إسبانية، ولا مجرد نقطتين جغرافيتين يمكن التعامل معهما باعتبارهما ملفًا مغربيًا منتهيًا. إنهما جزء من ذاكرة تاريخية وسياسية ممتدة، ومن قضية تثير أسئلة السيادة والحدود وإرث التوسع الأوروبي في شمال إفريقيا.
فكيف يمكن لدولة أوروبية أن تتمسك بوجودها في مدينتين على الساحل الشمالي الإفريقي، ثم تقدم نفسها باعتبارها مدافعًا عن القانون الدولي وحقوق الشعوب؟ وكيف يمكن أن تتحدث عن رفض الاحتلال في مناطق أخرى، بينما ترفض فتح نقاش جدي حول إرثها التاريخي في المنطقة؟
إن التاريخ لا يبدأ من اللحظة التي تختارها الحكومات، ولا ينتهي عند الحدود التي ترسمها القوة. فمنذ سقوط سبتة في يد البرتغاليين سنة 1415، وانتقالها إلى التاج الإسباني سنة 1580، ثم احتلال مليلية سنة 1497، تشكلت صفحات من تاريخ التوسع الأوروبي في شمال إفريقيا، ولا تزال آثارها حاضرة في النقاش المغربي حول المدينتين.
ولذلك، فإن مطالبة المغرب بفتح نقاش مسؤول حول هذا الملف ليست نزوة عابرة، ولا مجرد رد فعل على زيارة ملكية، بل تعبير عن موقف وطني يرى أن القضايا التاريخية والسيادية لا ينبغي أن تُدفن تحت ركام البروتوكولات الرسمية.
حين تتحول مأساة الشباب إلى اختبار لضمير أوروبا
لكن، يا ملك إسبانيا، إن ما يثير الغضب لا يرتبط فقط بملف سبتة ومليلية، بل كذلك بالطريقة التي يُنظر بها إلى الإنسان المغربي حين يصبح ضعيفًا، أو مهاجرًا، أو ضحية لأزمات اجتماعية واقتصادية خانقة.
فخلف كل شاب يغامر بحياته للوصول إلى الضفة الأخرى حكاية بطالة، أو حلم مؤجل، أو أسرة تنتظر منه أن يعود حاملًا أملًا جديدًا. وخلف كل مأساة هجرة هناك سؤال لا يجوز الهروب منه: لماذا يجد شباب في مقتبل العمر أنفسهم مستعدين للمخاطرة بحياتهم من أجل فرصة للعيش بكرامة؟
إن أزمة الهجرة ليست مجرد مشكلة حدودية، ولا يمكن اختزالها في أرقام الموقوفين أو صور القوات الأمنية. إنها مأساة إنسانية تتطلب تعاونًا مسؤولًا بين المغرب وإسبانيا، وتستوجب حماية الأرواح واحترام الكرامة الإنسانية، مهما كانت جنسية المهاجر أو وضعيته القانونية.
أما إذا صحت التقارير والادعاءات المتعلقة بوفاة مهاجرين مغاربة، ودفن بعضهم دون تمكين أسرهم من معرفة مصيرهم على نحو كافٍ، فإن الأمر يتجاوز الخلاف الدبلوماسي إلى ضرورة إجراء تحقيق شفاف، وتحديد هويات الضحايا، والتواصل مع عائلاتهم، وضمان حقهم في معرفة الحقيقة ودفن ذويهم بما يحفظ كرامتهم.
فهل أصبحت حياة الشاب المغربي أقل قيمة لأنه غادر بلده بحثًا عن العمل؟ وهل تتحول مآسي الأسر المغربية إلى تفاصيل ثانوية عندما تتعارض مع الحسابات الأمنية والسياسية؟
إن احترام الإنسان لا يُقاس بالخطب الرسمية، بل بما يحدث له عندما يكون بلا حماية، وبما تقدمه الدولة من ضمانات حين يصبح عرضة للاستغلال أو الإهانة أو الانتهاك.
وإذا ثبت وقوع تجاوزات في حق المهاجرين، أو تعرض بعضهم للعنف أو الاعتداءات، فإن المطلوب هو التحقيق والمحاسبة، لا التستر ولا الاكتفاء بالخطاب السياسي. أما تحويل مأساة الضحايا إلى مناسبة للاستعراض، فسيظل أمرًا يستوجب المساءلة الأخلاقية والقانونية.
يا ملك إسبانيا.. لا توزع دروس حقوق الإنسان قبل مواجهة أسئلة التاريخ
إن حقوق الإنسان ليست ملكية حصرية للدول الأوروبية، وليست شهادة تمنحها الحكومات لنفسها كلما أرادت تبرير سياساتها. إنها التزام شامل، يُختبر في المواقف الصعبة، وفي التعامل مع الضعفاء، وفي احترام كرامة الإنسان حتى عندما يكون مهاجرًا أو فقيرًا أو بلا سند.
ومن هنا، فإن أي خطاب إسباني يدافع عن حقوق الشعوب في مكان، ويتجاهل المطالب التاريخية والسيادية في مكان آخر، سيظل عرضة للنقد والمساءلة.
لا أحد يطلب من مدريد أن تتخلى عن الحوار أو أن تتجاهل مصالحها، لكن المطلوب هو الكف عن التعامل مع القضايا العالقة بمنطق أن ما تملكه القوة اليوم يصبح حقًا أبديًا غدًا.
إن العلاقات بين المغرب وإسبانيا أوسع من أن تُختزل في مشهد ملكي أو زيارة ميدانية، وأعمق من أن تتحول إلى منافسة على من يرفع علمه أعلى أو من يحشد هتافات أكثر.
فالشراكة الحقيقية لا تقوم على الاستفزاز، بل على الاعتراف المتبادل بحساسية الملفات التاريخية، واحترام المصالح المشروعة، وفتح أبواب الحوار حول القضايا التي لم تجد طريقها إلى حل نهائي.
الصحراء المغربية.. صفحة استعمارية لا يمكن تجاوزها بالصمت
ولا يمكن الحديث عن الذاكرة المغربية الإسبانية دون استحضار تاريخ الصحراء المغربية، التي ظل الوجود الإسباني الاستعماري فيها قائمًا إلى سنة 1975، حين انتهى الوجود الإسباني المباشر في الإقليم، من دون أن ينتهي النزاع حول الصحراء المغربية، الذي ما زال مطروحًا في المسار الأممي.
لقد ترك الاستعمار وراءه إرثًا سياسيًا معقدًا، وظلت المنطقة تعيش تبعات صراعات وتوترات امتدت لعقود. ولذلك، فإن المغرب، وهو يدافع عن وحدته الترابية، من حقه أن يستحضر هذه الذاكرة في تقييم علاقته بإسبانيا، وأن يطالب بعلاقات تقوم على الوضوح والاحترام المتبادل.
لكن لا ينبغي أن يكون الدفاع عن قضية وطنية مبررًا لإغلاق النقاش حول قضية وطنية أخرى، ولا أن يصبح الصمت الرسمي، إن حدث، دليلًا على غياب الحق في التعبير.
فالدبلوماسية لها حساباتها، والدول قد تختار التوقيت المناسب لتحركاتها، لكن المواطنين والباحثين والمعلقين المستقلين يحتفظون بحقهم في النقد والمساءلة، وفي التعبير عن مواقفهم من القضايا التي تمس الذاكرة الوطنية والكرامة الإنسانية.
إن صمت الحكومات، حين يقع، لا يعني أن ذاكرة الشعوب قد صمتت، ولا أن الأسئلة التاريخية قد انتهت، ولا أن المطالب الوطنية فقدت مشروعيتها في النقاش العام.
رسالتي إليك: لن تصنع الصور ما عجزت عنه السياسة
يا ملك إسبانيا، افعل ما تشاء من زيارات، وأقم ما شئت من الاحتفالات، وادخل سبتة ومليلية وسط الحراسة العسكرية والهتافات والأعلام، بل اجعل من زيارتك حدثًا تتصدر أخباره الصحف الإسبانية لأيام.
لكن تذكّر أن الصورة، مهما كانت براقة، لا تستطيع أن تحسم وحدها خلافًا تاريخيًا وسياسيًا، وأن التصفيق لا يمنح شرعية مطلقة، وأن القوة لا تعفي الدول من مسؤولية مواجهة الأسئلة الصعبة.
إن المغرب ليس مجرد جغرافيا صامتة على الضفة الجنوبية للمتوسط، ولا شعبًا يمكن مطالبته بنسيان ماضيه كلما اقتضت الحسابات السياسية ذلك. إنه بلد له تاريخه وذاكرته ومؤسساته ومطالبه الوطنية، ومن حقه أن يدافع عن قضاياه بالوسائل السياسية والقانونية والدبلوماسية.
فإذا كنت تريد أن تترك إرثًا مختلفًا في العلاقات المغربية الإسبانية، فلا تجعل زياراتك عنوانًا لتكريس الخلاف، بل اجعلها مناسبة لفتح الأبواب التي ظلت مغلقة، وللتعامل مع القضايا العالقة بروح المسؤولية والشجاعة السياسية.
إن التاريخ لا يُمحى بالإنكار، وحقوق الشعوب لا تُختزل في موازين القوة، وكرامة المهاجرين لا ينبغي أن تصبح ضحية الحسابات الأمنية. أما المستقبل، فلن يكون أكثر استقرارًا إلا عندما تتعامل الدول مع خلافاتها بشفافية، وتواجه ماضيها بصدق، وتضع الإنسان فوق الاعتبارات الدعائية.
هذه رسالتي إليك، لا من موقع السلطة، بل من موقع المواطن المغربي الذي يرفض أن تتحول القضايا الوطنية إلى مجرد مشاهد عابرة، ويرفض أن تُنسى مآسي الشباب وأسر الضحايا خلف ضجيج البروتوكولات.
سبتة ومليلية ملف مفتوح في الذاكرة والموقف المغربي، والحقوق لا يحسمها الاستعراض، بل الحوار المسؤول والمسارات السياسية والقانونية.
والتاريخ، مهما حاولت العناوين الصحفية إعادة ترتيبه، سيظل موضوعًا للنقاش والمساءلة، ما دامت هناك شعوب تتمسك بذاكرتها، وتطالب بأن تُسمع كلمتها.

الأربعاء، 14 أكتوبر 2026

«الرحامنة عشرة في عقيل »… حكاية مثل شعبي بين الذاكرة الجماعية والتأويل التاريخي

 

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

قراءة في الجذور التاريخية والحمولة الاجتماعية لعبارة «الرحامنة عشرة في عقيل»

 حين تتحول الذاكرة الشعبية إلى سجل للتاريخ

لا تختزن الذاكرة الشعبية المغربية مجرد أمثال وعبارات عابرة، بل تحمل في ثناياها شذرات من التاريخ الاجتماعي والسياسي، وتحتفظ بصور من المعاناة والصراع والتحولات التي عرفتها القبائل والمجتمعات المحلية عبر العصور. فكثيراً ما تختزل عبارة دارجة قصيرة أحداثاً طويلة، وتتحول مع مرور الزمن إلى مرجع رمزي يستحضره الناس للتعبير عن وقائع أو تجارب جماعية ظلت راسخة في الوجدان.

وفي هذا السياق، تبرز عبارة «الرحامنة عشرة في عقيل» باعتبارها إحدى العبارات المتداولة في الذاكرة الشعبية ببعض مناطق المغرب، ولا سيما في المجال المرتبط بالرحامنة والشاوية ومحيطهما. وهي عبارة تثير أسئلة تتجاوز ظاهر ألفاظها إلى البحث في خلفياتها التاريخية، ودلالاتها اللسانية، والظروف الاجتماعية التي ربما أسهمت في نشأتها وانتشارها.

غير أن التعامل العلمي مع مثل هذه التعبيرات يقتضي التمييز بين ما تتناقله الرواية الشفهية، وما تثبته الوثائق التاريخية، وما يقدمه الباحث من تأويلات محتملة. فالذاكرة الشعبية مصدر مهم لفهم الماضي، لكنها تحتاج، شأنها شأن غيرها من المصادر، إلى النقد والمقارنة والتحقق.

أولاً: قبيلة الرحامنة في سياق التاريخ السياسي المغربي

تحتل قبيلة الرحامنة مكانة بارزة في التاريخ الاجتماعي والسياسي للمغرب، بحكم امتدادها الجغرافي شمال مدينة مراكش، وصلاتها بالمجالات القبلية المجاورة، وموقعها ضمن التفاعلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي عرفتها المنطقة.

وخلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، شهد المغرب تحولات عميقة ارتبطت بطبيعة العلاقة بين السلطة المركزية والقبائل، وبالتحديات المالية والعسكرية والسياسية التي واجهتها الدولة. وفي ظل هذه الظروف، عرفت بعض المجالات القبلية توترات ومواجهات مع المخزن، الذي كان يسعى إلى تثبيت سلطته، وضمان استخلاص الجبايات، وإعادة فرض النظام والنفوذ المركزي.

ولم تكن هذه العلاقة، في مختلف مراحلها، علاقة صدام دائم أو رفض مطلق؛ بل تداخلت فيها أشكال متعددة من التفاوض والولاء والاحتجاج والمقاومة، بحسب الظروف السياسية وموازين القوى والمصالح المحلية.

ومن هذا المنطلق، فإن قراءة تاريخ الرحامنة تستوجب وضع الأحداث المرتبطة بها ضمن سياقها الوطني العام، بعيداً عن الأحكام التعميمية التي تختزل تاريخ القبيلة في التمرد أو العصيان، أو تجعل من الصراعات التي عرفتها وحدها عنواناً لهويتها التاريخية.

فالقبيلة، مثل غيرها من البنيات الاجتماعية المغربية، كانت فضاءً للتفاعل بين السلطة والمجتمع، وبين المصالح المحلية ومتطلبات الدولة، وهو ما انعكس، بصورة أو بأخرى، في الذاكرة الشفهية المتوارثة.

ثانياً: «عشرة في عقيل»… ماذا تخفي العبارة وراء ألفاظها؟

إن الإشكال الأساسي الذي تطرحه العبارة لا يتعلق بمجرد معناها الظاهر، بل بأصل لفظة «عقيل» والدلالة التي كانت تحملها في سياقها الأول.

فالتداول الشفهي، بطبيعته، قد يحافظ على العبارة العامة، لكنه يُحدث تغييرات في نطق بعض كلماتها أو في فهمها، خصوصاً عندما تنتقل من جيل إلى آخر، أو من منطقة إلى أخرى. وقد يؤدي ذلك إلى تعدد التأويلات، بحيث تصبح العبارة الواحدة قابلة لقراءات مختلفة، تبعاً للخلفية اللغوية والتاريخية لكل متلقٍّ.

ومن هنا، يمكن تناول المقولة من خلال فرضيتين أساسيتين:

الفرضية الأولى: التأويل المرتبط بالعقل والحكمة

قد يذهب بعض المتلقين إلى ربط لفظة «عقيل» بالعقل أو التعقل، ثم إسقاط هذا الفهم على صورة نمطية عن القبيلة وسلوكها السياسي أو الاجتماعي.

غير أن هذا التأويل، ما لم تسنده شواهد لغوية أو روايات تاريخية موثوقة، يظل مجرد احتمال تفسيري، ولا يجوز اعتماده أساساً للحكم على تاريخ الرحامنة أو على شخصيتها الجماعية.

فالأمثال الشعبية لا تصلح، في حد ذاتها، دليلاً على صفات ثابتة لدى جماعة بشرية، كما أن التوترات السياسية التي عرفتها بعض القبائل لا يمكن تفسيرها باختزالها في الحكمة أو الطيش، وإنما ينبغي فهمها ضمن ظروفها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

الفرضية الثانية: ارتباط العبارة بـ«العقال» والتقييد الجماعي

يذهب تأويل آخر إلى احتمال ارتباط لفظة «عقيل» بكلمة «العقال»، أي القيد أو وسيلة الربط، وفق الاستعمال المقصود في الرواية المحلية. وبحسب هذا التفسير، قد تكون العبارة استحضاراً لمشهد اعتقال جماعي، جرى فيه تقييد مجموعة من الأشخاص واقتيادهم تحت الحراسة، في سياق حملات عسكرية أو إجراءات عقابية عرفتها بعض المناطق.

ويمنح هذا التأويل العبارة دلالة اجتماعية وتاريخية مختلفة؛ إذ تصبح الإشارة إلى «العقال» رمزاً للأسر والتضييق وفقدان الحرية، لا حكماً على القدرات العقلية لأبناء القبيلة.

ومع ذلك، فإن قوة هذا التفسير تظل رهينة العثور على روايات شفوية متطابقة، أو نصوص تاريخية، أو وثائق محلية تثبت الصلة بين العبارة وممارسة التقييد الجماعي.

وعليه، فإن تفسير «عقيل» باعتبارها تحريفاً لـ«العقال» يظل فرضية جديرة بالبحث، لكنه لا يمكن تقديمه باعتباره حقيقة تاريخية محسومة من دون أدلة مستقلة تؤيده.

ثالثاً: العقوبات المخزنية والذاكرة القبلية

عرف التاريخ السياسي المغربي أشكالاً مختلفة من الحملات السلطانية التي كانت تهدف إلى إعادة بسط النفوذ، ومعالجة حالات العصيان، وتأمين الطرق، وضمان انتظام الجبايات. وكانت بعض هذه الحملات تترافق مع إجراءات قاسية، من بينها الاعتقال والعقاب ومصادرة الممتلكات، بحسب طبيعة المواجهة والسياق التاريخي.

ومن الطبيعي أن تترك مثل هذه الأحداث آثاراً في الذاكرة الجماعية للمناطق التي شهدتها؛ فالوقائع التي تمس الحرية والكرامة والاستقرار لا تنتهي آثارها دائماً بانتهاء المواجهة، بل قد تستمر في الحكايات والأمثال والأغاني الشعبية والروايات العائلية.

وفي هذا الإطار، يمكن افتراض أن بعض العبارات المرتبطة بالرحامنة قد تكون احتفظت بصدى أحداث من هذا النوع، سواء تعلقت بالاعتقال أو العقاب أو المواجهات بين السلطة المركزية وبعض المجموعات القبلية.

لكن المنهج التاريخي يفرض التمييز بين وجود ممارسات عقابية في تاريخ المغرب، وهو أمر يمكن بحثه في مصادر تلك المرحلة، وبين إثبات أن ممارسة بعينها هي التي أنتجت مقولة «عشرة في عقيل». فالأمر الثاني يحتاج إلى دليل خاص يربط بين الحدث والعبارة، ولا يكفي فيه التشابه في المعنى أو الانسجام مع السياق العام.

رابعاً: الذاكرة الشفهية بوصفها مصدراً للتاريخ الاجتماعي

لا تقل الرواية الشفهية أهمية عن بعض المصادر المكتوبة في دراسة التاريخ الاجتماعي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتجارب الفئات المحلية، والتمثلات الجماعية، والأحداث التي لم تحظَ بتوثيق كافٍ في السجلات الرسمية.

غير أن قيمتها العلمية تتوقف على طريقة جمعها وتحليلها. فالرواية المتوارثة قد تحفظ جانباً من الحقيقة، لكنها قد تتعرض أيضاً للنسيان أو الاختصار أو المبالغة أو إعادة التأويل، بفعل التحولات التي يعرفها المجتمع.

ولذلك، فإن دراسة عبارة «الرحامنة عشرة في عقيل» تقتضي العودة إلى كبار السن وحملة الذاكرة المحلية في الرحامنة والشاوية ومحيطهما، وتسجيل الصيغ المختلفة التي ترد بها العبارة، ومعرفة المناطق التي تنتشر فيها، والسياقات التي تُستعمل فيها، وما إذا كانت هناك روايات متقاربة بشأن أصلها.

كما ينبغي مقارنة هذه الروايات بالمصادر التاريخية المكتوبة، ولا سيما المؤلفات التي تناولت القبائل المغربية وعلاقاتها بالمخزن، وتاريخ الحملات السلطانية، والتحولات السياسية التي شهدها المغرب خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

ومن شأن هذا العمل الميداني أن يحول المثل من مجرد عبارة متداولة إلى موضوع بحث علمي قابل للفحص والمناقشة، وأن يساعد على الفصل بين الذاكرة الرمزية والواقعة التاريخية.

خامساً: من التأويل اللغوي إلى الإنصاف التاريخي

إن أخطر ما قد يترتب على تداول الأمثال التاريخية دون تمحيص هو تحولها إلى أحكام جاهزة على الجماعات والقبائل. فقد تحمل العبارة، في أصلها، معنى مختلفاً تماماً عما يفهمه منها المتلقي المعاصر، وقد يكون ما يبدو وصفاً سلبياً في ظاهر اللفظ انعكاساً لواقعة مؤلمة أو تجربة جماعية من القهر والمعاناة.

ومن هنا، فإن إعادة قراءة الموروث الشعبي لا تعني البحث عن تفسير يرضي الاعتزاز المحلي فحسب، وإنما تعني أيضاً التحرر من الأحكام المسبقة، واعتماد البحث والتوثيق والمقارنة.

فالإنصاف التاريخي لا يتحقق باستبدال تأويل غير موثق بتأويل آخر غير موثق، بل بإخضاع مختلف الفرضيات لمعيار واحد: قوة الدليل، وتماسك الحجة، ومدى انسجامها مع الشواهد اللغوية والتاريخية.

كما أن الاعتزاز بتاريخ الرحامنة لا يحتاج إلى نفي ما عرفته المنطقة من صراعات أو توترات؛ بل يقتضي فهم تلك الأحداث في سياقها، والنظر إلى القبيلة باعتبارها جزءاً من التاريخ المغربي المركب، بما يحمله من تفاعلات ومقاومات وتحالفات وتحولات.

ختاما : حين يصبح المثل الشعبي سؤالاً مفتوحاً أمام الباحث

إن عبارة «الرحامنة عشرة في عقيل» ليست مجرد تركيب لغوي متداول، بل يمكن أن تشكل مدخلاً لدراسة العلاقة بين اللغة والذاكرة والتاريخ، وبين التجربة الاجتماعية وطريقة تمثيلها في الوعي الجماعي.

وإذا كان تفسيرها من خلال لفظة «العقال» يفتح احتمالاً مثيراً للبحث، باعتباره إحالة محتملة إلى التقييد والأسر الجماعي، فإن إثبات هذا الأصل يظل مشروطاً بتوثيق الروايات المحلية ومقارنتها بالمصادر التاريخية ذات الصلة.

إن القيمة الحقيقية لهذا النقاش لا تكمن في الانتصار لتفسير بعينه قبل التحقق منه، وإنما في تحويل الموروث الشفهي إلى موضوع بحث جاد، يساهم في صون الذاكرة المحلية، ويعيد قراءة التاريخ من زاوية المجتمع وتجارب الناس، لا من خلال الأحكام الجاهزة وحدها.

فالأمثال الشعبية قد تحفظ أصداء أحداث نسيها الزمن، لكنها لا تكشف أسرارها كاملة إلا حين يلتقي صوت الذاكرة بصرامة البحث العلمي.

الاثنين، 12 أكتوبر 2026

بين أنطولوجيا الثابت وإبستمولوجيا المتغيّر: الحقيقة من أفق اليقين إلى نسبيّة الوعي

 

​بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

تطرح القضايا المتعلقة بمهوم "الحقيقة" بوصفها الإشكال الأكثر تعقيدًا في الفكر الإنساني؛ إذ تُمثّل الشاغل الأساسي للتفكير الفلسفي والبحث العلمي على حد سواء. إن العبارة القائلة بأنّ «الحقيقة تتغيّر كلما توسّعت المعرفة» تفتح أفقًا إشكاليًا يدور حول مركزية العلاقة بين الوجود في ذاته (الأنطولوجيا) ومعرفتنا بهذا الوجود (الإبستمولوجيا). هل تُعرّف الحقيقة بثبات الموضوع، أم بمرونة الذات العارفة؟ وإلى أي حد يُمكن أن نطمح لتأسيس حقيقة مطلقة ومستقلة عن أدوات الوعي وحدوده؟

​أولًا: أطروحة الثبات الأنطولوجي مقابل النسبية الإبستمولوجية

​تُميّز الأدبيات الفلسفية بين مستويين حاسمين لمفهوم الحقيقة:

​المستوى الأنطولوجي (الواقع في ذاته): ينزع التيّار الواقعي (Realism)، من أفلاطون إلى الواقعية العلمية المعاصرة، إلى القول بأن الحقيقة وجود مستمر، قائم بذاته ومستقل عن أذهاننا ولغتنا. إنّ القوانين التي تحكم الكون لا تتغير لمجرد تغيير طريقة تفسيرنا لها.

​المستوى الإبستمولوجي (الوعي بالإدراك): تذهب الاتجاهات النقديّة (منذ إيمانويل كانت وخاصة مع الفلسفة المعاصرة) إلى أن الإنسان لا يتعامل مع الواقع الخام، بل مع "تمثلات" هذا الواقع. المعرفة تشكيلة مبنية على أدوات الإدراك، والمناهج العلمية، واللغة، والنماذج الإرشادية (Paradigms).

​من هذا المنطلق، فإن ما يتغير ليس الواقع الفعلي، بل "نطاق التغطية الإبستمولوجية"؛ فالكشف العلمي لا يخلق واقعًا جديدًا، بل يوسع المساحة المرئية من واقع قديم.

​ثنائيّة التراكم والقطيعة: كيف تتطور المعرفة العلمية؟

​تجسد تاريخية العلم بدقة كيف تعيد المعرفة تشكيل تصورنا للحقيقة عبر آليتين أساسيتين:

​التراكم والتوسيع (البناء الممتد): كما يحدث عند الانتقال من ميكانيكا نيوتن إلى نسبية أينشتاين؛ فلم تُلغِ النسبية قوانين نيوتن بالكامل، بل حدّدت إطارها المرجعي واعتبرتها "حالة خاصة" ضمن حقيقة فيزيائية أوسع (الزمكان).

​القطيعة الإبستمولوجية (توماس كون وبول فايرابند): يرى توماس كون في كتابه تأريض الثورات العلمية أن المعرفة لا تنمو بشكل متدرج دائمًا، بل عبر ثورات تُبدل "النموذج الإرشادي" بالكامل. ما كان حقيقة مطلقة في عصر (مثل جغرافية بطليموس للكون) يصبح هامشًا تاريخيًا بعد تحول النموذج إلى نموذج كوبرنيكوس.

​مفارقة سقراط: اتساع المعرفة وتقلّص اليقين

​تتجلى المفارقة الفلسفية الكبرى في أن زيادة المعرفة لا تؤدي بالضرورة إلى استقرار اليقين، بل إلى مضاعفة الأسئلة.

السبت، 10 أكتوبر 2026

أخنوش أمام الملك… هل انتهى زمن الوقار أم أن المنصب أنسى صاحبه أصول البروتوكول ؟؟

 

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

ليست السياسة مجرد كراسي وثيرة ومناصب رفيعة وظهور متكرر أمام الكاميرات، وليست المسؤولية الحكومية امتيازاً يمنح صاحبه الحق في التعامل مع المناسبات السيادية وكأنها جلسات عادية لا تستوجب الانتباه إلى رمزية المكان وهيبة المؤسسة.

ما أثار الانتباه خلال مراسيم افتتاح السنة التشريعية يوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، هو ظهور عزيز أخنوش، رئيس الحكومة المنتهية ولايتها، جالساً واضعاً إحدى رجليه فوق الأخرى، في مناسبة ترأسها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله.

قد يقول قائل إن الأمر لا يتجاوز حركة عفوية، وإن طريقة الجلوس لا تستحق كل هذا النقاش. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل أصبحنا مطالبين بالصمت كلما تعلق الأمر بسلوك مسؤول كبير، أم أن من تولوا تدبير شؤون البلاد ينبغي أن يكونوا أول من يدرك أن المسؤولية تفرض عليهم انضباطاً يتجاوز ما هو مطلوب من المواطن العادي؟

إن المسألة ليست حرباً على شخص، ولا محاولة لتضخيم حركة عابرة، بل نقاش حول ثقافة المسؤولية، وحدود التصرف الشخصي، والفرق بين الجلوس في مجلس خاص والحضور في مناسبة دستورية ترمز إلى استمرارية الدولة المغربية ومؤسساتها.

أخنوش… المنصب لا يمنح صاحبه حصانة من النقد!

السيد عزيز أخنوش،

لقد جلستم على رأس الحكومة المغربية، وتوليتم مسؤولية تنفيذ السياسات العمومية في مرحلة كانت فيها انتظارات المواطنين كبيرة، وأسئلتهم بشأن القدرة الشرائية وفرص الشغل والعدالة الاجتماعية حاضرة بقوة.

واليوم، بعد تجربتكم على رأس السلطة التنفيذية، يصبح من حق الرأي العام أن يناقش أداءكم السياسي، وأن ينتقد مواقفكم، وأن يتوقف عند سلوككم في المناسبات الرسمية، تماماً كما يفعل مع أي مسؤول عمومي.

فلا أحد فوق النقد، ولا أحد يملك صكاً للحصانة الأخلاقية لمجرد أنه جلس يوماً على كرسي رئاسة الحكومة.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب الحياة السياسية هو أن يعتقد المسؤول أن منصبه يمنحه امتيازاً في السلوك، وأن مكانته تعفيه من واجب الانتباه إلى صورة تصرفاته أمام المواطنين.

المسؤولية ليست لقباً يُضاف إلى الاسم، ولا وجاهة اجتماعية تُستعرض أمام الكاميرات، بل هي ثقافة وانضباط ووعي مستمر بأن كل تصرف يصدر عن المسؤول في الفضاء العام قد يصبح موضوعاً للمساءلة والنقاش.

هل أصبح الوقار تفصيلاً لا يستحق الانتباه؟

إننا لا نزعم أن وضع رجل فوق أخرى يشكل، في حد ذاته، إهانة للملك أو خرقاً مؤكداً لبروتوكول رسمي؛ فمثل هذا الحكم يحتاج إلى ما يثبته، ولا يجوز استنتاج النيات من صورة واحدة.

لكننا نرفض، في المقابل، أن يتحول هذا التحفظ إلى ذريعة لإغلاق باب النقاش.

فالمناسبات الرسمية ليست كلها متشابهة، والسلوك الذي قد يكون عادياً في مجلس خاص يمكن أن يُقرأ بصورة مختلفة عندما يتعلق الأمر بمناسبة وطنية ذات رمزية دستورية كبرى.

وهنا تكمن مسؤولية المسؤول السياسي: أن يعرف متى يتحدث، وكيف يتصرف، وأين يوجد، وما الذي تفرضه طبيعة المكان والمناسبة.

فهل يُعقل أن نطالب الشباب بالتربية على المواطنة واحترام المؤسسات، ثم نتردد في مساءلة المسؤولين أنفسهم عن مستوى الوعي الذي يظهرونه في المحافل الرسمية؟

إن القدوة تبدأ من الأعلى، والاحترام لا يمكن أن يكون مطلباً موجهاً إلى المواطنين وحدهم.

إلى أخنوش: السياسة ليست شركة خاصة!

السيد أخنوش،

إن تدبير الشأن العام يختلف عن تدبير المقاولات الخاصة، والمسؤولية الدستورية تختلف عن المسؤولية داخل مجال الأعمال.

في الحياة الخاصة، لكل إنسان هامش واسع من الحرية في تصرفاته الشخصية. أما عندما يصبح الشخص مسؤولاً حكومياً أو ممثلاً لمؤسسات الدولة، فإن تصرفاته تدخل، بدرجات متفاوتة، في دائرة اهتمام الرأي العام.

ولذلك، فإن المطلوب من رجل السياسة ليس فقط أن يحضر، بل أن يستوعب طبيعة الحضور؛ وليس فقط أن يشغل موقعاً متقدماً، بل أن يكون واعياً بالالتزامات المعنوية التي تترتب عليه.

إن الثروة قد تفتح أبواباً كثيرة، وقد تمنح صاحبها مكانة اقتصادية، لكنها لا تمنحه تلقائياً ثقافة سياسية رفيعة، ولا تعفيه من ضرورة التحلي بالتواضع والانضباط وحسن تقدير المواقف.

فالمال يصنع النفوذ، والمنصب يمنح السلطة، لكن السلوك وحده يكشف مقدار النضج الذي اكتسبه الإنسان من تجربته في تدبير الشأن العام.

وهذه ليست إدانة لشخص بعينه، بل قاعدة ينبغي أن يخضع لها كل من يتولى مسؤولية عمومية، مهما كان اسمه أو انتماؤه أو حجم ثروته.

احترام الملك لا يُختزل في الشعارات!

إن احترام صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، واحترام المؤسسة الملكية باعتبارها مؤسسة دستورية محورية في نظام الدولة المغربية، لا ينبغي أن يتحولا إلى مجرد عبارات جاهزة تُردد في المناسبات.

فالاحترام مسؤولية، والولاء للمؤسسات لا يُقاس بارتفاع الشعارات، وإنما يظهر في الوعي برمزيتها، والالتزام بالقواعد التي تنظم العمل داخلها، والتعامل مع مناسباتها الرسمية بما يليق بطبيعتها.

وفي الوقت نفسه، فإن احترام المؤسسة الملكية لا يقتضي تحويل كل صورة إلى اتهام، ولا يبرر إطلاق أحكام على النيات دون دليل. بل يقتضي نقاشاً مسؤولاً يميز بين النقد المشروع والتجريح الشخصي، وبين ملاحظة سلوك ظاهر والجزم بدلالات لا تثبتها المعطيات المتاحة.

ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت حركة الجلوس وحدها تستحق الإدانة، بل ما إذا كنا نمتلك ثقافة سياسية تجعل المسؤول يدرك أن الوقار جزء من صورته العامة، وأن النقد حق للمواطن، وأن المنصب لا يحول صاحبه إلى شخص ممنوع من المساءلة.

أخنوش… انتهت الحكومة، ولم ينتهِ حق المغاربة في التقييم!

إن مغادرة المسؤول لمنصبه لا تعني إسدال الستار على تجربته، ولا تعفيه من النقاش بشأن أدائه ومواقفه وسلوكه العام.

فالحكومات تتعاقب، والولايات تنتهي، والأسماء التي تتصدر المشهد اليوم قد تصبح غداً جزءاً من ذاكرة سياسية يقيّمها التاريخ.

وما يحتاج إليه المغرب ليس مسؤولين يحرصون على الظهور في الصفوف الأمامية فحسب، بل رجال دولة يستوعبون أن المسؤولية أخلاق قبل أن تكون سلطة، وأن احترام المؤسسات ممارسة يومية قبل أن يكون خطاباً رسمياً.

أما المواطن المغربي، فمن حقه أن يناقش، وأن ينتقد، وأن يطالب المسؤولين بمعايير عالية من الانضباط والجدية، دون أن يُتهم بالعداء أو المزايدة كلما طرح سؤالاً محرجاً.

فالديمقراطية لا تعني التصفيق للمسؤولين، كما أن احترام المؤسسات لا يعني تعطيل النقد؛ بل إن قوة المؤسسات تتعزز حين يسود الوعي بالمسؤولية، ويُمارس النقد بجرأة وانضباط.

كلمة أخيرة لا تحتاج إلى مجاملة

السيد عزيز أخنوش،

قد لا تكفي صورة واحدة للحكم على شخصية سياسية، لكنها تكفي أحياناً لفتح نقاش حول المعايير التي ينبغي أن تحكم سلوك المسؤولين في المناسبات الكبرى.

ولذلك، فإن الرسالة واضحة: لا أحد يطالبك بالتخلي عن حريتك الشخصية، ولا يملك أحد الحق في اتهامك بإهانة متعمدة استناداً إلى وضعية جلوس وحدها؛ لكن من حق المغاربة أن ينتظروا منك، ومن غيرك ممن تولوا أعلى المسؤوليات، مستوى رفيعاً من الوعي السياسي وحسن تقدير المقام.

فالمسؤول الذي يطلب احترام موقعه، عليه أولاً أن يدرك أن احترام الموقع يبدأ باحترام مقتضياته.

والأهم من ذلك كله أن الدولة المغربية أكبر من الأشخاص، والمؤسسة الملكية أكبر من الحكومات، وكرامة المؤسسات لا ينبغي أن تكون موضوعاً للمزايدة أو مادة للاستعراض السياسي.

قد ينتهي زمن المسؤولية الحكومية، لكن مسؤولية الإنسان عن صورته وسلوكه لا تنتهي بانتهاء ولايته.

الاثنين، 5 أكتوبر 2026

حين يصنع المدرس الإنسان… تصنع الأوطان مستقبلها

 

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

5 أكتوبر | اليوم العالمي للمدرس

في اليوم العالمي للمدرس، نقف وقفة تقدير واعتزاز أمام أولئك الذين اختاروا أن يحملوا رسالة العلم والتربية، وأن يساهموا في بناء الإنسان قبل بناء الأجيال.

فالمدرس ليس مجرد ناقل للمعرفة، ولا موظفًا يؤدي واجبًا مهنيًا فحسب، بل هو صانع للعقول، ومربي للضمائر، وباني للقيم، وشريك أساسي في صناعة مستقبل المجتمع.

فالأمم لا تُبنى بالاقتصاد وحده، ولا بالتكنولوجيا فقط، وإنما تُبنى قبل ذلك بالإنسان؛ والإنسان المتعلم الواعي هو ثمرة جهد مدرس آمن برسالته، وصبر على الصعوبات، وواصل أداء واجبه رغم الإكراهات والتحديات.

وفي هذه المناسبة، نتوجه بتحية تقدير واحترام إلى جميع نساء ورجال التعليم، الذين يبذلون جهودًا يومية داخل الفصول الدراسية وخارجها، من أجل تنشئة أجيال قادرة على التفكير والإبداع وتحمل المسؤولية.

كما نستحضر بكل وفاء المعلمين والأساتذة الذين تركوا بصماتهم في حياتنا، ومنهم من رحلوا عن هذه الدنيا، لكن كلماتهم ودروسهم وقيمهم ما زالت حاضرة في ذاكرتنا ووجداننا.

إن تكريم المدرس لا ينبغي أن يقتصر على يوم واحد في السنة، بل يجب أن يتحول إلى ثقافة مجتمعية دائمة، تقوم على احترام مكانته، وتحسين ظروف عمله، وتوفير البيئة التي تمكنه من أداء رسالته النبيلة في أفضل الظروف.

كل عام والمدرسون والمدرسات بخير وعطاء.

كل عام وهم شموع تنير طريق المعرفة.

وكل عام ورسالتهم النبيلة تحظى بما تستحقه من تقدير واحترام.

تحية إجلال لكل مدرس حمل رسالة العلم بصدق، وترك في حياة تلاميذه أثرًا لا تمحوه السنوات.

الأحد، 4 أكتوبر 2026

134 نائباً في المعارضة… حين يتحول الرقم إلى ورقة ضغط دستورية

 

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

في المشهد السياسي المغربي المرتقب، لا تختزل معادلة تشكيل الحكومة في عدد المقاعد التي ستجتمع حول الأغلبية، ولا في توزيع الحقائب الوزارية بين الأحزاب المشاركة في الحكم. فهناك رقم آخر يفرض نفسه بقوة على طاولة الحسابات السياسية: 134 نائباً في صفوف المعارضة.

قد يبدو الرقم، للوهلة الأولى، مجرد نتيجة حسابية، لكنه يتحول إلى رقم ذي دلالة سياسية ومؤسساتية عندما يُقرأ في ضوء العتبات التي حددها الدستور لممارسة عدد من أدوات الرقابة البرلمانية.

فمجلس النواب يتكون من 395 عضواً، ما يجعل ثلث أعضائه يتجاوز قليلاً 131 نائباً، وتحديداً 132 نائباً عند احتساب الحد الأدنى اللازم. وبذلك، فإن معارضة تضم 134 نائباً ستكون، وفق هذا السيناريو، قد تجاوزت هذه العتبة بنائبين.

وهنا تبدأ أهمية الرقم.

فالثلث البرلماني ليس مجرد نسبة حسابية، وإنما يرتبط بمجموعة من الآليات الدستورية للرقابة على العمل الحكومي. فالفصل 67 يتيح طلب تشكيل لجان تقصي الحقائق من طرف ثلث أعضاء مجلس النواب، كما ينص الفصل 101 على إمكانية طلب عرض رئيس الحكومة للحصيلة المرحلية لعمل الحكومة من طرف ثلث أعضاء المجلس، بينما يسمح الفصل 66 بطلب عقد دورة استثنائية للبرلمان من طرف ثلث أعضاء مجلس النواب.

وبالتالي، فإن امتلاك 134 مقعداً يمنح المعارضة المفترضة هامشاً مؤسساتياً مهماً للتحرك والرقابة والمساءلة، شريطة توفر الشروط والإجراءات القانونية المنظمة لكل آلية.

الأغلبية الكبيرة… والتحدي الأصعب

في المقابل، يتداول سيناريو لأغلبية قد تصل إلى 236 مقعداً، عبر تحالف يضم الأصالة والمعاصرة والاستقلال والحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية.

من الناحية العددية، تبدو هذه الأغلبية واسعة. غير أن الحساب البرلماني شيء، والسياسة شيء آخر.

فجمع خمسة أو ستة أحزاب حول طاولة واحدة قد يكون ممكناً عند لحظة تشكيل الحكومة، لكن المحافظة على وحدة التصويت والمواقف طوال الولاية التشريعية تتطلب أكثر من مجرد اتفاق على توزيع المسؤوليات.

إنها تحتاج إلى برنامج سياسي واضح، والتزامات مشتركة، وآلية دائمة لتدبير الخلافات، حتى لا تتحول الاختلافات الطبيعية بين مكونات التحالف إلى أزمات سياسية عند كل محطة تشريعية.

وهنا تحديداً تظهر أهمية الدور الذي تضطلع به فاطمة الزهراء المنصوري في السيناريو المتداول، باعتبار أن المهمة لا تتعلق فقط بتجميع المقاعد، وإنما ببناء صيغة سياسية قادرة على الحفاظ على تماسك الأغلبية بعد تشكيلها.

المعارضة… من الرقم إلى الفعل

في الجهة المقابلة، قد تضم المعارضة، وفق السيناريو نفسه، قوتين سياسيتين بارزتين هما التجمع الوطني للأحرار والعدالة والتنمية، إلى جانب احتمال تموقع 25 نائباً في صيغة يمكن وصفها بالمساندة النقدية.

لكن امتلاك المقاعد لا يعني بالضرورة امتلاك موقف سياسي موحد.

فقد تتقاطع القوى المعارضة في ملف معين، وتختلف في ملف آخر. وقد تتفق على ممارسة الرقابة على الحكومة، دون أن تتفق بالضرورة على البدائل السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ولهذا، فإن التحدي الحقيقي أمام المعارضة سيكون هو تحويل العدد إلى تنسيق، والتنسيق إلى ممارسة رقابية فعالة.

134 نائباً لا تعني إسقاط الحكومة

وهنا ينبغي التمييز بين أمرين: امتلاك أدوات الرقابة، وامتلاك القدرة على إسقاط الحكومة.

فالفصل 105 من الدستور يجعل ملتمس الرقابة قابلاً للتقديم بتوقيع خُمس أعضاء مجلس النواب على الأقل، لكن الموافقة عليه تتطلب الأغلبية المطلقة لأعضاء المجلس. وبما أن المجلس يضم 395 عضواً، فإن تمرير ملتمس الرقابة يحتاج إلى 198 صوتاً.

وبالتالي، فإن معارضة من 134 نائباً تستطيع بلوغ عتبة التوقيع على ملتمس الرقابة بفارق كبير، لكنها لا تستطيع بمفردها تمريره.

حتى لو أضيف إليها 25 نائباً في صيغة المساندة النقدية، فإن مجموعها سيصل إلى 159 نائباً، أي إنها ستظل بحاجة إلى 39 صوتاً إضافياً للوصول إلى الأغلبية المطلقة.

وهنا تكمن المفارقة السياسية:

المعارضة قد تمتلك أدوات قوية للمساءلة، لكنها لا تمتلك وحدها العدد الكافي لإسقاط الحكومة.

وهذا يعني أن أي تصدع كبير داخل الأغلبية يمكن أن يتحول، في لحظة سياسية معينة، إلى عنصر حاسم في ميزان القوة داخل مجلس النواب.

الاختبار الحقيقي يبدأ بعد تشكيل الحكومة

لذلك، فإن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بمن سيدخل الحكومة ومن سيبقى خارجها، وإنما بكيفية إدارة العلاقة بين مكونات الأغلبية من جهة، وبين الحكومة والمعارضة من جهة أخرى.

فالأغلبية التي تضم عدة أحزاب تحتاج إلى آلية تنسيق سياسية تمنع الخلافات من التحول إلى أزمات علنية، بينما تحتاج المعارضة إلى تنسيق يجعل من حضورها البرلماني قوة رقابية متماسكة، دون أن يعني ذلك بالضرورة توحيد مواقفها في كل الملفات.

ومن هنا، فإن المشاورات السياسية لا ينبغي أن تُقرأ فقط من زاوية توزيع الحقائب والمواقع، وإنما باعتبارها عملية لإعادة رسم ميزان القوة داخل البرلمان.

معادلة المرحلة المقبلة

236 مقعداً تمنح الأغلبية هامشاً واسعاً لتدبير الشأن الحكومي.

134 نائباً تمنح المعارضة، وفق السيناريو المطروح، قدرة معتبرة على استعمال عدد من الأدوات الدستورية للرقابة والمساءلة.

لكن الأرقام وحدها لا تصنع الاستقرار السياسي.

فالأغلبية تحتاج إلى تحويل عددها إلى انسجام والتزام وتصويت موحد عند المحطات الحاسمة، بينما تحتاج المعارضة إلى تحويل عددها إلى تنسيق ورقابة ومساءلة مؤسساتية.

وفي النهاية، قد لا تكون المعركة السياسية الحقيقية في عدد المقاعد التي حصل عليها كل طرف، وإنما في كيفية استعمال هذه المقاعد داخل المؤسسة التشريعية.

فالأغلبية ستُختبر بقدرتها على البقاء موحدة عندما تختلف المصالح، والمعارضة ستُختبر بقدرتها على ممارسة الرقابة عندما تتباين المواقف.

وبين 236 مقعداً في الحكم و134 مقعداً في المعارضة، تتشكل معادلة سياسية جديدة، عنوانها الأبرز:

الأرقام تمنح القوة… لكن التصويت هو الذي يكشف موازينها الحقيقية.

الخميس، 1 أكتوبر 2026

الشباب والسياسة في المغرب: بين العزوف الانتخابي وأزمة التداول على المسؤولية

 

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

من «الوقود الانتخابي» إلى الفاعل السياسي: لماذا يبتعد الشباب عن السياسة؟

لم تعد العلاقة بين الشباب والسياسة في المغرب تختزل في سؤال المشاركة من عدمها، بل أصبحت تطرح إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين الشباب والمؤسسات السياسية، وبين الناخب والنخب الحزبية، وبين الوعود الانتخابية وانتظارات الأجيال الجديدة.

فالشاب المغربي لا يبدو بالضرورة رافضاً للسياسة باعتبارها فعلاً مجتمعياً، بقدر ما أصبح جزء منه متشككاً في الممارسة السياسية وفي قدرتها على الاستجابة الفعلية لانتظاراته. ومن هنا يمكن فهم ظاهرة العزوف السياسي والانتخابي باعتبارها ظاهرة مركبة، لا يمكن تفسيرها بعامل واحد.

وتكشف معطيات المندوبية السامية للتخطيط أن الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة بلغ عددهم حوالي 5.9 ملايين سنة 2021، أي ما يعادل 16.2% من مجموع السكان.

لكن الأهمية الديموغرافية للشباب لا تنعكس بالضرورة بالحجم نفسه داخل المؤسسات السياسية الرسمية.

العزوف: هل الشباب يرفض السياسة أم يرفض طريقة ممارستها؟

إن أخطر ما ينبغي أن تتوقف عنده الأحزاب والنخب السياسية ليس فقط عدد الشباب الذين لا يصوتون، وإنما لماذا لا يصوتون؟ ولماذا لا يسجل بعضهم أصلاً في اللوائح الانتخابية؟ ولماذا يبتعد عدد كبير منهم عن الانخراط في الأحزاب والتنظيمات السياسية؟

فالعزوف قد يكون تعبيراً عن اللامبالاة، لكنه قد يكون أيضاً تعبيراً عن فقدان الثقة، أو الإحساس بعدم جدوى المشاركة، أو الاعتقاد بأن القرار السياسي لا يستجيب بما يكفي للمطالب الاجتماعية والاقتصادية للشباب.

وقد أظهرت دراسة للمندوبية السامية للتخطيط حول المشاركة السياسية أن نسبة 77.3% من الشباب في الفئة العمرية 18-24 سنة صرحوا بأنهم لم يشاركوا قط في الانتخابات، مقابل 15.5% قالوا إن مشاركتهم كانت منتظمة و7.2% غير منتظمة، وفق المعطيات التي شملتها الدراسة. كما أظهرت أن 99.3% من الفئة نفسها لم يكونوا أعضاء نشطين في حزب سياسي.

وهذه الأرقام، رغم قدمها، تكشف أن ظاهرة الابتعاد عن العمل السياسي ليست جديدة، وأن معالجة العلاقة بين الشباب والسياسة تحتاج إلى قراءة تتجاوز الحملات الانتخابية الموسمية.

التسجيل في اللوائح الانتخابية: الحلقة الأولى في المشاركة

لا تبدأ المشاركة السياسية يوم الاقتراع فقط؛ بل تبدأ قبل ذلك بالتسجيل في اللوائح الانتخابية، ومعرفة الحقوق والواجبات، ومتابعة البرامج، ومساءلة المرشحين، ثم اتخاذ القرار الانتخابي بحرية ووعي.

وفي سنة 2026، فتحت السلطات المغربية فترة جديدة لتقديم طلبات التسجيل في اللوائح الانتخابية العامة، بالنسبة لمن بلغوا 18 سنة أو سيبلغونها في 23 شتنبر 2026، وذلك خلال الفترة الممتدة من 15 ماي إلى 13 يونيو 2026.

وهنا تبرز مفارقة سياسية واجتماعية تستحق البحث:

كيف يمكن لشباب يطالب بالتغيير أن يتحول جزء منه إلى قوة انتخابية غير مشاركة؟

إن عدم التسجيل، ثم عدم التصويت، ثم عدم الانخراط في العمل السياسي، كلها حلقات يمكن أن تتراكم لتنتج مسافة متزايدة بين الجيل الجديد والمؤسسات السياسية.

لكن تحميل الشباب وحدهم مسؤولية العزوف سيكون تبسيطاً للمشكلة؛ لأن مسؤولية إعادة بناء الثقة تقع أيضاً على المؤسسات والأحزاب والنخب السياسية.

من الشباب كقوة انتخابية إلى الشباب كقوة لصناعة القرار

تؤكد الأدبيات الدولية المتعلقة بالمشاركة السياسية للشباب أن الأجيال الشابة قد تكون حاضرة بقوة في أشكال المشاركة غير الرسمية، مثل العمل المدني والنشاط المجتمعي والمبادرات المطلبية، في الوقت الذي تظل فيه مشاركتها محدودة في المؤسسات السياسية الرسمية. وقد اعتبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن ضعف التمثيل السياسي للشباب يمكن أن يؤثر في جودة الحكامة الديمقراطية.

وهنا يجب طرح سؤال جوهري:

هل تريد المؤسسات السياسية من الشباب أن يكونوا مواطنين فاعلين، أم تريد منهم فقط أن يكونوا كتلة انتخابية في موسم الانتخابات؟

فالشباب لا ينبغي أن يُستدعى فقط خلال الحملات الانتخابية، ولا أن يتحول إلى جمهور للصور والخطابات والوعود، ثم يعود إلى الهامش بعد انتهاء الاقتراع.

المشاركة الحقيقية تعني أن يكون للشباب موقع في صياغة البرامج، وإنتاج الأفكار، وتحمل المسؤوليات التنظيمية، والمشاركة في صناعة القرار، والترشح للمؤسسات المنتخبة، ومراقبة الأداء العمومي ومساءلة المسؤولين.

أزمة أخرى: عندما تتحول المسؤولية السياسية إلى إقامة دائمة

إن الديمقراطية لا تعني فقط إجراء الانتخابات، وإنما تعني أيضاً التداول على المسؤوليات، وتجديد النخب، وفتح المجال أمام الكفاءات الجديدة.

ومن هنا تبرز إشكالية استمرار بعض الوجوه السياسية لفترات طويلة داخل مواقع المسؤولية، سواء في المؤسسات المنتخبة أو داخل التنظيمات الحزبية.

فالمشكلة ليست في تقدم السياسي في السن بحد ذاته؛ فالخبرة السياسية قيمة مهمة، ولا ينبغي تحويل العمر إلى معيار للإقصاء. لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول الخبرة إلى احتكار دائم للمواقع، ويصبح انتقال المسؤولية إلى جيل جديد أمراً مؤجلاً باستمرار.

إن التداول بين الأجيال لا يعني إقصاء الكبار، كما أن تمكين الشباب لا يعني منح المسؤولية لمجرد صغر السن.

المطلوب هو الجمع بين الخبرة والكفاءة والتجديد.

فالشباب يحتاج إلى فرصة، لكن الفرصة ينبغي أن تكون مرتبطة بالكفاءة والنزاهة والقدرة على تحمل المسؤولية.

لماذا ينفر الشباب من الأحزاب؟

قد نجد شاباً ناشطاً في المجتمع المدني، أو في العمل الثقافي، أو في المبادرات الاجتماعية، أو في المجال الرقمي، لكنه لا يجد نفسه داخل حزب سياسي.

وهنا ينبغي على الأحزاب أن تسأل نفسها:

هل خطابها قريب من لغة الشباب؟

هل تقدم له مساحة حقيقية لصناعة القرار؟

هل تفتح أمامه الطريق نحو المسؤولية؟

هل تستمع إلى مشكلاته المتعلقة بالتعليم والشغل والسكن والعدالة الاجتماعية والاقتصاد الرقمي؟

أم أنها لا تتذكره إلا عندما تقترب الانتخابات؟

إن استمرار الفجوة بين الشباب والأحزاب يمكن أن يؤدي إلى نتيجة خطيرة: شباب حاضر بقوة في المجتمع، لكنه غائب نسبياً عن المؤسسات السياسية.

الشباب ليس «وقوداً انتخابياً»

إن وصف الشباب بأنه «وقود انتخابي» يحمل دلالة سياسية قوية، لأنه يشير إلى الفرق بين استعمال الشباب كوسيلة للوصول إلى السلطة وبين تمكين الشباب ليكون شريكاً في ممارسة السلطة وصناعة السياسات العامة.

فالعملية الديمقراطية لا تكتمل بمجرد أن يدلي الشاب بصوته؛ بل تكتمل عندما يشعر أن صوته له قيمة، وأن بإمكانه أن يصبح هو أيضاً فاعلاً في صناعة القرار.

ومن هنا فإن مواجهة العزوف لا تكون فقط بدعوة الشباب إلى صناديق الاقتراع، وإنما بإعادة النظر في العلاقة السياسية معه.

كوفي عنان: الديمقراطية عملية تتجدد عبر الأجيال

كان الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان يؤكد أن المواطن الصالح والديمقراطي لا يولد مكتمل التكوين، وأن المواطنة والديمقراطية مساران يتطوران عبر الحياة، محذراً من أن المجتمع الذي يعزل نفسه عن شبابه يعزل نفسه عن أحد مصادر حيويته. وقد وثقت الأمم المتحدة هذا التصور في موادها المتعلقة بمشاركة الشباب.

كما دعا عنان الشباب إلى الانخراط في الشأن العام والسياسة، مؤكداً أن المشاركة المدنية الواعية لا ينبغي أن تُترك للآخرين وحدهم.

أما بان كي مون، فقد شدد خلال فترة توليه منصب الأمين العام للأمم المتحدة على أهمية الاستماع إلى أصوات الشباب وإدماج احتياجاتهم ومخاوفهم في عملية صنع القرار، مؤكداً أن طاقة الشباب ومبادراتهم يمكن أن تسهم في معالجة قضايا السلام والتنمية وحقوق الإنسان.

السؤال الذي لا يمكن تأجيله

إن السؤال الحقيقي اليوم ليس:

لماذا يعزف الشباب عن السياسة فقط؟

بل يجب أن يكون:

ما الذي جعل جزءاً من الشباب يعتقد أن السياسة لا تحتاجه إلا يوم الاقتراع؟

وهل تستطيع الأحزاب السياسية أن تنتقل من منطق استقطاب الشباب انتخابياً إلى منطق تمكين الشباب سياسياً؟

وهل تستطيع النخب السياسية أن تؤمن بأن التداول بين الأجيال ليس تهديداً للخبرة، بل وسيلة لتجديد الحياة السياسية؟

ثم، في المقابل، هل يستطيع الشباب نفسه أن ينتقل من موقع المتفرج والناقد إلى موقع المواطن الفاعل، وأن يسجل في اللوائح الانتخابية، ويصوت، ويناقش البرامج، وينخرط في المجتمع المدني، ويشارك في الأحزاب، ويترشح، ويمارس حقه في المساءلة؟

إن الديمقراطية لا تُبنى بالشباب وحده، ولا بالنخب وحدها؛ وإنما تُبنى عندما يلتقي جيل يملك الخبرة مع جيل يملك الطاقة والأفكار الجديدة.

الشباب المغربي ليس بالضرورة ضد السياسة، لكنه يطرح أسئلة جديدة حول جدوى المشاركة، ومصداقية الخطاب، وتجديد النخب، وعدالة توزيع الفرص، ومدى قدرة المؤسسات على تحويل المطالب إلى سياسات عمومية.

ولهذا فإن معالجة العزوف لا تبدأ باتهام الشباب باللامبالاة، كما لا تبدأ بإلقاء المسؤولية كاملة على السياسيين؛ بل تبدأ بفهم أسباب الفجوة بين الطرفين.

فإذا كان المطلوب من الشاب أن يسجل في اللوائح، وأن يصوت، وأن يشارك، وأن يتحمل المسؤولية، فمن حقه أيضاً أن يسأل:

ماذا ستقدم لي السياسة؟ وما مكاني فيها؟ وهل سأكون شريكاً في صناعة المستقبل، أم مجرد رقم إضافي في حسابات الانتخابات؟

وهنا تحديداً تتحدد إحدى أهم رهانات الديمقراطية المغربية:

هل سيبقى الشباب جمهوراً انتخابياً، أم سيصبح شريكاً فعلياً في صناعة القرار؟.

الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026

أسامة باريك...: نموذج للشاب المغربي الطموح

 

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

في زمن أصبحت فيه مواقع التواصل الاجتماعي فضاءً لصناعة الرأي والتعبير عن هموم المجتمع، برز اسم شاب مغربي استطاع أن يحول هاتفه وعدسته البسيطة إلى وسيلة للتعريف بقضايا منطقته والدفاع عن انشغالات سكانها. إنه أسامة باريك، واسمه الحقيقي عبد العزيز باريك، ابن منطقة إملشيل بإقليم ميدلت، الذي أصبح خلال السنوات الأخيرة واحدًا من الوجوه الشابة التي لفتت الانتباه في المشهد المغربي.
من جبال إملشيل بدأت الحكاية
وُلد عبد العزيز باريك في 15 ماي 1998، ونشأ في بيئة جبلية ارتبطت حياته اليومية فيها بتحديات المنطقة القروية والجبلية. وتذكر مصادر صحفية أن طفولته ارتبطت أيضًا بصعوبة الوصول إلى المدرسة، حيث كان يقطع مسافات طويلة سيرًا على الأقدام، وهي تجربة ساهمت في تشكيل وعيه المبكر بواقع سكان المناطق الجبلية.
ولعل هذه التجربة الشخصية تفسر جانبًا من اهتمامه لاحقًا بملفات التعليم والطرق وفك العزلة والخدمات الأساسية؛ فالقضايا التي كان يتحدث عنها عبر مواقع التواصل لم تكن بالنسبة إليه مجرد عناوين إعلامية، وإنما جزءًا من واقع عاشه وشاهده عن قرب.
الجغرافيا التي تحولت إلى رسالة
تابع أسامة باريك دراسته الجامعية في شعبة الجغرافيا، وهو تخصص يبدو منسجمًا مع اهتمامه بالمجال والإنسان والفوارق بين المناطق. وبعد ذلك، اختار أن يستثمر وسائل التواصل الاجتماعي للتعبير عن قضايا المناطق القروية والجبلية، وخاصة بإملشيل ومحيطها.
ومن خلال مقاطع الفيديو والمنشورات، تناول عددًا من الملفات التي تهم السكان، من صعوبة المسالك والطرق إلى مشاكل الصحة والتعليم والخدمات الأساسية، إضافة إلى قضايا التنمية وفك العزلة عن المناطق الجبلية.
وهكذا لم تعد صفحته مجرد مساحة للتواصل، بل أصبحت بالنسبة إليه نافذة يطل من خلالها على واقع منطقة ظل يعتبرها جزءًا أساسيًا من هويته ورسالة حضوره.
من الهاتف إلى الفضاء العام
المثير في تجربة أسامة باريك أن بدايته لم تكن من داخل المؤسسات السياسية التقليدية، بل من الفضاء الرقمي. فقد بنى حضوره تدريجيًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، قبل أن ينتقل إلى خوض تجربة سياسية مباشرة خلال الانتخابات التشريعية لسنة 2026.
وفي يونيو 2026 أعلن عزمه الترشح، موضحًا أن دخوله المجال السياسي مرتبط برغبته في الترافع عن قضايا سكان المنطقة، خصوصًا المناطق الجبلية وما تواجهه من تحديات في الماء والكهرباء والطرق وفرص الشغل والخدمات الأساسية.
وخاض الانتخابات باسم حزب الوحدة والديمقراطية، قبل أن يتمكن من الوصول إلى مجلس النواب عن دائرة ميدلت، في انتقال لافت من صناعة المحتوى إلى العمل المؤسساتي.
شاب اختار أن يبدأ من الواقع
بعيدًا عن النتائج الانتخابية والحسابات السياسية، تكمن أهمية تجربة أسامة باريك في مسارها الإنساني والاجتماعي: شاب من منطقة جبلية، حمل قضايا بيئته المحلية إلى الفضاء الرقمي، واستطاع أن يحول حضوره هناك إلى تجربة سياسية ومؤسساتية.
وهذه التجربة تطرح سؤالًا مهمًا حول علاقة الشباب المغربي بالشأن العام: هل يمكن للشاب الذي لا ينتمي إلى النخب التقليدية أن يصنع لنفسه طريقًا جديدًا؟ تجربة باريك تقدم حالة واقعية تستحق الدراسة، لأنها تُظهر كيف يمكن للتكوين الجامعي، والعمل الرقمي، والقرب من المجتمع المحلي أن تتقاطع في مسار واحد.
الطموح لا يعترف دائمًا بالمسافات
قصة أسامة باريك تحمل أيضًا رسالة إلى الشباب المغربي في المدن والقرى والمناطق الجبلية: المسافة عن مراكز القرار لا تعني بالضرورة البعد عن صناعة المستقبل.
فالشاب الذي ينطلق من منطقة جبلية، ويواجه تحدياتها، يمكنه أن يجعل من تجربته الشخصية مصدرًا لفهم أعمق للمجتمع. وقد يكون الهاتف الذي يحمله في يده وسيلة للتواصل، وقد تتحول الكلمة التي يقولها إلى قضية عامة، وقد يصبح الحضور الرقمي بابًا إلى فضاءات جديدة.
لكن الوصول إلى المؤسسات ليس نهاية الطريق، بل بداية مرحلة أخرى أكثر مسؤولية؛ فالتحدي الحقيقي لأي شاب يصل إلى موقع المسؤولية هو تحويل الطموح إلى عمل، والحضور إلى إنجاز، والوعود إلى نتائج ملموسة يستفيد منها المواطن.
أسامة باريك.. نموذج يستحق التوقف عنده
إن الحديث عن أسامة باريك لا ينبغي أن يكون فقط حديثًا عن شاب فاز بمقعد برلماني، بل عن مسار شاب مغربي بدأ من بيئته المحلية، واستثمر وسائل العصر، ووصل إلى المؤسسة التشريعية.
وقد تختلف الآراء حول تجربته أو حول العمل السياسي عمومًا، لكن مساره الشخصي يظل مثالًا على أن الشباب المغربي قادر على البحث عن طرق جديدة للتعبير والمشاركة في الشأن العام.
ومن جبال إملشيل إلى قبة البرلمان، تختصر تجربة أسامة باريك حكاية شاب اختار أن يبدأ من حيث يوجد، وأن يتحدث عن المكان الذي يعرفه، وأن يجعل من طموحه الشخصي جزءًا من مسار عام.
إنها قصة شاب مغربي طموح، بدأت بعدسة هاتف، ومرت عبر مواقع التواصل، وانتهت إلى المؤسسة التشريعية؛ أما المستقبل، فسيكون وحده قادرًا على إظهار ما إذا كان هذا الانتقال سيشكل بداية لمسار أطول في خدمة المنطقة والوطن.

الأحد، 27 سبتمبر 2026

«شباب مراكش يقول كلمته: زمن شراء الأصوات يجب أن يفسح المجال للكفاءة والنزاهة والمسؤولية»

 

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

في أعقاب الاستحقاقات البرلمانية الأخيرة، وما رافقها، وفق شهادات متداولة بين عدد من أبناء المنطقة، من مظاهر اعتبرها بعض السكان مضايقات واستهزاءً بمطالبهم وانتظاراتهم، يبرز اليوم سؤال أعمق من مجرد نتائج انتخابية: كيف يمكن تحويل التجربة الانتخابية إلى محطة لترسيخ الوعي والمسؤولية والمشاركة المواطنة؟

في مدينة مراكش كما في عدد من المناطق المحيطة بمراكش مثل : دوار الكدية اكيوض الحي العسكري الداوديات وعددا من مناطق مراكش المدينة والمجاورة ، يبدو أن فئة من الشباب والساكنة أصبحت أكثر اهتماماً بأن يكون صوتها الانتخابي تعبيراً حراً عن إرادتها، وليس مجرد نتيجة لتأثير المال أو العلاقات الشخصية أو الحسابات الانتخابية الضيقة.

وهنا تبرز أهمية الانتخابات الجماعية المقبلة باعتبارها استحقاقاً يرتبط مباشرة بالحياة اليومية للمواطن: الطرق، الإنارة، النظافة، النقل، البنيات التحتية، الخدمات الاجتماعية، فرص الشباب، وتنمية المجال القروي والحضري.

المال الانتخابي أم معيار الكفاءة؟

إن النقاش حول المال في الانتخابات لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد اتهامات متبادلة، بل إلى قضية مؤسساتية ومجتمعية تستحق النقاش الجاد. فالمطلوب، من منظور المواطنة الديمقراطية، أن يكون اختيار الناخب مبنياً على معايير واضحة، من بينها النزاهة، الكفاءة، القدرة على التواصل، المعرفة بمشاكل المنطقة، والاستعداد لتحمل المسؤولية والمحاسبة.

فالتمثيلية المحلية ليست امتيازاً شخصياً، وإنما مسؤولية عمومية. ومن ثم فإن المرشح الذي يسعى إلى تمثيل الساكنة مطالب بأن يقدم تصوراً واضحاً لما يريد إنجازه، وأن يخضع بعد ذلك لتقييم المواطنين على أساس العمل والنتائج.

الشباب أمام مسؤولية تاريخية

إن حضور الشباب في النقاش العمومي لا ينبغي أن يقتصر على أيام الحملات الانتخابية. فالشباب يشكل جزءاً أساسياً من المجتمع، ومن حقه أن يشارك في صياغة الأولويات المحلية وأن يناقش البرامج والبدائل وأن يطالب المنتخبين بالشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.

ومن هذا المنطلق، فإن الدعوة إلى لقاءات مباشرة بين الساكنة والفاعلين والمسؤولين المحليين يمكن أن تشكل فرصة للحوار حول مستقبل مدينة مراكش ، بعيداً عن التشنج والتجاذبات الشخصية.

مراكش تحتاج إلى قرار نابع من إرادة سكانها

إن مراكش ليست مجرد مجال انتخابي، وإنما مدينة لها طاقات بشرية وشبابية وكفاءات قادرة على المساهمة في تدبير الشأن العام.

ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي في الاستحقاقات الجماعية المقبلة لا ينبغي أن يكون فقط حول من سيفوز بالمقعد او من يتوفر على المال ، وإنما حول طبيعة الاختيار نفسه: هل سيكون الناخب قادراً على اختيار من يراه مناسباً بناءً على البرنامج والكفاءة والسجل العملي، أم ستظل عوامل أخرى مؤثرة في القرار الانتخابي؟

إن احترام إرادة الناخب يبدأ باحترام وعيه، واحترام المواطن يبدأ باعتباره شريكاً في صناعة القرار، لا مجرد صوت انتخابي يُستدعى عند الحاجة.

من ذاكرة الانتخابات البرلمانية إلى درس المستقبل

وإذا كانت بعض ممارسات المرحلة الانتخابية البرلمانية الأخيرة قد خلفت، لدى جزء من الساكنة، شعوراً بالاستياء أو عدم الرضا، فإن الأهم اليوم هو تحويل تلك التجربة إلى درس ديمقراطي، لا إلى خصومة دائمة.

فالانتخابات تنتهي، لكن المؤسسات تستمر، والمواطن يبقى في حاجة إلى من يدافع عن مصالحه ويستمع إلى مطالبه.

لذلك، فإن الرسالة التي يمكن أن يحملها سكان وشباب مدينة مراكش إلى الاستحقاقات المقبلة هي رسالة واضحة: الاختيار مسؤولية، والصوت أمانة، والتمثيلية تكليف وليست تشريفاً.

والمطلوب في النهاية ليس مرشحاً يملك المال، ولا مرشحاً يملك العلاقات فقط، وإنما ممثل يستطيع أن يقنع المواطن ببرنامجه، ويكسب ثقته بعمله، ويحافظ على هذه الثقة بالشفافية والمساءلة.

فالديمقراطية المحلية لا تُبنى بالشكارة، وإنما تُبنى بالوعي، والكفاءة، والنزاهة، والمشاركة والمسؤولية.

الأربعاء، 23 سبتمبر 2026

«طولانطي».. حين تتحول الموهبة من لغة إلى أخرى

 

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

موضوع ثقافي حول رحلة كلمة «طولانطي» في اللسان المغربي .
تتميز الدارجة المغربية بقدرتها اللافتة على استيعاب الكلمات القادمة من لغات وثقافات مختلفة، ثم إعادة تشكيلها بما يتلاءم مع النطق المغربي والاستعمال اليومي. ومن بين الكلمات التي أصبحت مألوفة في الحديث اليومي كلمة «طولانطي»، التي تُستعمل في المغرب لوصف شخص يتمتع بموهبة أو براعة واضحة في مجال معين.
فنسمع المغربي يقول: «فلان طولانطي»، أي أن لديه موهبة، أو أنه بارع ومتميز، سواء في الفن أو الرياضة أو الموسيقى أو الحرفة أو حتى في طريقة تعامله مع الناس.
من أين جاءت «طولانطي»؟
يربط كثير من المتحدثين كلمة «طولانطي» بالمفردات الفرنسية talent وtalentueux / talentueuse، وهي مفردات مرتبطة بفكرة الموهبة والقدرة المتميزة.
غير أن انتقال الكلمة إلى الدارجة المغربية لم يكن بالضرورة نقلاً حرفياً للكلمة الفرنسية، بل خضعت، مثل كثير من الألفاظ الأجنبية التي دخلت إلى الدارجة، إلى التكييف الصوتي والصرفي المغربي.
وهنا تظهر إحدى الخصائص المهمة للدارجة: فهي لا تستقبل الكلمة الأجنبية كما هي دائماً، وإنما تعيد صياغتها حتى تصبح سهلة التداول على لسان المتحدث.
وهكذا أصبحت «طولانطي» في الاستعمال الشعبي المغربي تحمل معنى قريباً من:
موهوب – بارع – متميز – صاحب قدرات – عنده موهبة.
الدارجة المغربية.. لغة تتفاعل ولا تعيش في عزلة
لا يمكن فهم ظاهرة «طولانطي» بعيداً عن التاريخ اللغوي والاجتماعي للمغرب.
فالدارجة المغربية تشكلت عبر قرون من التفاعل بين العربية والأمازيغية، إضافة إلى تأثيرات أندلسية وإفريقية، ثم احتكاك طويل بلغات أوروبية، وفي مقدمتها الفرنسية والإسبانية.
ولهذا نجد في الكلام المغربي اليومي عدداً كبيراً من الكلمات ذات الأصول الأجنبية، خصوصاً في مجالات الإدارة والتعليم والتجارة والصناعة والتكنولوجيا والحياة المدنية.
ومن أمثلة ذلك كلمات مثل:
«بوسطا»، و**«طونوبيل»، و«گاراج»، و«فران»، و«صاك»**، وغيرها من الألفاظ التي أصبحت جزءاً من التداول اليومي عند فئات واسعة من المغاربة.
وهذا لا يعني أن المتحدث المغربي يتخلى عن العربية أو الأمازيغية، وإنما يعكس طبيعة اللغة الحية التي تتأثر بالاحتكاك بين المجتمعات.
عندما يصبح اللفظ الأجنبي مغربياً
اللافت في كلمة «طولانطي» ليس فقط مصدرها المحتمل، وإنما الطريقة التي تمغْربت بها داخل الاستعمال الشعبي.
فالمغربي لا ينطقها بالضرورة وفق النطق الفرنسي الأصلي، بل يمنحها إيقاعاً صوتياً يتناسب مع منظومته اللغوية.
وهذه العملية تعرف في الدراسات اللغوية بمفاهيم مثل الاقتراض اللغوي والتكييف الصوتي؛ أي أن لغة ما تستعير لفظاً من لغة أخرى، ثم تجعله أكثر انسجاماً مع قواعد النطق والاستعمال لديها.
وبمرور الزمن قد يفقد المتحدث إحساسه بأن الكلمة أجنبية أصلاً، فيتعامل معها باعتبارها جزءاً طبيعياً من لغته اليومية.
«طولانطي» ليست دائماً مرتبطة بالفن
قد يتبادر إلى الذهن عندما نقول «طولانطي» أن المقصود هو المغني أو الممثل أو لاعب كرة القدم.
لكن الاستعمال المغربي أوسع من ذلك بكثير.
فقد يقال:
«هذا السيد طولانطي في التجارة»
أو:
«فلانة طولانطية في الطبخ»
أو:
«عندو يد طولانطية في الصناعة التقليدية»
أي أن الموهبة يمكن أن تظهر في أي مجال، سواء كان ميداناً فنياً أو علمياً أو مهنياً أو حتى حرفة يدوية.
وهنا تتحول الكلمة من مجرد وصف إلى اعتراف اجتماعي بوجود قدرة استثنائية لدى شخص ما.
بين «الموهبة» و«البراعة»
هناك فرق دلالي لطيف بين «الموهبة» و«البراعة».
فالموهبة تشير غالباً إلى استعداد أو قدرة متميزة لدى الإنسان، بينما ترتبط البراعة بما يظهر من إتقان ومهارة في الممارسة.
أما «طولانطي» في الاستعمال الشعبي المغربي فقد تجمع بين المعنيين معاً؛ فقد يكون الشخص موهوباً بالفطرة، ثم يطور موهبته بالتدريب والخبرة حتى يصبح بارعاً.
ومن هنا يمكن القول إن الموهبة وحدها لا تكفي دائماً لصناعة الإنسان المتميز؛ فالقدرة تحتاج إلى صقل وتكوين وممارسة.
لماذا تستحق كلمة عامية مثل «طولانطي» الدراسة؟
لأن اللغة ليست مجرد قاموس من الكلمات، وإنما هي ذاكرة المجتمع.
كل كلمة تدخل إلى التداول تحمل معها جزءاً من تاريخ العلاقات بين الناس والثقافات والمجتمعات.
وكلمة «طولانطي» تقدم مثالاً بسيطاً على الطريقة التي تتفاعل بها اللغات داخل المجتمع المغربي، وكيف يمكن للفظ أجنبي أن يعبر الحدود، ثم يدخل إلى الحياة اليومية، ويأخذ شكلاً جديداً ومعنى تداولياً خاصاً.
ومن هنا فإن دراسة ألفاظ الدارجة المغربية ليست مسألة ترف لغوي، بل يمكن أن تساعد في فهم التاريخ الاجتماعي والثقافي للمغاربة.
هل «طولانطي» كلمة مغربية؟
من الناحية العلمية، من الأفضل التفريق بين أصل الكلمة وانتمائها إلى الاستعمال المغربي.
فإذا كان أصلها مرتبطاً فعلاً بالمفردات الفرنسية المتعلقة بالموهبة، فهذا لا يمنع أن تكون قد أصبحت جزءاً من المعجم المتداول في الدارجة المغربية.
فاللغة لا تقاس فقط بجواز السفر الذي جاءت منه الكلمة، وإنما أيضاً بالطريقة التي يستعملها بها أهلها.
وهكذا يمكن أن تكون الكلمة ذات أصل أجنبي، لكنها مغربية الاستعمال، شأنها شأن عدد كبير من الألفاظ التي استقرت في الدارجة.
وفي الختام: كلمة صغيرة.. وحكاية مجتمع
قد تبدو «طولانطي» مجرد كلمة عابرة تُقال في حديث يومي، لكنها في الحقيقة تختصر قصة أكبر: قصة لغة مغربية مفتوحة على محيطها، تستقبل الكلمات، وتعيد تشكيلها، ثم تمنحها حياة جديدة داخل المجتمع.
ومن «طولانطي» يمكن أن نصل إلى سؤال أوسع:
كم من الكلمات التي نستعملها يومياً أصبحت مغربية في ألسنتنا، رغم أن جذورها جاءت من لغات أخرى؟
إن البحث في هذه الكلمات، وتتبع مساراتها وتحولاتها، يمكن أن يفتح باباً مهماً أمام الباحثين في اللسانيات والسوسيولوجيا والأنثروبولوجيا الثقافية لفهم العلاقة بين اللغة والهوية والذاكرة والتفاعل الحضاري في المجتمع المغربي.
فالكلمة ليست مجرد صوت يُنطق، بل قد تكون وثيقة صغيرة تختزن تاريخاً كبيراً.

الاثنين، 21 سبتمبر 2026

عندما يُحذف صوت الحقيقة في ظل الحملات الانتخابية

 

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

منابر إعلامية أم أبواق انتخابية؟
عندما يُحذف صوت الحقيقة
في زمن الانتخابات، لا تُقاس قوة الإعلام بعدد المنشورات التي ينشرها، ولا بعدد المرشحين الذين يروّج لهم، وإنما بقدرته على طرح الأسئلة الصعبة، ونقل الوقائع كما هي، وفتح المجال أمام الرأي والرأي الآخر.
لكن ماذا يحدث عندما يتحول منبر يفترض فيه أن يكون مساحة للإخبار والنقاش إلى منصة تُلمّع صورة مرشح، وتفتح أبوابها أمام رواية واحدة، ثم تغلقها في وجه كل تعليق ينتقد أو يصحح أو يناقش؟
هنا يصبح السؤال مشروعاً:
هل نحن أمام منبر إعلامي، أم أمام بوق انتخابي؟
عندما يصبح الحذف أسلوباً تحريرياً
من حق أي وسيلة إعلامية أن تضع قواعد للتعليقات، وأن تحذف السب والقذف والتشهير وخطاب الكراهية وكل محتوى مخالف للقانون.
لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح معيار الحذف هو الاختلاف في الرأي، بينما تظل التعليقات التي تمدح المرشح أو تخدم صورته دون مساس.
فإذا كان التعليق المسيء يُحذف، فهذا مفهوم.
أما أن يُحذف التعليق فقط لأنه ينتقد معطى انتخابياً أو يطرح سؤالاً محرجاً أو يقدم رواية مختلفة، فهنا نكون أمام إشكال يتجاوز إدارة صفحة إلكترونية إلى سؤال أكبر يتعلق بأخلاقيات الممارسة الإعلامية.
الإعلام ليس مكتباً للدعاية
الصحافة ليست مطالبة بأن تكون محايدة بمعنى أن تتخلى عن حقها في الاختيار التحريري، لكنها مطالبة مهنياً بالتمييز بين الخبر والرأي والدعاية.
وفي السياق الانتخابي المغربي الحالي، تؤكد الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري أن حق المواطن في الخبر يرتبط بمبادئ التعددية والتوازن والنزاهة والموضوعية، كما تشدد على محاربة الأخبار الزائفة التي يمكن أن تؤثر في سلامة المعلومة الانتخابية أو في قدرة المواطن على الاختيار الحر.
بل إن الهيئة ذكّرت المتعهدين بضرورة التمييز بين الخبر والتعليق، واحترام الحياد التحريري وعدم إخراج تصريحات الفاعلين السياسيين من سياقها.
وهذه المبادئ تطرح سؤالاً لا يمكن تجاهله:
إذا كان المواطن لا يستطيع حتى مناقشة الخبر المنشور، فكيف يمكن الحديث عن نقاش انتخابي صحي؟
الناخب ليس جمهوراً للتصفيق
الناخب المغربي اليوم ليس مجرد رقم في لائحة انتخابية، ولا مجرد متلقٍ لمنشورات دعائية.
إنه مواطن يريد أن يعرف:
من هو المرشح؟
ماذا قدم؟
ماذا يقول؟
ماذا فعل سابقاً؟
ما برنامجه؟
ومن يملك الدليل على ما يقوله؟
وهنا تحديداً تظهر أهمية الإعلام.
فالمنبر الإعلامي الحقيقي لا يخاف من السؤال، ولا يعتبر النقد عداءً، ولا يرى في التصحيح تهديداً.
بل إن قوة الإعلام تُقاس أحياناً بقدرته على نشر ما لا يرضي صاحبه، عندما يكون ذلك ضرورياً لخدمة الحقيقة والمصلحة العامة.
من يملك الصفحة لا يملك الحقيقة
امتلاك صحيفة أو موقع أو صفحة على وسائل التواصل الاجتماعي لا يمنح صاحبها حق امتلاك الحقيقة.
وكذلك فإن امتلاك عدد كبير من المتابعين لا يحول الرواية المنشورة إلى حقيقة نهائية.
الحقيقة الانتخابية لا تُصنع بالصور اللامعة، ولا بالعناوين الرنانة، ولا بكثرة الإعجابات.
الحقيقة تحتاج إلى وثيقة، ومعلومة، ومصدر، ومقارنة، ونقاش مفتوح.
أما عندما تُنشر رواية واحدة، ثم تُغلق التعليقات أمام كل من يخالفها، فإن المتلقي لا يحصل على إعلام كامل، وإنما يحصل على نسخة واحدة من القصة.
الخطر الأكبر: صناعة صورة انتخابية مصطنعة
الأخطر من حذف تعليق هنا أو هناك هو أن تتراكم الممارسات الصغيرة لتصنع صورة انتخابية كاملة:
مرشح يُقدَّم باستمرار بصورة إيجابية؛
أخباره تحظى بالانتشار؛
أنشطته تُغطى بكثافة؛
الانتقادات تُحذف؛
الأسئلة المزعجة تُهمَّش؛
ثم يُقال للناخب: هذه هي الحقيقة!
وهنا يصبح الإعلام، من حيث يدري أو لا يدري، طرفاً في صناعة الانطباع الانتخابي.
ولهذا جاءت القواعد التنظيمية الحالية لتشدد على التعددية، وعلى مكافحة التضليل، وعلى تمكين الجمهور من تكوين رأي حر وممارسة التصويت عن بينة ودراية.
لا أحد فوق النقد… ولا أحد فوق القانون
النقد السياسي ليس جريمة.
والاختلاف ليس تشهيراً.
والسؤال ليس إساءة.
والتصحيح ليس عداءً.
وفي المقابل، لا ينبغي أن تتحول حرية التعليق إلى سب أو قذف أو نشر ادعاءات بلا دليل.
المعادلة واضحة:
حرية الإعلام + مسؤولية مهنية + حق المواطن في المعرفة + احترام القانون.
أما تحويل المنبر إلى مساحة مغلقة لا يسمع فيها المواطن إلا صوتاً واحداً، فذلك يفرغ النقاش العمومي من جزء أساسي من معناه.
كلمة أخيرة
في الانتخابات، لا يحتاج المواطن إلى من يقول له من يختار، وإنما يحتاج إلى إعلام يساعده على معرفة ماذا يختار ولماذا.
لا نريد إعلاماً يصفق لهذا المرشح أو ذاك.
ولا نريد إعلاماً يتحول إلى خصم سياسي.
نريد إعلاماً يسأل، ويدقق، ويقارن، وينشر، ويتيح الرد، ويحترم عقل المواطن.
لأن أخطر شيء في المعركة الانتخابية ليس أن يختلف الناس حول المرشحين، وإنما أن يُحرموا من المعلومات التي تمكنهم من الاختلاف على أساس الحقيقة.
وفي النهاية يبقى السؤال مفتوحاً أمام كل منبر إعلامي:
هل أنت منبر ينقل الحقيقة مهما كانت مزعجة… أم منصة انتخابية لا تسمح إلا للصوت الذي يخدم مرشحاً بعينه؟
فإذا كان حذف التعليقات يتم لحماية القانون من السب والتشهير، فذلك حق مشروع.
أما إذا أصبح الحذف وسيلة لإسكات النقد وحماية صورة انتخابية معينة، فهنا لا بد من التوقف والسؤال:
متى ينتهي الإعلام… وتبدأ الدعاية؟

السبت، 19 سبتمبر 2026

حين يتحول الاختلاف السياسي إلى انتقاص من نضال الشباب

 

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

لم تعد السياسة اليوم مجرد تنافس على المواقع والتمثيلية الانتخابية، بل أصبحت قبل كل شيء اختبارًا للأخلاق السياسية، ولقدرة الفاعلين على احترام الاختلاف، والإنصات إلى أصوات جديدة تحاول أن تجد لها مكانًا في المشهد العام.

ومن هذا المنطلق، يطرح الجدل المرتبط بالتصريحات المنسوبة إلى الأستاذة نبيلة منيب تجاه الشاب أسامة باريك، مرشح وممثل لائحة حزب الوحدة والديمقراطية بدائرة ميدلت، سؤالًا أوسع من مجرد سجال عابر بين شخصين: هل أصبحت بعض الأصوات الشبابية، القادمة من الهامش والمناطق الجبلية، تواجه بالاستخفاف بدل الاحتضان والتشجيع؟

أسامة باريك، وفق الصورة التي يقدمها عنه مؤيدوه، ليس مجرد اسم انتخابي عابر، بل شاب اختار دخول المجال السياسي من بيئة اجتماعية وجغرافية صعبة، وحاول أن ينقل مطالب الساكنة الجبلية، خصوصًا بمنطقة إميلشيل، إلى المجال العام.

وهنا تكمن أهمية المسألة؛ فالشباب الذين يأتون من القرى والجبال والمناطق البعيدة عن مراكز القرار السياسي يحتاجون إلى أن يُنظر إليهم باعتبارهم جزءًا من الحقل السياسي الوطني، لا باعتبارهم أصواتًا هامشية أو تجارب لا تستحق الاهتمام.

الخلاف السياسي لا يبرر إهانة الأشخاص

الاختلاف في السياسة أمر طبيعي، بل هو جوهر العملية الديمقراطية. ومن حق أي سياسي أن ينتقد خطاب منافسه، وأن يختلف مع مواقفه وبرنامجه وطريقة اشتغاله.

لكن الفاصل الأساسي هو بين نقد الفكرة وانتقاص قيمة صاحبها.

فحين يتحول النقاش من البرامج والمواقف إلى أوصاف شخصية جارحة، فإن الخاسر الحقيقي ليس هذا الطرف أو ذاك، وإنما صورة الممارسة السياسية نفسها.

والسياسة، مهما اشتدت فيها المنافسة، تحتاج إلى حد أدنى من الاحترام المتبادل، خصوصًا عندما يكون الطرف الآخر شابًا يخوض تجربته الأولى أو يحاول شق طريقه في فضاء سياسي شديد التنافس.

الشباب ليسوا مجرد أرقام انتخابية

من أكبر المفارقات في الخطاب السياسي المعاصر أن الجميع يتحدث عن ضرورة إشراك الشباب، وتجديد النخب، وتشجيع الكفاءات الجديدة، لكن الواقع السياسي يكشف أحيانًا عن مقاومة غير معلنة لكل صوت جديد يحاول الاقتراب من دائرة القرار.

الشاب الذي يأتي من الجبل، ويحمل هموم ساكنته، ويدخل الانتخابات بوسائله وإمكاناته، يستحق أن يُناقش سياسيًا، وأن يُحاسب على برنامجه ومواقفه، لا أن يُختزل في أوصاف تقلل من قيمته.

وإذا كان أسامة باريك قد نجح في الوصول إلى المواطنين والتعبير عن بعض مطالبهم، فإن ذلك بحد ذاته معطى سياسي واجتماعي يستحق الدراسة، بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معه.

المطلوب اعتذار أم توضيح؟

إذا كانت العبارات المتداولة قد نقلت فعلًا بالمعنى المنسوب إليها، فمن المسؤولية السياسية أن يتم توضيح السياق، وتحديد المقصود، وتجاوز أي إساءة شخصية إن ثبت وقوعها.

فالاعتذار في السياسة ليس ضعفًا، بل يمكن أن يكون تعبيرًا عن قوة المسؤولية الأخلاقية.

وفي المقابل، فإن الرد السياسي المسؤول على أي انتقاد لا يكون بالتصعيد الشخصي، وإنما بالحجة والوثيقة والبرنامج والعمل الميداني.

من الجبل إلى المؤسسات... صوت جديد يستحق أن يُسمع

المشهد السياسي المغربي في حاجة إلى فتح المجال أمام طاقات جديدة، خصوصًا من المناطق التي ظلت لسنوات تشكو من ضعف التمثيلية وغياب الإنصات الكافي لمطالبها.

والجبال المغربية ليست مجرد جغرافيا بعيدة عن مراكز المدن؛ إنها فضاء يعيش فيه مواطنون لهم مطالب وحقوق وانتظارات، ولهم كذلك الحق في أن يكون بينهم من يتحدث باسمهم ويشارك في صناعة القرار.

لذلك فإن القضية الحقيقية ليست أسامة باريك في مواجهة نبيلة منيب، وإنما سؤال أكبر: كيف نريد أن تكون علاقتنا بالجيل الجديد من الفاعلين السياسيين؟

هل نفتح أمامهم الباب للنقاش والمنافسة والتجربة، أم نطالبهم بالمشاركة ثم نواجههم عندما يقتحمون المجال السياسي؟

السياسة التي تحترم نفسها هي التي تستطيع أن تختلف دون أن تُهين، وأن تنتقد دون أن تُحقّر، وأن تنتصر بالحجة لا بالتجريح.

وفي نهاية المطاف، فإن صندوق الاقتراع، والبرامج، والعمل الميداني، وثقة المواطنين هي التي ينبغي أن تحسم التنافس السياسي، لا الأوصاف الشخصية ولا الحملات المتبادلة.

الجمعة، 18 سبتمبر 2026

بالصور : الأمم المتحدة والمغرب في مواجهة خطاب الكراهية وتعزيز التسامح بين الأديان والثقافات

 


بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!
نيويورك – في ظل عالم يشهد تنامي خطاب الكراهية وتزايد سرعة انتشار المحتوى عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية، باتت مواجهة هذه الظاهرة تتطلب مقاربات دولية تتجاوز الإجراءات التقليدية، وتقوم على تعزيز الحوار والتفاهم والاحترام المتبادل بين الشعوب والثقافات والأديان.
وفي هذا السياق، احتضنت مدينة نيويورك مؤتمراً عالمياً رفيع المستوى حول تعزيز الحوار والتسامح بين الأديان والثقافات في مواجهة خطاب الكراهية، بمبادرة مشتركة بين مكتب الأمم المتحدة المعني بمنع الإبادة الجماعية والمسؤولية عن الحماية، وتحالف الأمم المتحدة للحضارات، والمملكة المغربية.
وشكل المؤتمر مناسبة لبحث سبل التصدي لخطاب الكراهية، خصوصاً في ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي جعلت انتشار الرسائل والمواقف المحرضة على الكراهية أمراً يتم في دقائق، بل وفي لحظات، بما قد يساهم في تأجيج التوترات الاجتماعية والدينية والثقافية، وقد يصل في بعض الحالات إلى التحريض على العنف.
الحوار في مواجهة الكراهية
المشاركون في المؤتمر ناقشوا أهمية الاستثمار في الحوار بين الأديان والثقافات باعتباره إحدى الأدوات الأساسية للوقاية من التوترات والصراعات، وترسيخ قيم التسامح والتعايش والاحترام المتبادل.
كما سلط اللقاء الضوء على مسؤولية الحكومات والمنظمات الدولية والإقليمية والمؤسسات الدينية والأكاديمية والمجتمع المدني، إلى جانب الفاعلين في المجال الرقمي، في مواجهة المحتويات التي تحرض على الكراهية أو التمييز والعنف.
وجمع المؤتمر ممثلي عدد من الحكومات والمنظمات الإقليمية والدولية، إلى جانب قادة دينيين وأكاديميين وممثلي المجتمع المدني، فضلاً عن ممثلين عن المجتمعات اليهودية والمسيحية والمسلمة والهندوسية، في تأكيد على أهمية إشراك مختلف المكونات الدينية والثقافية في بناء جسور التفاهم.
الذكاء الاصطناعي.. تحدٍّ وفرصة
ويكتسب النقاش حول خطاب الكراهية أهمية إضافية في عصر الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح قادراً على إنتاج النصوص والصور والمقاطع الصوتية والمرئية ونشرها على نطاق واسع وبسرعة غير مسبوقة.


وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن للمجتمع الدولي أن يواجه خطاب الكراهية قبل أن يتحول من مجرد رسالة رقمية إلى سلوك يحرض على العنف؟
المقاربة المطروحة لا تقتصر على محاربة المحتوى الضار بعد انتشاره، وإنما تتطلب تعزيز التربية على المواطنة الرقمية، ونشر ثقافة الحوار، ودعم خطاب التسامح، وتشجيع الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا، مع احترام حرية التعبير والحقوق الأساسية.
المغرب وتعزيز ثقافة التعايش
وتأتي مشاركة المملكة المغربية في هذا المؤتمر في سياق اهتمامها بالحوار بين الثقافات والأديان وتعزيز قيم التعايش والاعتدال، فضلاً عن حضورها في المبادرات الدولية المرتبطة بالحوار الحضاري ومكافحة التطرف وخطاب الكراهية.
ويؤكد انعقاد هذا المؤتمر أن مواجهة الكراهية ليست مسؤولية جهة واحدة، بل هي مسؤولية جماعية تتطلب تعاون الدول والمؤسسات الدولية والدينية والأكاديمية والمجتمع المدني ووسائل الإعلام وشركات التكنولوجيا.
من خطاب الكراهية إلى خطاب السلام


وفي عالم أصبحت فيه المعلومة تعبر الحدود في ثوانٍ، لم يعد خطاب الكراهية قضية محلية أو مرتبطة بمجتمع بعينه، بل أصبح تحدياً عالمياً يمكن أن تكون له تداعيات اجتماعية وأمنية وإنسانية واسعة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من مجرد مواجهة خطاب الكراهية إلى بناء خطاب بديل يقوم على الحوار والاحترام والتسامح والسلام، بما يجعل الاختلاف بين الأديان والثقافات عاملاً للتعارف والتعاون، وليس سبباً للصراع والانقسام.
ويبقى الرهان الأكبر هو قدرة المجتمع الدولي على تحويل توصيات ومخرجات مثل هذه المؤتمرات إلى ممارسات وبرامج ملموسة، خصوصاً لدى الأجيال الشابة وفي الفضاء الرقمي، حتى لا تتحول التكنولوجيا من وسيلة للتواصل بين البشر إلى أداة لتوسيع دائرة الكراهية والتحريض.


الخميس، 17 سبتمبر 2026

جليز–النخيل.. ثلاثة مقاعد وسباق مفتوح بين وجوه سياسية جديدة

 

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

تدخل دائرة جليز–النخيل بمراكش مرحلة الحسم الانتخابي وسط منافسة سياسية لافتة، بعدما تحولت الدائرة إلى واحدة من أبرز ساحات التنافس على المقاعد البرلمانية الثلاثة المخصصة لها.

وبعيداً عن صخب الحشود، والملصقات، واللقاءات الانتخابية، تبرز أسئلة أكثر عمقاً حول طبيعة المنافسة: هل تحسم الانتخابات بقوة التنظيم الحزبي؟ أم بالحضور الشخصي للمرشح؟ أم بقدرته على الوصول إلى مختلف مكونات الخريطة الاجتماعية والانتخابية للدائرة؟

المعطيات المنشورة بعد إغلاق باب الترشيحات تشير إلى وجود ثمانية وكلاء لوائح محلية أمكن توثيق ترشيحهم، من بينهم محمد الصباري عن الأصالة والمعاصرة، فيصل الدرداري عن التجمع الوطني للأحرار، أنس الهواجي عن الاستقلال، محمد منير ورزازي عن العدالة والتنمية، ومولاي سليمان العمراني عن الحركة الشعبية، إلى جانب محمد العكرود عن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وإبراهيم بادسي عن التقدم والاشتراكية، ويونس الكواتي عن تحالف اليسار.

ستة أسماء في واجهة المشهد

ضمن الأسماء التي تحظى بحضور واضح في النقاش الانتخابي المحلي، يبرز النقيب مولاي سليمان العمراني، وكيل لائحة الحركة الشعبية، الذي دخل السباق من موقع مهني وقانوني معروف، وقد أودع ترشيحه رسمياً لخوض الانتخابات التشريعية.

وفي المقابل، يعود حزب العدالة والتنمية إلى المنافسة بالدائرة عبر المهندس محمد منير ورزازي، في محاولة لاستعادة حضور انتخابي فقده الحزب خلال الاستحقاق السابق، بعد أن كان قد حصل على مقعد بالدائرة سنة 2016.

أما محمد الصباري فيقود لائحة الأصالة والمعاصرة، بينما يمثل فيصل الدرداري حزب التجمع الوطني للأحرار، ويقود أنس الهواجي لائحة حزب الاستقلال، في حين يعرف المشهد أيضاً حضور الخـالدي عن الاتحاد الدستوري، وفق المعطيات المتداولة حول الدائرة.

وهكذا يبدو أن المعركة لا تدور فقط بين الأحزاب، وإنما أيضاً بين أسماء وشبكات انتخابية وأساليب مختلفة في التواصل مع الناخبين.

من الشارع إلى صندوق الاقتراع

قد تعطي الحملة الانتخابية انطباعاً بقوة مرشح أو حزب معين، لكن الحشود واللقاءات لا تمثل بالضرورة النتيجة النهائية.


فالدائرة تجمع بين أحياء حضرية ذات كثافة سكانية وطابع اجتماعي مختلف، ومناطق تعرف بدورها حضوراً انتخابياً مهماً. وهذا يجعل قراءة المشهد من خلال المهرجانات أو حجم الملصقات وحدها قراءة ناقصة.


كما أن التجربة الانتخابية السابقة تؤكد أن الخريطة الحزبية لجليز–النخيل قابلة للتغيير؛ فقد توزعت المقاعد الثلاثة سنة 2016 بين العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة والحركة الشعبية، بينما شهدت انتخابات 2021 تغيراً في تركيبة الفائزين وخروج حزبي العدالة والتنمية والحركة الشعبية من دائرة المقاعد.

ثلاثة مقاعد.. وأسئلة كثيرة

مع اقتراب يوم 23 شتنبر، تبدو المنافسة مفتوحة على أكثر من احتمال، خصوصاً أن الفارق بين الحضور الميداني والقدرة الفعلية على تحويل ذلك الحضور إلى أصوات قد يكون حاسماً.

فهل يستطيع الأصالة والمعاصرة الحفاظ على حضوره؟

وهل يتمكن التجمع الوطني للأحرار من تثبيت موقعه؟


وهل ينجح الاستقلال في تحويل حضوره التنظيمي والميداني إلى مقعد برلماني؟

وهل تستطيع الحركة الشعبية، بقيادة مولاي سليمان العمراني، استعادة المقعد الذي فقده الحزب في الاستحقاق السابق؟

وماذا عن عودة العدالة والتنمية عبر محمد منير ورزازي؟

وهل تستطيع باقي اللوائح إحداث مفاجأة في سباق المقاعد الثلاثة؟

من سيفوز؟

ربما يكون هذا هو السؤال الأكثر تداولاً في مقاهي مراكش ولقاءات المواطنين خلال هذه الأيام.

لكن الإجابة الحقيقية لن تكون في الملصقات ولا في عدد السيارات ولا في حجم التجمعات الانتخابية.

الإجابة ستكون في صناديق الاقتراع.

ففي جليز–النخيل، كما في باقي الدوائر، يبقى الناخب هو صاحب الكلمة الأخيرة، بينما تظل كل القراءات السابقة ليوم الاقتراع مجرد مؤشرات وتحليلات قابلة للتغير.

وما بين انطلاق الحملة الانتخابية وإغلاق مكاتب التصويت، ستبقى المعركة مفتوحة، وسيكون الرهان الحقيقي أمام المرشحين هو تحويل الحضور السياسي إلى ثقة انتخابية فعلية.

وفي انتظار إعلان النتائج، يظل السؤال الصحفي المشروع ليس: من نريد أن يفوز؟ وإنما:

من استطاع أن يقنع الناخبين ببرنامجه، ومن تمكن من تحويل حملته الانتخابية إلى أصوات داخل صناديق الاقتراع؟

ذلك وحده سيكشف، مساء 23 شتنبر، أسماء النواب الثلاثة الذين سيحملون تمثيلية دائرة جليز–النخيل إلى البرلمان.

الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026

الشيخ محمد زحل.. مسيرة عالم وداعية ومربٍّ وصحفي مغربي

 

بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!

يُعد الشيخ أبو معاذ محمد زحل الحيحي (1943–2017) من الأسماء التي تركت حضورًا واضحًا في المشهد العلمي والدعوي والثقافي المغربي خلال النصف الثاني من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين. فقد جمع في مساره بين طلب العلم الشرعي، والتدريس، والإمامة والخطابة، والدعوة، والتأليف الصحفي، والاهتمام بالأدب والشعر، كما ارتبط اسمه بمدينة الدار البيضاء التي احتضنت جانبًا كبيرًا من نشاطه العلمي والدعوي.

ولم تكن رحلة محمد زحل العلمية وليدة مسار تعليمي ميسّر، وإنما بدأت في بيئة سوسية محافظة، حيث حفظ القرآن الكريم على يد والده، ثم تنقل بين عدد من المدارس والمعاهد العلمية، قبل أن يصل إلى مراكش وكلية ابن يوسف، التي كان لها أثر بارز في تكوينه العلمي والفكري.

وقد ظل الشيخ إلى نهاية حياته حاضرًا في مجالس العلم والمساجد والمنابر الإعلامية، وخلّف وراءه صورة عالم اشتغل بالتعليم والدعوة والإعلام، وانخرط في عدد من المؤسسات والجمعيات الإسلامية، إلى جانب مشاركته في بدايات الحركة الإسلامية بالمغرب.

النشأة والبدايات في سوس

ولد أبو معاذ محمد زحل الحيحي سنة 1943م، الموافق لـ1363هـ، ببلدة تيلوى بقبيلة نكنافة بمنطقة حاحة، في المجال الجغرافي الممتد بين الصويرة وأكادير على الساحل الأطلسي.

نشأ في أسرة تهتم بالعلم والقرآن، وكان والده أول معلم له؛ إذ أخذ عنه القرآن الكريم، حتى أتقنه نصًا ورسمًا.

وهذه المرحلة المبكرة كانت ذات أهمية كبيرة في بناء شخصيته، لأن حفظ القرآن لم يكن بالنسبة إليه مجرد مرحلة تعليمية، وإنما شكّل قاعدة أساسية لمساره العلمي اللاحق، خصوصًا في علوم اللغة والفقه والتفسير والحديث.

ومع مرور الوقت بدأ يتطلع إلى توسيع معارفه، فلم يكتف بما تلقاه في محيطه الأول، وإنما انتقل إلى مؤسسات علمية مختلفة بحثًا عن مزيد من العلم.

المدرسة الجزولية وبداية التكوين العلمي

في سنة 1956 التحق محمد زحل بالمدرسة الجزولية، حيث بدأ دراسة عدد من المتون التي كانت تشكل في ذلك الوقت أساسًا مهمًا في تكوين طالب العلم.

فدرس الآجرومية، ولامية الأفعال، وألفية ابن مالك، وتحفة ابن عاصم، ومتن الرسالة، إضافة إلى بعض المتون الأدبية.

ويكشف هذا التكوين المبكر عن طبيعة المنهج التقليدي في التعليم العلمي بالمغرب، حيث كان الطالب يبدأ بحفظ المتون واستيعاب أصول العلوم، ثم ينتقل تدريجيًا إلى الشرح والتوسع.

وكان تمكنه من اللغة العربية وعلومها لاحقًا عنصرًا مهمًا في نشاطه الدعوي والإعلامي، إذ عُرف بأسلوب خطابي مباشر وقدرة على تقديم الدروس والمحاضرات أمام جمهور واسع.

المدرسة الهاشمية بتمنار

بعد إلحاح من محمد زحل على والده، أذن له بالالتحاق بالمدرسة الهاشمية في تمنار، تحت إشراف الشيخ البشير بن عبد الرحمن توفيق، والد الدكتور محمد عز الدين توفيق.

وكانت هذه المرحلة من المراحل المؤثرة في تكوينه الفكري.

فبحسب ما نُقل عنه، وجد في البيئة العلمية للمدرسة الهاشمية مناخًا مختلفًا، خصوصًا في ما يتعلق بطريقة النقاش والجرأة في طرح الأسئلة ومناقشة بعض الممارسات التعليمية والدينية السائدة آنذاك.

كما تأثر بالنقاشات التي كانت تنتقد بعض مظاهر الطرق الصوفية وتعظيم الأضرحة وما يرتبط بها من ممارسات، وهو ما سيظهر لاحقًا في مواقفه الفكرية والدعوية.

وهنا بدأت تتشكل لديه شخصية الداعية الذي لا يكتفي بتلقي العلم، وإنما يسعى إلى المناقشة والنقد وإعادة النظر في بعض الممارسات الاجتماعية والدينية.

من تارودانت إلى مراكش

بعد تمنار، انتقل محمد زحل إلى المعهد الإسلامي بمدينة تارودانت، الذي كانت تشرف عليه جمعية علماء سوس.

وقد مثلت تارودانت محطة أخرى في مساره العلمي، قبل أن ينتقل إلى مراكش، المدينة التي كانت في ذلك الوقت واحدة من أهم المراكز العلمية والثقافية بالمغرب.

وهناك التحق بـكلية ابن يوسف، المؤسسة العلمية العريقة التي كان لها حضور كبير في تاريخ التعليم الديني والثقافي المغربي.

كلية ابن يوسف.. محطة أساسية في تكوينه

كانت سنوات مراكش مرحلة مفصلية في حياة محمد زحل.

ففي كلية ابن يوسف أخذ العلم عن عدد من العلماء والأساتذة، ومن بينهم:

الحسين راغب

أحمد أملاح

حسن جبران

عمر فوزي

المختار السباعي

العلامة الرحالي فاروق

عبد السلام جبران

وقد ساهم هذا التكوين المتنوع في توسيع معارفه، وربطه بتقاليد علمية مختلفة في الفقه واللغة والحديث والفكر.

وتخرج من كلية ابن يوسف سنة 1963، لينتقل بعد ذلك إلى مرحلة جديدة من حياته المهنية.

وهنا تبرز أهمية مراكش في سيرته؛ فالمدينة لم تكن مجرد محطة دراسية، وإنما كانت فضاءً علميًا وثقافيًا احتك فيه بمجموعة من العلماء والمدرسين، وهو ما انعكس على شخصيته العلمية لاحقًا.

الانتقال إلى الدار البيضاء

بعد تخرجه من كلية ابن يوسف، انتقل محمد زحل إلى مدينة الدار البيضاء، حيث نجح في مسابقة المعلمين، والتحق بمدرسة المعلمين، وتخرج منها بعد سنة.

وبذلك جمع بين التكوين الشرعي التقليدي والتكوين التربوي المهني.

وهذه الثنائية ستصبح من أبرز ملامح شخصيته؛ فهو لم يكن فقيهًا أو واعظًا فقط، بل اشتغل بالتعليم النظامي، وعرف من خلال تجربته اليومية طبيعة المجتمع وتحولاته ومشكلات التربية والتعليم.

عمل مدرسًا في المدارس الحكومية بمدينة الدار البيضاء، ثم توسع نشاطه ليشمل الإمامة والخطابة والتدريس الشرعي في عدد من المساجد.

المسجد.. المدرسة الكبرى في حياة الشيخ محمد زحل

كان المسجد بالنسبة لمحمد زحل أكثر من مكان لإلقاء خطبة الجمعة أو إقامة الصلاة؛ فقد جعله فضاءً للتعليم المستمر.

وانخرط في تقديم الدروس والمحاضرات في عدد من مساجد الدار البيضاء، متناولًا موضوعات مختلفة في التفسير والحديث والفقه والعقيدة والتربية الإسلامية.

ومن الدروس التي عُرف بها:

تفسير القرآن الكريم.

شرح كتب الحديث.

شرح صحيح البخاري.

شرح صحيح مسلم.

شرح موطأ الإمام مالك.

شرح كتاب الشفا للقاضي عياض.

شرح كتاب التوحيد.

وتذكر سيرته أنه شرح كتاب التوحيد في مسجد الفوارات بالدار البيضاء، كما شرح صحيح الإمام مسلم على امتداد سنتين في جامع الشهداء، الذي كان يخطب فيه كذلك.

أما صحيح البخاري فقد درسه، بحسب سيرته، لمدة وصلت إلى 13 عامًا في جامع عين الشق العتيق.

وهذه المدة الطويلة في تدريس كتب الحديث تعكس طبيعة مشروعه الدعوي الذي كان قائمًا على الدرس المنتظم، وليس على المحاضرات الموسمية فقط.

محمد زحل والدعوة الإسلامية

مع استقراره في الدار البيضاء بدأ نشاطه الدعوي يتوسع تدريجيًا.

فلم يقتصر على المساجد، وإنما شارك في محاضرات ولقاءات داخل:

الأندية؛

دور الشباب؛

الجمعيات الثقافية؛

المؤسسات التعليمية؛

الفضاءات الدعوية.

وكان من الدعاة الذين اعتمدوا على المحاضرة والدرس المباشر في الوصول إلى الجمهور.

وقد أتاحت له مدينة الدار البيضاء، بما تمثله من كثافة سكانية وتنوع اجتماعي وثقافي، مجالًا واسعًا للتواصل مع شرائح مختلفة من المجتمع.

علاقته بالحركة الإسلامية

في بداية سبعينيات القرن العشرين، ارتبط اسم محمد زحل بتأسيس الحركة الإسلامية في المغرب، إلى جانب عدد من الأسماء التي كانت تنشط في المجال الإسلامي آنذاك، ومن بينهم عبد الكريم مطيع، وإبراهيم كمال، وعبد اللطيف عدنان، وعلال العمراني، وعمر عصامي، وإدريس شاهين وغيرهم.

وكانت تلك المرحلة مرحلة سياسية وفكرية دقيقة في المغرب، شهدت صعود تيارات وأفكار واتجاهات مختلفة.

وفي هذا السياق أصبح النشاط الإسلامي يأخذ أشكالًا متعددة، من بينها التربية، والدعوة، والمحاضرات، والنشر، والعمل الجمعوي.

وكان محمد زحل حاضرًا في هذا المشهد من خلال الدرس والخطابة والتأطير والنشر.

مجلة «الفرقان».. منبر إعلامي وفكري

من أبرز المحطات في مساره توليه إدارة مجلة الفرقان سنة 1984.

وكانت المجلة واحدة من المنابر التي اهتمت بالقضايا الإسلامية والفكرية والثقافية، وأسهمت في نشر المقالات والدراسات والنقاشات المرتبطة بالشأن الديني والفكري.

وقد تولى محمد زحل إدارة المجلة ورئاسة هيئة تحريرها، واستمر في هذا العمل لسنوات.

كما ارتبط اسمه في هذه المرحلة بالدكتور سعد الدين العثماني في العمل بالمجلة.

وهنا تظهر إحدى الخصائص المهمة في شخصيته: فقد جمع بين المنبر التقليدي المتمثل في المسجد، والمنبر الحديث المتمثل في الصحافة.

فالشيخ الذي كان يلقي دروسه في المساجد أصبح كذلك يكتب وينشر ويشارك في صناعة خطاب ديني وفكري عبر الصحافة.

الشيخ محمد زحل والأدب والشعر

رغم أن الجانب الشرعي والدعوي كان هو الأبرز في مساره، فإن اهتماماته لم تكن محصورة في الفقه والحديث والدعوة.

فقد عُرف أيضًا باهتمامه بالأدب والشعر واللغة العربية.

وهذا الاهتمام يمكن فهمه في ضوء تكوينه الأول الذي شمل دراسة المتون اللغوية والأدبية، إضافة إلى تكوينه في كلية ابن يوسف.

وقد شكلت اللغة بالنسبة إليه أداة أساسية في الدعوة والتعليم والإعلام، وهو ما جعل حضوره يتجاوز صورة الفقيه التقليدي إلى صورة المثقف والداعية والإعلامي.

موقفه من التصوف والأضرحة

من القضايا الفكرية التي ارتبطت بسيرة محمد زحل موقفه النقدي من بعض مظاهر التصوف الشعبي وتعظيم الأضرحة.

وقد تحدث في سيرته عن تأثره، منذ مرحلة المدرسة الهاشمية، بالنقاشات التي كانت تنتقد بعض الطرق الصوفية وبعض الممارسات المرتبطة بالأضرحة والقرابين والنذور.

وكان يرى ضرورة التمييز بين الدين وممارسات اجتماعية ودينية اعتبرها مخالفة لما يراه من منهج التوحيد.

وقد جعل هذا الموقف منه شخصية مثيرة للنقاش في بعض الأوساط، خصوصًا في مجتمع مغربي يتميز تاريخيًا بحضور قوي للتقاليد الصوفية والزوايا.

ومن المهم عند تناول هذه النقطة تاريخيًا أن توضع في سياقها؛ فهي تعكس جانبًا من التنوع والجدل داخل الحقل الديني المغربي خلال القرن العشرين، ولا تختزل كامل مشروع الرجل.

الجمعيات والعمل الإسلامي

إلى جانب عمله في التعليم والدعوة والصحافة، شارك محمد زحل في عدد من المؤسسات والجمعيات.

ومن بينها جمعية أنصار الإسلام، التي اشتغل فيها إلى جانب الفقيه العلامة محمد مفضال السرغيني والأستاذ محمد الجبلي.

كما عمل في جمعية شباب الدعوة الإسلامية.

وكان له حضور في مؤسسات إسلامية داخل المغرب وخارجه، كما ارتبط اسمه برئاسة رابطة علماء المغرب العربي، وبكونه عضوًا مؤسسًا في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

وهذه المشاركات تعكس اتساع دائرة نشاطه، وانتقاله من المجال المحلي إلى فضاء أوسع من العمل الإسلامي.

محمد زحل.. مدرسة دعوية في الدار البيضاء

إذا أردنا اختصار تجربة محمد زحل في الدار البيضاء، فإننا نجد ثلاثة مسارات متداخلة:

المعلم الذي اشتغل في المدرسة العمومية.

الداعية الذي ملأ المساجد والمحاضرات بالدروس العلمية.

الإعلامي الذي حمل أفكاره إلى الصحافة والنشر.

وهذا الجمع بين التعليم والدعوة والإعلام ساعده على بناء حضور واسع.

فالمعلم يتعامل مع الناشئة، والخطيب يخاطب عموم المصلين، والداعية يتوجه إلى الجمهور، والصحفي يخاطب القارئ خارج المسجد.

ومن هنا يمكن فهم استمرار حضوره في الذاكرة الدعوية لدى عدد من الذين عايشوا نشاطه العلمي.

وفاة الشيخ محمد زحل

بعد عقود من العمل العلمي والدعوي والإعلامي، توفي الشيخ محمد زحل يوم الأربعاء 23 أغسطس 2017، الموافق 1 ذو الحجة 1438هـ، بمدينة الدار البيضاء، عن عمر ناهز 74 عامًا.

وكان قد خضع قبل وفاته بأسبوعين تقريبًا لعملية جراحية بإحدى المصحات الخاصة بالدار البيضاء، إثر تعرضه لأزمة قلبية.

ووري جثمانه الثرى في مقبرة الغفران بالدار البيضاء.

وبوفاته فقد المغرب واحدًا من الوجوه التي عاشت تحولات كبيرة في الحقل الديني والفكري والدعوي، منذ مرحلة ما بعد الاستقلال وصولًا إلى العقود الأولى من القرن الحادي والعشرين.

إرث الشيخ محمد زحل

لا يمكن اختزال إرث محمد زحل في كتاب أو مجلة أو درس بعينه، وإنما يمكن النظر إليه باعتباره حصيلة مسار طويل من التعليم والدعوة والتربية والإعلام.

ومن أبرز عناصر هذا الإرث:

التدريس الشرعي: من خلال الدروس المنتظمة في التفسير والحديث والفقه.

خدمة المسجد: إمامًا وخطيبًا ومدرسًا.

التكوين التربوي: من خلال عمله مدرسًا في التعليم العمومي.

الإعلام الإسلامي: خصوصًا من خلال مجلة الفرقان.

العمل الجمعوي: عبر مشاركته في عدد من الجمعيات الإسلامية.

الحضور الفكري: من خلال مواقفه من قضايا العقيدة والتدين الشعبي والتصوف.

التواصل مع الشباب: عبر المحاضرات والنوادي ودور الشباب.

الاهتمام باللغة والأدب: وهو جانب مكمل لشخصيته العلمية والدعوية.

مراكش في سيرة محمد زحل

ومن الزوايا التي تستحق اهتمامًا خاصًا في دراسة سيرته علاقته بمدينة مراكش.

فمراكش لم تكن محطة عابرة في حياته، بل كانت المدينة التي احتضنت مرحلة مهمة من تكوينه العلمي داخل كلية ابن يوسف.

ومن خلالها التقى بعدد من العلماء والأساتذة الذين تركوا أثرًا في تكوينه.

وهذا يفتح الباب أمام دراسة أوسع لتاريخ كلية ابن يوسف ودورها في تكوين علماء المغرب خلال القرن العشرين، وكيف ساهم خريجوها في الحياة الدينية والتعليمية والثقافية والإعلامية في مختلف المدن المغربية.

إن الحديث عن الشيخ محمد زحل هو حديث عن جيل من العلماء والدعاة الذين عاشوا مرحلة انتقالية مهمة في تاريخ المغرب؛ جيل تلقى العلم في المدارس العتيقة والمعاهد الإسلامية، ثم وجد نفسه أمام مجتمع يتغير بسرعة، فحاول أن ينقل العلم من حلقات الدرس التقليدية إلى المسجد والمدرسة والجمعية والصحافة والمحاضرة.

وقد تميز محمد زحل بقدرته على الجمع بين هذه المجالات، فكان مدرسًا وفقيهًا وخطيبًا وداعية وصحفيًا ومهتمًا بالأدب.

وإذا كانت بعض مواقفه الفكرية قد أثارت نقاشًا واختلافًا، فإن ذلك لا يلغي أهمية دراسة تجربته باعتبارها جزءًا من تاريخ الحركة العلمية والدعوية والإسلامية والإعلامية بالمغرب.

ويبقى اسم محمد زحل مرتبطًا خصوصًا بمدينة الدار البيضاء التي احتضنت معظم نشاطه، وبمراكش التي كانت إحدى أهم محطات تكوينه العلمي، وبالمؤسسات والمنابر التي جعل منها فضاءات لنشر العلم والدعوة والتربية.

رحم الله الشيخ محمد زحل، وجزاه عن ما قدمه من علم وتعليم ودعوة خير الجزاء، وجعل ما تركه من أثر علمي وتربوي في ميزان حسناته.