بقلم :خليفة مزضوضي مدير أكاديمية الأنطاكي الدولية الخاصة للتدريب والبحث والتنمية وتنمية القدرات باحث في علم الإجتماع والنفس والإصلاح السلوكي المنسق العام للمرصد الدولي للإعلام والدبلوماسية الموازية رئيس مكتب الرابطة المحمدية للطرق الصوفيه بالمملكة المغربية لجهة مراكش آسفي...!!!
ليست الدارجة المغربية مجرد وسيلة للتواصل اليومي، وإنما هي مستودع حيّ للذاكرة الاجتماعية والثقافية للمغاربة. فكثير من الكلمات التي نستعملها بصورة عفوية تحمل في بنيتها آثاراً من مهن قديمة، وعادات اجتماعية، وأنماط من العيش، وعلاقات اقتصادية وثقافية اندثرت أو تغيرت وظائفها مع الزمن.
ومن بين هذه المفردات كلمة «السمايري»، وهي كلمة مغربية مثيرة للاهتمام، لأنها لم تحافظ على معنى واحد عبر التاريخ، بل ارتبطت في بعض الروايات بحرفة تقليدية، ثم اكتسبت في الاستعمال الشعبي معاني اجتماعية أخرى، وأصبحت في بعض المناطق تُستخدم للدلالة على شخص يمارس نوعاً من التحايل أو الاستدراج، ولا سيما في سياق «التاسمرة» وقراءة الفال والشعوذة الشعبية.
وهنا تبرز أهمية الكلمة من منظور علم الاجتماع الثقافي؛ إذ إن دراسة «السمايري» لا تعني البحث عن معنى معجمي فقط، وإنما محاولة لفهم كيف تنتقل الكلمة من المجال المهني إلى المجال الاجتماعي، وكيف تتغير دلالتها عندما تتغير بنية المجتمع نفسه.
أولاً: «السمايري» والحرفة التقليدية
من أبرز الروايات التي تناولت أصل الكلمة ربطها بحرفة السمّار أو البيطار التقليدي، أي الحرفي الذي كان يتولى صناعة وتركيب الصفائح الحديدية أو «الحذوات» التي تثبت في حوافر الخيول والبغال والحمير.
وتشير مصادر صحفية وثقافية إلى استعمال «السمايري» و«الصفايحي» للدلالة على البيطار في بعض مناطق المغرب، خصوصاً في البيئات التي ظلت تعتمد على الدواب في التنقل ونقل البضائع. وكان صاحب هذه الحرفة يجلس أو ينحني طويلاً أمام قوائم الحيوان، ويستعمل المطرقة والسندان والمسامير لتثبيت الحذوة الحديدية.
ومن هذه الرواية يمكن فهم العلاقة اللغوية المحتملة بين «المسمار» و«السمايري»، غير أن ذلك لا ينبغي تقديمه باعتباره حقيقة لغوية نهائية؛ لأن الاشتقاق الشعبي للكلمات لا يطابق دائماً الاشتقاق اللغوي العلمي.
وتكتسب هذه الرواية أهميتها من كونها تعكس مجتمعاً كان فيه الحيوان جزءاً أساسياً من الاقتصاد والنقل. فالفرس والبغل والحمار لم تكن مجرد حيوانات، بل كانت وسائل للنقل والعمل والتجارة، ولذلك كان البيطار أو «السمايري» صاحب وظيفة ضرورية داخل السوق الأسبوعي والقرية والبادية.
ثانياً: من المهنة إلى الصورة الاجتماعية
مع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية التي عرفها المغرب، تراجع الاعتماد على الدواب في النقل لصالح السيارات والشاحنات ووسائل النقل الحديثة. ومع ذلك، لم تختفِ الكلمة بالضرورة مع اختفاء أو تراجع الحرفة.
وهنا تظهر ظاهرة لغوية واجتماعية مهمة:
قد تموت المهنة، لكن اسمها يبقى حياً داخل الذاكرة الشعبية.
وهذه الظاهرة معروفة في علم اللغة الاجتماعي؛ إذ يمكن للكلمة أن تنتقل من معناها الأصلي إلى معنى مجازي أو اجتماعي جديد، وأن تستمر في التداول حتى بعد اختفاء السياق الذي نشأت فيه.
وتشير بعض الكتابات المغربية إلى أن «السمايري» أصبح في استعمالات أخرى مرتبطاً بشخص ينتظر طويلاً في مكان عام، أو يترصد شخصاً يعرفه من أجل قضاء غرض أو طلب حاجة منه.
وهذا التحول الدلالي جدير بالدراسة، لأنه يكشف كيف تستطيع الجماعة اللغوية أن تعيد إنتاج الكلمات القديمة داخل سياقات جديدة.
ثالثاً: «السمايري» و«التاسمرة»
هناك استعمال آخر للكلمة، أكثر ارتباطاً بالذاكرة الشعبية المغربية، حيث أصبح «السمايري» في بعض الروايات الشعبية والصحفية مرتبطاً بما يسمى «التاسمرة».
ويقصد بالتاسمرة، في بعض الاستعمالات المغربية، نوع من الحيل القائمة على الكلام والإقناع والاستدراج، حيث يحاول الشخص التأثير في الضحية بواسطة خطاب يبدو في ظاهره ذا طبيعة روحانية أو غيبية، قبل أن يتحول الأمر إلى احتيال أو سلب للمال.
وقد تناولت مصادر صحفية مغربية هذا الاستعمال، وربطت «السمايرية» بممارسات الاحتيال الشعبي وقراءة الفال واستغلال بعض المعتقدات المرتبطة بالبركة والغيب.
لكن من المهم علمياً عدم الخلط بين المعنى التاريخي المحتمل للكلمة وبين الصورة الاجتماعية التي اكتسبتها لاحقاً.
فليس كل من حمل هذه التسمية مرتبطاً بالاحتيال، كما أن «السمايري» في سياقه المهني القديم كان صاحب حرفة يدوية مشروعة وضرورية.
رابعاً: الحلقة والفرجة الشعبية
ترتبط بعض صور «السمايري» أيضاً بثقافة الحلقة في الأسواق والساحات المغربية.
والحلقة لم تكن مجرد فضاء للفرجة، وإنما كانت مؤسسة اجتماعية شعبية مصغرة؛ يجتمع فيها الحكواتي، والمداح، والحلايقي، والمشعوذ، وقارئ الفال، وغيرهم من أصحاب الفرجة الشعبية.
وفي بعض الروايات حول «السمايرية»، كان نجاح الشخص يعتمد على قدرته على الكلام، والملاحظة، وقراءة ردود فعل الجمهور، واختيار الشخص المناسب لاستدراجه إلى الحلقة.
وهذا يفتح الباب أمام قراءة سوسيولوجية مهمة: فـ«السمايري» في هذا السياق لا يعتمد فقط على الخداع، وإنما على المعرفة الدقيقة بالسلوك الاجتماعي للناس: الخوف، والطمع، والحب، والمرض، والقلق، والرغبة في معرفة المستقبل.
وقد وصفت شهادات صحفية حول «السمايرية» بعض هذه الأساليب باعتبارها امتداداً لتقاليد قراءة الفال والفرجة الشعبية، قبل تحول بعضها إلى ممارسات احتيالية.
خامساً: لماذا تتغير دلالة الكلمات؟
إن التحول الذي عرفته كلمة «السمايري» يقدم مثالاً ممتازاً على إحدى أهم ظواهر علم اللغة الاجتماعي:
الكلمات لا تعيش خارج المجتمع.
فعندما تتغير البنية الاقتصادية للمجتمع، تتغير المهن؛ وعندما تختفي المهنة، قد تختفي معها دلالتها الأصلية. لكن الكلمة قد تنتقل إلى مجال آخر وتكتسب معنى جديداً.
وهكذا يمكن تصور المسار الدلالي للكلمة على النحو التالي:
حرفة → شخص يمارس الحرفة → سلوك مرتبط بالشخص → وصف اجتماعي → معنى مجازي أو سلبي في بعض السياقات.
وهذا المسار ليس خاصاً بـ«السمايري» وحده، وإنما نجده في عدد كبير من المفردات الشعبية التي انتقلت من أسماء المهن إلى أوصاف للأشخاص والسلوكيات.
سادساً: بين الرواية الشعبية والتحقيق العلمي
من الضروري هنا التمييز بين الرواية الشعبية والحقيقة التاريخية الموثقة.
فقد ظهرت تفسيرات متعددة لأصل كلمة «السمايري». إحدى الروايات تربطها بحرفة البيطار والمسامير وصفائح الدواب، بينما توجد روايات شعبية أخرى تربطها بمصطلحات أو شخصيات ذات علاقة بالحكاية الدينية أو بالانتظار والترصد. وقد أشار بحث صحفي إلى اختلاف الباحثين المغاربة حول أصل الكلمة نفسها.
لذلك لا يصح علمياً القول إن هناك أصلاً واحداً محسومًا للكلمة من دون الرجوع إلى المعاجم التاريخية، والمدونات المغربية القديمة، ووثائق الحرف والأسواق، والمقابلات الميدانية مع كبار السن وأهل الحرفة.
وهنا يمكن أن يتحول موضوع «السمايري» إلى مشروع بحث في اللسانيات الاجتماعية والأنثروبولوجيا المغربية.
سابعاً: «السمايري» كذاكرة للمغرب القديم
تكمن القيمة الحقيقية للكلمة في أنها تسمح لنا بفتح نافذة على مغرب مختلف:
مغرب الأسواق الأسبوعية، والدواب، والحرفيين، والحلقة، والمداحين، والحكواتيين، والبيطارين، وقارئي الفال، والباعة المتجولين.
لقد كانت السوق فضاءً اقتصادياً وثقافياً في الوقت نفسه، وكانت المهن الشعبية جزءاً من هوية المكان.
ومن هذه الزاوية، فإن كلمة صغيرة مثل «السمايري» تستطيع أن تقودنا إلى دراسة:
تاريخ الحرف التقليدية.
اقتصاد السوق الأسبوعي.
ثقافة الحلقة.
علاقة المغاربة بالفرس والدواب.
التحولات التي عرفتها البادية المغربية.
تطور الدارجة المغربية.
انتقال المفردات من معناها المهني إلى معناها المجازي.
علاقة اللغة بالذاكرة الجماعية.
انتشار المعتقدات الشعبية وأشكال استغلالها.
تأثير الحداثة ووسائل النقل على الحرف التقليدية.
ثامناً: من «السمايري» إلى الذاكرة اللغوية للمغاربة
إن دراسة كلمة «السمايري» تجعلنا أمام سؤال أكبر:
كم من كلمة نستعملها اليوم دون أن نعرف أنها تحمل جزءاً من تاريخنا الاجتماعي؟
فالدارجة المغربية ليست لغة ثابتة، وإنما هي نتيجة تراكم تاريخي طويل شاركت فيه العربية والأمازيغية والأندلسية والحسانية ولغات المتوسط وغيرها من المؤثرات.
ولهذا فإن حفظ المفردات الشعبية لا ينبغي أن يكون مجرد عمل لغوي، بل هو أيضاً عمل في حفظ الذاكرة الثقافية للمجتمع.
فحين تختفي كلمة، قد تختفي معها حكاية مهنة، أو نمط من العيش، أو صورة من صور العلاقات الاجتماعية.
خاتمة
إن «السمايري» ليست مجرد كلمة عابرة في قاموس الدارجة المغربية، وإنما نموذج مصغر للطريقة التي تعمل بها الذاكرة الاجتماعية داخل اللغة.
فقد ارتبطت الكلمة، وفق إحدى الروايات القوية المتداولة، بحرفة البيطار وصناعة صفائح الدواب، ثم ظهرت لها استعمالات اجتماعية أخرى، فأصبحت في بعض البيئات مرتبطة بالانتظار أو الاستدراج أو «التاسمرة».
وبغض النظر عن أي الروايات أكثر دقة من الناحية الاشتقاقية، فإن الثابت ثقافياً هو أن الكلمة تكشف لنا عن قدرة الدارجة المغربية على اختزان التاريخ داخل مفرداتها.
ولعل أجمل طريقة لاستكمال البحث ليست الاكتفاء بما تقوله الكتب والمصادر، وإنما العودة إلى الذاكرة الشفوية للمغاربة:
ماذا تعني كلمة «السمايري» في منطقتكم؟ وهل كان أجدادكم يستعملونها للدلالة على البيطار وصانع صفائح الدواب، أم على شخص آخر؟ وهل ما زالت الكلمة تحمل المعنى نفسه عند الجيل الجديد؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة من مناطق المغرب المختلفة قد تكشف لنا خريطة لغوية واجتماعية غنية لا تزال بحاجة إلى التوثيق قبل أن تختفي من الذاكرة الشعبية.
ملاحظة منهجية: صغتُ الموضوع بحذر لأن أصل «السمايري» ليس محسومًا علمياً في المصادر المتاحة؛ لذلك فرّقت بين الرواية المرتبطة بحرفة البيطار، وبين الاستعمالات الاجتماعية اللاحقة، بدل تقديم رواية واحدة باعتبارها حقيقة نهائية.











